حوار صريح مع مارتن أنديك وتوماس فريدمان
بقلم : د. أحمد القديدي
كنت مدعواً ومتحدثاً في ندوة العلاقات
الإسلامية الأمريكية التي نظمتها وزارة الخارجية ومؤسسة بروكينغز الأمريكية «من 19
الى 21 ا كتوبر الجاري» والتي حضرها أقطاب الأمريكان اليهود بالتحديد ومنهم مارتن
أنديك الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط «97 الى
99» وعمل سفيراً للولايات المتحدة في إسرائىل على مرحلتين «95 الى 97»» ثم «2000
الى 2001» كما كان مساعداً مقرباً من الرئىس كلينتون حين تحمل مسؤولية قضايا الشرق
الأوسط وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي وهو اليوم يرأس مركز صبان لأبحاث سياسات
الشرق الأوسط ويدرس العلوم السياسية في جامة هوبكنز، كما شارك في الندوة الصحافي
الشهير بتحليلاته توماس فريدمان الذي يكتب مقالات في السياسة الخارجية الأمريكية
منذ عشرين عاماً على صفحات «نيويورك تايمز» وقد صدر كتابه الأخير بعنوان «خطوط
الطول والعرض.. عبر العالم بعد 11 سبتمبر» وهو الذي اشتهر كذلك بنقل مبادرة ولي
العهد السعودي الأمير عبدالله قبيل قمة بيروت العربية.
ومن اليهود المعروفين ايضا شاورل باخاش صاحب
العديد من الكتب عن إيران والإسلام والنفط والأستاذ بجامعة جورج ميسون وكذلك ستيفن
كوهين أستاذ السياسة في جامعة ويسكنسين.. وحضر جمع كبير من المثقفين العرب
والخليجيين وتحديداً منهم الشيخ يوسف القرضاوي والوزير العماني المسؤول عن الشؤون
الخارجية السيد يوسف بن علوي ووزير الإعلام القطري السابق د. حمد عبدالعزيز
الكواري وآخرون عديدون من الزملاء الذين أدلوا بآرائهم في هذا اللقاء.
وبالطبع كانت الندوة ثرية وجدية فهؤلاء
الزائرون استمعوا الى وجهات نظرنا والتي أعطى اشارة انطلاقها صاحب السمو أمير
البلاد المفدى في افتتاحها حين أكد ضرورة التفريق بين الإرهاب والكفاح من أجل حقوق
مغتصبة، وكذلك الشيخ يوسف القرضاوي الذي حلل نظرة الشريعة الى الجهاد وأين ومتي
يجوز وما هي منطلقاته وأهدافه.
واستمعنا الى مداخلات أمريكية نقلت إلينا
هواجس الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر والخوف من أسلحة الدمار الشامل
التي قد يمتلكها العراق، وربطوا ما يبن الارهاب وبرامج التربية والتعليم في بعض
الدول العربية والخليجية وحاولوا إقناعنا بأننا كلنا على مركب العولمة وأن هذه
العولمة تحمل مبادىء وقيماً كونية، وقالوا لنا: لابد أن تنخرطوا فيها.
والذي يلفت النظر هو السكوت الكامل الشامل
لضيوفنا عن انتهاكات اسرائىل للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن وللأخلاق في
الحرب والسلم.. سكوت مطبق شعرنا أنه خطط له قبل بدء الندوة حتى يكون التركيز على
أجندة أمريكية خالصة هي أولا تجربة العراق ثم محاربة الإرهاب في كل مكان أي في
فلسطين، وهي نظرة شارونية ليكودية لا يشاركه فيها جانب كبير حتى في إسرائيل ذاتها
وفي أمريكا نفسها.
وتكلمت أنا عن أخطاء السياسة الخارجية
الأمريكية منذ نصف قرن وهي الدولة التي تملك أكبر عدد من مراكز استشراف المستقبل
ومعامل الدراسات الاستراتيجية، ومن تلك الاخطاء بل وأخطرها الانحياز الأعمى
لإسرائىل ضد الحقوق الفلسطينية وإشعال الحرائق بين العراق وايران على مدى ثماني
سنوات ومنذ 11 سبتمبر الرد على الإرهاب بإرهاب أكبر والقيام بصناعة أعداء وهميين
في مجتمعات إسلامية مسالمة، وتحدثت ما استطعت عن أصل كل الحرائق الراهنة ومركز كل
الزلازل الحالية والمساهمة في تعفن القضية الفلسطينية بلا أفق سياسي منظور وتنامي
حالات العداء لأمريكا لأنها هي التي تقف وراء المظلمة التاريخية الكبرى التي
تشهدها فلسطين من خلال الاحتلال الوحيد الباقي في العالم ومن خلال القتل والتجريف
والحرق والتهجير، هنا يقع مركز الزلزال العالمي المخيف المهدد للناس جميعاً ومن
هنا ينطلق الحل ان أرادت أمريكا ان تستمع لأصوات الحق وأصوات مصالحها بالذات.
وتكلم جمع من الزملاء العرب تقريباً بالمنطق
نفسه واستعملوا البراهين نفسها للتدليل على أننا نقف جميعاً على فوهة بركان..
والأقرب للخطر هي اسرائىل ذاتها وهي ثكنة معسكرة تعيش وتتنفس برئة أمريكية محاطة
بثلاثمائة مليون عربي وفيها مليون عربي وحولها مليار وثلث المليار من المسلمين
الغاضبين على هذا الظلم الواضح. فأي خرائط جديدة مبتدعة تريد واشنطن رسمها على
انقاض خرائط الحرب الباردة وبأيدي من وكيف سيقتنع العرب والمسلمون بحسن نواياها
وهي التي أقرت ضم ثالث مقدساتهم - بيت المقدس- لليهود لتصبح دولتهم ضد الشرعية
الدولية ذاتها. فالعالم الذي يرسمه الأمريكان عالم مخيف وقائم على كف عفريت وخالٍ
من الاخلاق وعدو للإنسانية، وهم يريدون الترويج له تحت شعار العولمة واقتصاد السوق
وثقافة السلام.
أما الموضوع الأساسي الآخر الذي تدخلت فيه
فهو محور تجديد برامج التعليم وقد قلبت الاتهام ضد برامج التعليم الأمريكية ذاتها
وقلت بأنني وجدت انشغالا أوروبياً عاماً بأخطار تصدير العنف والموت في برامج
التعليم والإعلام الأمريكية للعالم حيث يقوم عدد متزايد من زملائنا في باريس
وبرلين وامستردام بمقاومة اقراص الليزر والسي دي دوم الأمريكية وأفلام الكرتون
والخيال الأمريكية وهي تنقل لأطفالهم عقيدة العنف بل إن أطفالنا جميعاً يشاركون في
القتل من خلال ألعاب البلاي ستايشن.. وأكدت للزملاء الأمريكان أن العالم بأسره
يخاف برامجهم لا برامجنا.. مع ان كثيراً من برامج تعليمنا تستحق المراجعة
والتعديل.
هذه كانت بعض الحوارات الصريحة مع ممثلي
مجموعات ضغط تحسن مواجهتها بالحوار والحجة وانارتها في حدود الإمكان بنظرتنا
وتحليلنا وتقييمنا.