(1)
التعليق على خارطة الطرق التي يحملها المبعوث
الأمريكي الجديد "بيرنز" حديث قديم ولن يكون مفيدا التحليل والتفصيل في مسألة باتت مدركة
للفلسطيني الذي مل ألاعيب السياسة الأميركية ، فكلنا يعرف جيدا أن ما يحمله " بيرنز" عنوانه القضية الفلسطينية وحقيقية مقصده
المسالة العراقية ، و أن الأفكار التي يحملها "بيرنز" لا تعدو أن تكون صيغا مكررة فضفاضة
وعمومية، والمطلوب فيها من الفلسطينيين
خاضع للاختبار بينما المطلوب من الصهاينة فخاضع على الدوام للنقاش ، أما
الجداول الزمنية المحددة فهي فارغة
من مضمونها لأنها أزمنة تلزم الفلسطينيين أولا ... مما يعني أن
المطلوب زمنيا من الصهاينة مرهون بما هو مطلوب أولا من الفلسطينيين ، والذي لا
يتحقق أولا لن يلتزم به ثانيا،واللوم على الدوام على الفلسطينيين .
والخطة الأمريكية
تشبه الى حد كبير حال
الذي يطلب من المذبوح أدناه أن يذبح
دون تأوه ، بل عليه أن يظهر الأسف والندامة ويؤدي على الدوام فروض الطاعة
لقاتليه ... ما يطلبه الأمريكيون
بمسمى خارطة الطرق هو القول للعرب إنهم مهتمون بالقضية الفلسطينية ،و أن يقولوا
للعالم إنهم لازال لهم دور في المنطقة يحمل معنى الأمل للفلسطينيين كما يحمل معنى
الألم للعراقيين ، وأن دورهم أخلاقي
في كلا الحالتين وليس دمويا أو مصلحيا ، و إن كان هذا المقصد الأمريكي التاريخي العلني ،فان مقاصدهم الخفية هي تسهيل الظروف للعرب الرسميين لكي لا يصابوا بمرض( الحرج )
مع شعوبهم التي يخشى أن تنفجر وهي
ترى مشهدين من الذبح واحد فلسطيني و
آخر عراقي بينما يقابله سكوت وخنوع
رسمي ، مع أننا نجزم أن هذا السبب
هو هامشي ولا يقلق كثيرا المسئولين الأميركيين ولكنهم يحاولون إعذار أنفسهم وإسكات المحللين ودوائر البحث عندهم
التي لا تكف عن التحذير... لكن بوش
وزمرته لا يبدو أنهم آبهون، فهم
يتحركون بالغريزة الأميركية وليس بالعقل ويفكرون بالمصلحة القريبة ولكنهم حتما سيخسرون المصالح البعيدة.
وغريزتهم المندفعة يلطفها بعض الدهاء الذي
يحاول تجميل مقاصدهم ومصالحهم فيجري إيهامنا أن المسالة العراقية منفصلة بواقع أو بحال عما يجري في فلسطين
، وهي تريد إيهامنا أكثر أن خارطة
الطرق التي يحملها "بيرنز
صالحة للتطبيق قبل ضرب العراق كما هي بعده ،وكأن ألف باء السياسة باتت
مجهولة لدينا لنسلم بورقة المقاومة على مذبح ضرب العراق مقابل ثمن بخس لا ماهية له
ولا كيفية فيه بلا حدود ولا ضمانة، وحتى لو وجد كل ذلك فهل يجوز أن يسلم الأخ أخاه
طمعا بمال أو حرصا على مغنم ؟؟
باختصار : الأميركان يريدون في هذه المرحلة
إدارة أزمة وليس تسوية قضية ، وإنقاذ المحتل والمعتدي وليس وقفه عند حده ،وخلق
توهمات حول جدية التحرك وهو لا يعدو
عن كونه طريقا اعوجا فيه غبار كثيف،
والأكثر إهانة أن من يحمل كل هذه المقترحات ليس مسؤولا رفيعا أو حتى في درجة وزير
بل هو موظف ومساعد لوزير ، مما يدلل على إهانة العرب الرسميين على مستوى المضمون و الشكل أيضا .
(2)
عموما ما يحمله "بيرنز" نستطيع تلخيصه بالتالي:
1- وضوح في البداية "أي استحقاقات
الفلسطينيين"،مع غموض في الوسط والنهاية"أي ما يتعلق بالصهاينة".
2- ترابط بالزمن والمراحل فإن لم يحقق
الفلسطينيون المطلوب منهم فلن يحقق الصهاينة المطلوب منهم .
3- على الضحية الفلسطينية أن تسكت وتمتنع عن الدفاع عن نفسها بينما
يمكن للمعتدي الصهيوني أن يصول
ويجول لحين ضمان سكوت الضحية وليس فقط
امتناعها عن الدفاع عن نفسها.
4- إعطاء الأمل الغامض للفلسطينيين "أي
مسمى الدولة الفلسطينية " دون كلام عن جوهرها (القدس واللاجئين والحدود)، وما يقطعها ويأكل من جسدها
(المستوطنات )، بينما الأمن الذي للصهاينة دائما فهو واضح ومرتبط بأزمنة
و أجندة ومراحل خاضعة للاختبار والقياس.
5- تحقيق الشروط الصهيونية قبل ضرب العراق، بينما الفتات المقدم من
الصهاينة سيكون زمنيا بعده ، مما يعني ضمان أمرين ، تحقق الشروط الصهيونية وبعدها تمرير ضرب العراق، وبعد اكتمال
ذلك سيسهل فرض الشروط على
الفلسطينيين وهم في أسوء ظروفهم.
6- تمرير بعض التسهيلات المعيشية للفلسطينيين لضمان حالة من التبريد دون أن يعني ذلك إلزام الصهاينة بعدم الاستمرار بالعدوان على
الفلسطينيين.
7- الإشارة للتدخل الدولي دون وضوح
آلياته أو مدى إلزامه لإضفاء الرتوش
التكميلية على الخطة الأمريكية .
8-هي في نهاية المطاف مسودة اقتراح سيتحكم بها القوي "أي
الصهاينة" أكثر مما سيغّير بها الضعيف "أي الفلسطينيون".
(3)
إن
وجه الغرابة فيما يجري ليس ما يحمله "بيرنز" ولا مقاصد الأميركان
الخفية أو العلنية ... المصلحية أو الأخلاقية ... إنما فعلا ما يحير ويخيف (برأينا) عدة أمور:
1- إدراك المستوى الرسمي الفلسطيني لمغزى
وغاية التحرك الأمريكي إلا أنهم
يصرون رغم ذلك على استقبال" بيرنز " والسماع منه والترحيب به و إعطاء
تشريع لزيارته ومقترحاته.
2- وما يحير أكثر هو أن الوضوح الصهيوني تجاه
مبادرة " بيرنز " الرافض للأزمنة المحددة بل وحتى لآفاق الدولة العتيدة
رغم التفاهم الاستراتيجي ولقاءات القمة المكثفة بين بوش و شارون ، يشير الى صلابة
الموقف الصهيوني رغم يقين ربحه من الخطة ، بينما المواقف العربية والفلسطينية رخوة
وغامضة رغم اليقين أنها خاسرة وفاشلة .
3-أما ما يخيف هو أن أهداف "بيرنز"
التي لا تخفى على أحد ، تقابل بترحيب
عربي و رسمي يتناسى فيها المسالة العراقية الساخنة حتى في المؤتمرات الصحفية مع المستر " بيرنز" مما يعني الاشتراك العربي الضمني في مهمة
"بيرنز" الخادعة والمضللة لتمهيد الطريق نحو العراق.
4- والأغرب أن مقترحات " بيرنز" هي
بالأصل مستوحاة من اجتماعات اللجنة الرباعية التي تمت بكل أسف تحت سمع وبصر
ومشاركة الدول العربية والسلطة ومندوبيهم.
5- ما يثير الدهشة حقا أن خطاب باول وبوش
ورؤيتهم للتسوية السابقة والتي نشرت رسميا هي افضل حالا من خارطة الطريق من حيث
حجم الوعود والكلمات المدغدغة للنشوة العربية.
6- ما يخيفنا أيضا أن أوروبا وروسيا والأمم
المتحدة قد اقروا مع الأميركان
خارطة الطرق ، مما يعني منطقيا تشريع
هذه الحلول دوليا و يعني اشتراكهم بالجريمة الجارية وتعاونهم لمكافأة
المعتدي الصهيوني وليس لإنقاذ المذبوح الفلسطيني ، مما يظهر بجلاء مدى تراجع تلك
المواقف لتقترب من جهة مع رؤية الأميركان و"إسرائيل" للتسوية وإمكانية
تمريرها لمهمة "بيرنز" التضليلية في الطريق للعراق رغم معارضتهم لذلك
علنا من جهة أخرى ،وهو أمر يضع مجمل ما يجري في دائرة التوجس الشديد والحذر ،و
يبين لنا ضرورة عدم رهن حقوقنا بمواقف غربية أو روسية مساندة هي متفقة إستراتيجيا مع الرؤية
الأمريكية.... والتمايز هنا أو هناك هو هامشي ولأهداف مصلحية وليس لمعارضة مبدئية أو منهجية.
(4)
إن خارطة الطرق" البيرنزية" الأمريكية
يمكن القول إنها طريق في أربع
اتجاهات كلها تؤدي الى هلاك
:-
طريق بلا عودة: فيذهب من يشاء وهو حالم بالأماني ولكن ما إن يدخل فيها حتى يجد
نفسه تائها لا إشارات فيها ولا لوحات تشير الى مطبات أو منزلقات أو تحذيرات مما
يهلك السائر فيها حتما نحو منحدر أو حفرة
أوهي طريق بلا أفق : فأنت قد تسير فيها وقد
أخبروك عن نهايتها، ولكن ما إن تدخل فيها حتى تجد أنها طريق بلانهاية ... لا شمس
فيها ولا قمر ولا ماء ...مظلمة مقفرة ، نعم قد يحمّلوك ما تحرق به لتنال قسطا من الضوء ولكن ما إن تشعله حتى ينفجر بك
الظلام لان النار فيها هي لإشعال المزيد من الظلام.
أوهي طريق الى سراب : فأنت سائر في صحراء
تتوهم فيها وجود الخضرة والماء ،
تراها ولكن لا تجدها و كلما اقتربت
منها ابتعدت عنها.
أوهي طريق الى جنهم: حفت بالتزيين والشهوات
والمرغبات ولكنك في الحقيقية سائر نحو جنهم وليس نحو الجنة فالكلام عن فلسطين والهدف إبادة العراق.
هي باختصار طريق بلا خارطة..و خارطة بلا
طريق.... وهي لا تحمل من الخطة غير اسمها ومن الخارطة غير ورقها، فاحذروا القادم الخطير وأفشلوه بالمقاومة
والنفير.