ثورة يوليو.. خمسون عاماً:

هل كانت الثورة لازمة؟ (10)  ساعة سقوط الملكية فى مصر

 

 

 

بقلم : محمد حسنين هيكل

       

1 تجارب مباشرة على حافة بركان

? في الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم الثلاثاء 23 يوليو 1952 كنت في بيتى أنتظر إشارة اتصالا تليفونيا في الغالب من الصاغ <<سعد توفيق>> يبلغني رسالة من البكباشي <<جمال عبد الناصر حسين>> (أو كذلك أوحى لي بأكبر قدر من الوضوح دون قول صريح). ولم أكن أعرف موضوع الرسالة المنتظرة لكني تصورته بالضرورة موصولا بالمشهد السياسي الجاري في مصر تلك الأيام وتداعياته الخطرة التي تحولت كل ساعة وكل دقيقة إلى سيل متدافع، متسارع، تتزايد حركته وتتعالى منذرة بأنه الطوفان!

...................

...................

? كانت الدقائق والثواني تمر ببطء ثقيل كأن وحدات الزمن طال عمرها ونامت عقاربها على سطح الساعة لا تخطو من خط إلى خط ولا تنتقل وتمشي لتمارس حسابها للوقت.

وفي الساعة الحادية عشرة إلا ربعا دق جرس التليفون، لكن المتكلم لم يكن من أنتظره، وإنما كان <<فريد زعلوك>> (باشا) (وهو الآن وزير للدولة مع <<نجيب الهلالي>> (باشا) ومساعد مباشر له).

وبادرني <<فريد زعلوك>> وصوته مشحون بنبرة قلق اختلف معها صوته الطبيعي كما ألفته (فقد كان صوته دائما مشحونا بكفاءة خطيب محرض من أيام زعامته للطلبة الوفديين في جامعة فؤاد الأول لمدة عشر سنوات كاملة قضاها بالقصد المقصود طالبا في كلية الحقوق).

وبتلك النبرة المشحونة بالنذر سألني <<فريد زعلوك>> إذا كنت عرفت أن <<ضباط الجيش نزلوا إلى الشارع؟>> وبدا لي التعبير غريبا وأضاف <<فريد زعلوك>> إن المعلومات <<لديهم>> أي لدى القصر والوزارة في الاسكندرية تفيد أن هناك حالة عصيان في الجيش، وأن هناك ضباطا تركوا ثكناتهم <<ونزلوا إلى الشارع!>> واستطرد <<فريد زعلوك>> يقول إن <<نجيب (باشا)>> كان يريد أن يكلمني لكنه الآن في اجتماع مع رئيس الديوان الملكي (حافظ عفيفي) لتدارس التطورات>>. وقلت <<إنه ليس لدي رد على سؤاله بشكل محدد لكن <<حواسي الصحفية>> تقول لي إن هناك أمرا يجري الآن وإن كنت لا أعرف على وجه اليقين شكله أو حجمه أو اتجاهه>>. وكان سؤاله التالي مباشرة <<هل رأيت اللواء نجيب بعد عودتك من الإسكندرية أو سمعت منه؟>> وأجبت بالنفي وشعوري الداخلي أنني لا أريد لحديثنا أن يطول من هاجس يلح عليَّ بأن أترك الخط التليفوني مفتوحا لاتصال أنتظره وقد يكون فيه جلاء ويقين.

وأخذت من <<فريد زعلوك>> رقم تليفون مكتبه في بولكلي (مقر رئاسة الوزارة في الاسكندرية) قائلا <<إنني سوف أعود للاتصال به بعد قليل لعل لديه أو لدي جديدا عن <<تطورات الموقف>>.

ووضعت سماعة التليفون مكانها ورحت أنظر إليها وكأنها كائن حي أمامي أنتظر منه أن يشاركني في حوار. وعندما وصلت عقارب الساعة بشق الأنفس إلى الحادية عشرة لم تبق لدي طاقة على الصبر، وكان الخاطر الذي يلح عليَّ <<أننى لا أقدر على انتظار إشارة الصاغ <<سعد توفيق>> بل إن الانتظار في حد ذاته لم يعد مقبولا من <<مخبر>> صحفي <<في لحظات نزلت فيها الحوادث (ضباطا) إلى الشوارع>> (حسب تعبير وزير الدولة <<فريد زعلوك>> (باشا).

......................................

? وعندما فتحت باب بيتي لأخرج (وفي ذهني أن أقصد إلى مبنى أخبار اليوم بظن أنني هناك أقرب إلى مجرى الحوادث) سمعت رنين التليفون وعدت ملهوفا أسمع صوت الصاغ <<سعد توفيق>> دون مقدمات يسألني بما معناه <<إذا كنت أعرف محطة البنزين وراء كوبري القبة؟ وإذا كان ذلك، فعليَّ أن أكون هناك حوالى الساعة الثالثة قبل الفجر>>. ثم يضيف <<لا تذهب عن طريق العباسية جرب الطريق الخلفي من ناحية قصر القبة>> ثم مضيفا وبسرعة <<سوف تجدني أو تجد خبرا مني هناك>> وانتهى الاتصال!

كانت <<حواسي المهنية>> يقظى، وكان أول ما فعلته أنني عدت إلى باب بيتي أغلقه بعد أن تركته مفتوحا حين سمعت رنين تليفون في اللحظة الأخيرة قبل الخروج! لأني أحسست بحاجة إلى ترتيب خطاي قبل أن أتحرك على غير هدى مسوقا ومشوقا إلى الجري وراء <<أمور>> أعرف <<أنها الآن تقع>> أو <<على وشك أن تقع>> لكن المعلومات اللازمة لتوجيه أي عمل لا تزال مجهولة على الأقل غير محددة! وكان تفكيري ينتقل من <<تصور>> إلى <<تصور>> كأنها طرفات جفن (وهي حالة يعرفها أولئك الذين يكون عليهم أن يختاروا على عجل في مواقف يمكن أن تكون فارقة).

كانت أفكاري تتداعى واحدة متصلة بواحدة:

لا وسيلة ولا جدوى من محاولة الاتصال مرة أخرى بالصاغ <<سعد توفيق>> لسؤاله عن أكثر مما نطق به <<خطفا>> ولم يزد ولم ينتظر ثم إنني لا أعرف أين هو؟!

ومن الآن الساعة الحادية عشرة وحتى ذلك الموعد المعلق في الهواء عند الفجر مدة أربع ساعات وهي في السياسة <<دهر>>، وفي مثل أحوال مصر لحظتها <<أبد>> يستحيل انتظاره حتى يحل.

والذهاب إلى مبنى <<أخبار اليوم لن يفيد في الغالب بشيء إلا البقاء رهن مكتب يستطيع أن يطلب محررين من بيوتهم لكنه لا يعرف إلى أين يدفع بهم كما أنه لا يستطيع من هناك الاتصال بالإسكندرية لأن الإسكندرية هي التي تحاول الآن أن تعرف شيئا عما يجري في القاهرة (بدليل اتصال <<فريد زعلوك>> بي).

ولمع في ذهني خاطر مثل ومض برق وسط الضباب: <<محمد نجيب>> (وكان ذلك استطرادا من سؤال <<فريد زعلوك>> عما إذا كنت رأيت <<محمد نجيب>> أو سمعت منه بعد عودتي من الإسكندرية).

وبان وسط تضارب التصورات خط راح يزداد وضوحا كلما ركزت عليه:

هناك أربع ساعات من الآن حتى الفجر

وإذا كان هناك <<ضباط نزلوا إلى الشارع>> فالغالب أن <<محمد نجيب>> يعرف شيئا أو أنه يستطيع أن يعرف شيئا.

وما داموا في الإسكندرية (وزير الدولة باسم رئيس الوزراء يسألني عن <<محمد نجيب>>)، فلا بد أنهم يظنون بوجود اتصال على نحو ما بينه وبين ما هو جار الآن أو ضمن توابعه.

وفي كل الأحوال فإن <<محمد نجيب>> هو نفسه عقدة الموضوع في أزمة حل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش التي هي بالتحديد بداية الانزلاق نحو ما يجري هذه الساعة.

والغريب أنني أثناء ذلك كله لم أفكر في الاتصال تليفونيا ببيت <<محمد نجيب>> وإنما وجدت نفسي أقود سيارتي على الطريق إليه: شارع فؤاد الأول شارع الملكة نازلي ميدان المحطة شارع الملك إلى الزيتون من وراء قصر القبة (وذلك طريق أطول قليلا من طريق العباسية لكنني ربما بوحي الوعي الباطن كنت أتبع نصيحة <<سعد توفيق>> وكانت تلك <<ضربة حظ>> فلو أخذت طريق العباسية لوجدته مغلقا بسبب التحركات العسكرية التي كان نطاقها يتسع)

....................................................

? وعندما توقفت بسيارتى أمام بيت اللواء <<محمد نجيب>> كان البيت غارقا في الظلام في ما عدا خطوط ضوء تبين من خلال الرقائق العرضية للباب الخشبي الذي يسبق الضلف الزجاجية لباب غرفة الاستقبال المجاورة لمدخل البيت الطبيعي.

ووقفت لحظة أتلفت حولي وبدا كل شيء هادئا وكل الناس نيام. وصعدت درجات السلم القليلة إلى الشرفة الصغيرة التي يطل عليها البابان: باب الدخول الطبيعي إلى البيت وباب غرفة الاستقبال. وكانت خطوط الضوء العرضية وراءه هي الإيحاء الوحيد باليقظة أو بالسهر!

واقتربت <<أدق>> على الباب خفيفا وخيل إليَّ أنني أسمع صوتا شبيها بصوت اللواء <<محمد نجيب>>. ومضت ثوان مشدودة على الآخر كأنها وتر قوس مسحوب إلى أقصى حد ليدفع بسهم إلى أقصى مدى. ثم سمعت صوت الباب الزجاجي يفتح وبعده مزلاج الباب الخشبي (ولم أسجل ولا أتذكر من الذي فتح الباب وفي الغالب فإنه جندي المراسلة الذي كان يقوم على خدمة البيت) ثم وجدت صاحب البيت اللواء <<محمد نجيب>> جالسا وراء مكتبه والتليفون في يده وهو مصغ باهتمام ويشير إليَّ أن أدخل وأجلس وأنتظره حتى يفرغ من حديثه!

كان انتباهي كله مركزا عليه أستشف من كلمات قليلة ينطق بها موضوع حديثه أو شخصية محدثه. ثم كانت المفاجأة حين وجدته يقول ما معناه <<إنه سوف يحاول تكملة الصورة ومعرفة التفاصيل>> ثم يضيف على غير انتظار <<وحتى عندي هنا الأستاذ هيكل من <<أخبار اليوم>> >> ثم يزيد قائلا لمحدثه <<نعم . . . نعم>>! ثم يمد سماعة التليفون ناحيتي يدعوني إلى الكلام هامسا <<هذا مرتضى المراغي باشا (وزير الداخلية) .... طلب أن يتكلم معك حين قلت له إنك عندي>>. وفاجأني ما فعل كما فاجأني ما قال، ولم يكن هناك مجال للتردد.

وسألني <<مرتضى المراغي>> (وزير الداخلية ورجل الملك القوي المدخر للحظة العصيبة) دون مقدمات <<عما يجري عندكم!>> وقلت <<إن فريد زعلوك (زميله في الوزارة) اتصل بي قبل أكثر من ساعة وأبلغني بعض التفاصيل عما وصل إليهم في الإسكندرية عن خروج ضباط في الجيش من ثكناتهم إلى الشارع. وقد خطر لي أن أجيء إلى بيت اللواء نجيب بظن أنه قد يعرف شيئا، ولكني وجدته وحده يتحدث إليك!>> وقال <<المراغي>> (كما سجلت في أوراقي) <<هناك عيال مجانين .... ضباط جيش تركوا ثكناتهم وخرجوا في حالة عصيان سوف تودي بهم <<في داهية>> وهذا <<الجنون>> يجب أن ينتهي قبل أن يطلع الصباح، وأنا <<كلفت>> اللواء نجيب أن يتصرف كما يري مناسبا وأن يتوجه إلى حيث يقابل <<هؤلاء المجانين>> ويقنعهم بفض اعتصامهم والعودة إلى بيوتهم. واللواء نجيب مخوَّل بإبلاغهم <<أنه لن تجري ملاحقة أحد منهم بعقاب وسوف نعتبر الأمر طيش شباب دفعت إليه الحماسة الزائدة...>>

وتوقف لكنه لم يلبث حتى فاجأني بسؤال مؤداه:

<<إذا كنت أعتقد أنه (اللواء نجيب) يستطيع إقناعهم لأن هذه فضيحة للبلد لا بد من تداركها قبل أن يعرف عنها أحد، والمطلوب هو لمُّ الموضوع بسرعة بحيث يمكن نفي خبره إذا تسرب شيء عنه>>

ثم يضيف <<مرتضى المراغي>>: <<أعطني اللواء نجيب>> ثم يزيد <<إنه لا بد أن يتحرك اللواء نجيب فورا وخصوصا أنهم يعرفون أنه رجل محترم في أوساط الضباط الشبان على أنه يتعين عليه الآن أن يستعمل حزمه قبل طيبته قبل أن يضطروا إلى إجراءات لا داعي لها لأنه إذا مضى هؤلاء <<المجانين>> في جنونهم فإن المشانق سوف تكون صفوفا قبل أن يطلع الصبح>>!

ثم يصل <<المراغي>> إلى أن يقول لي <<حاول أن تقوي عزيمة اللواء نجيب ما دمت معه الآن وتعرفه>>.

وناولت سماعة التليفون إلى اللواء <<نجيب>> ولم يطل حديثه مع وزير الداخلية وإنما أنهاه وهو يقول ويكرر <<حاضر... إن شاء الله خير>>.

وأعاد اللواء <<محمد نجيب>> سماعة التليفون إلى مكانها وسألته مستغربا وإلى حد ما معاتبا <<لماذا قال لوزير الداخلية أنني هنا؟>> ورد بلهجة أحسست فيها بيقظة ذكاء بما مؤداه <<أردت أن يطمئن المراغي باشا. أردت أن أؤكد له أنني لا أعرف شيئا بشهادة أنني الآن مع صحفي يمثل جريدة يقال إنها الأقرب إلى <<السراي>>!>>

ومد يده في هدوء إلى منفضة سجائر من المعدن ترك عليها غليونه عندما انهمك في حديثه التليفوني مع وزير الداخلية والآن عاد يشعله مرة أخرى وهو ينظر إليَّ من وراء شعلة عود كبريت ينعكس لهبها في عينيه.

....................................................

? لم يكن اللواء <<محمد نجيب>> يعرف كثيرا عما يجري وما أستطيع ترجيحه سواء من الحديث معه أو (في ما بعد) مع آخرين غيره ملخصه:

1 إن اللواء <<نجيب>> كان بحكم الظروف محور ومدار أزمة نادي ضباط الجيش.

2 إن ذلك وضعه في مكانة معنوية لها قيمة بين التنظيمات السرية النشطة في الجيش وأولها تنظيم الضباط الأحرار (الذي يقوده البكباشي <<جمال عبد الناصر حسين>>).

3 إن تنظيم الضباط الأحرار لم يتصل باللواء <<محمد نجيب>> إلا في وقت ما من شهر يوليو سنة 1952 لأن فكرة القيام بحركة عسكرية واسعة تحتاج إلى قائد من رتبة كبيرة لم تنشأ إلا في ذلك الوقت.

4 ولأنه قبل أن تنشأ هذه الفكرة أي حتى يوليو 1952 كان تركيز حركة الضباط الأحرار على عمليات اغتيال لقيادات سياسية وعسكرية تهز أعمدة النظام الملكي بحيث يصبح سقوطه محتملا (في ظرف سنة أو سنتين) بما يفتح الطريق إلى ثورة شعبية سنة 1953 حسب تصورات قيادة التنظيم.

5 ومع التدهور السياسي في شهر يونيو والنصف الأول من شهر يوليو وتساقط الوزارات السريع في تلك الأسابيع الحاسمة فإن <<لجنة القيادة>> في تنظيم الضباط الأحرار قررت في <<وقت ما>> <<قرب>> منتصف يوليو 1952 أن تقوم بتغيير أساسي في خططها ملخصه العدول عن فكرة الاغتيالات والتعجيل ب <<حركة عسكرية>> تفتح الطريق إلى <<التغيير>>.

6 وكانت خطة الحركة العسكرية هي <<السيطرة على الجيش>> وإملاء الشروط على الملك وعلى السياسيين وفتح الطريق لثورة شعبية.

....................................................

? وفي ما بعد سمعت فكرة خطة السيطرة على الجيش من <<جمال عبد الناصر>> بنفسه وهي بالنص كما سجلته يومها:

<<أدركنا أن منطق الاغتيال لا يحل شيئا سوى أنه يغرق البلد في <<بركة دم>>.

والحل الحقيقي أمامنا أن نفرض على الملك تغييرا كاملا.

كان تقديرنا أن الملك قادر على إملاء إرادته لأنه يستعمل الجيش عصا يرهب بها الشعب، ولذلك فإن خطتنا كانت أن نأخذ <<العصا>> من يد الملك ونضعها في يد الشعب، أي أن ننقل ولاء القوات المسلحة من خدمة الملك لكي نضعها في خدمة الشعب.

وجوهر الفكرة أننا إذا أخذنا الجيش من الملك فمعناه أن القصر فقد سلطته على فرض إرادته فوق الشعب.

يترتب على ذلك أن الاتصال العملي باللواء <<محمد نجيب>> لقيادة <<حركة الجيش>> لم يبدأ إلا <<في وقت ما>> من شهر يوليو 1952 لأن فكرة السيطرة على الجيش لم يؤخذ بها (بديلا لفكرة الاغتيالات) إلا في تلك الفترة. ولم يكن معقولا أن تتصل جماعة من الشباب (تنظيم الضباط الأحرار) بضابط على مستوى اللواء <<محمد نجيب>> مبكرا عن شهر يوليو لإقناعه بالمشاركة في عمليات اغتيال تمهد بعد سنة أو سنتين لثورة شعبية!

وربما أن ذلك اللقاء بين <<جمال عبد الناصر>> و<<عبد الحكيم عامر>> مع اللواء <<محمد نجيب>> في بيته مساء يوم 18 يوليو 1952 والذي جرى أمامي دون أن أعرف ما دار فيه كان بذاته المناسبة التي أكد فيها الضباط الأحرار عرضهم على <<محمد نجيب>> لكي يتصدر حركتهم (وتقديرهم المبدئي أن يتم ذلك في ظرف شهر).

وكان <<عبد الحكيم عامر>> الذي خدم لبعض الوقت تحت قيادة <<محمد نجيب>> هو الذي اقترح اسمه أولا، وربما كان هو أول من فاتحه، ولعل التأكيد الرسمي لهذا العرض هو لقاء <<جمال عبد الناصر>> (ومعه <<عبد الحكيم عامر>>) في بيت <<نجيب>> (مساء 18 يوليو) وعندما تصادف وجودي هناك.

....................................................

? ومهما يكن الآن الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف ليلة 23 يوليو فإن اللواء <<محمد نجيب>> عرف بصورة قاطعة أن حركة الجيش بدأت مبكرة <<جدا>> عن الموعد الذي يتوقعه، ثم إنه تلقى هذه اللحظة من وزير الداخلية (ورجل القصر القوي) <<أحمد مرتضى المراغي>> (باشا) تكليفا رسميا من أعلى مستوى بأن يبذل كل جهده لتدارك <<تصرفات شبان مجانين>> تركوا الثكنات ونزلوا إلى الشارع في حالة عصيان ضد النظام توالت وقائعها حول مبنى رئاسة هيئة أركان حرب القوات المسلحة على طريق منشية البكري وما فيه من مبان تضم رئاسات أسلحة الجيش وقتها.

....................................................

وهكذا كان اللواء <<محمد نجيب>> الذي جلست أمامه في بيته رجل الساعة (وسط ذروة الأزمة) ربما دون أن يقصد ذلك أنه:

معروض عليه أولا من تنظيم الضباط الأحرار أن يقود خطتهم الجديدة بالسيطرة على الجيش (وقد عجَّلوا بها شهرا عما أبلغوه به لأنهم وجدوا الظرف السياسي مناسبا إلى جانب اعتبار أمني فرضه ما بلغهم من توصل أجهزة الأمن إلى قائمة بأسماء معظمهم).

ثم أنه مطلوب منه ثانيا بتكليف من القصر الملكي والوزارة القائمة على الحكم وعلى لسان <<مرتضى المراغي>> <<أن يبذل جهده لفض اعتصام أو عصيان قام به مجانين من ضباط الجيش نزلوا إلى الشوارع وإقناعهم بالعودة إلى بيوتهم وكأن شيئا لم يكن تجنبا لفضيحة أو مصيبة سوف تقع قبل أن يطلع الصبح!>>

وعندما فرغ اللواء <<محمد نجيب>> من حديثه التليفوني مع <<مرتضى المراغي>> كان توقعه أنه سوف يتلقى مع أي لحظة إشارة أو رسالة أو دعوة من القائمين على حركة الجيش.

وكان الرجل (الذي رأيته في تلك الساعة المتأخرة من الليل) يستشعر مسؤوليته وكان قلبه وعقله في حالة اتساق مستريح مع نفسه ولعله كان كذلك مطمئنا إلى فرصته:

بمعنى أنه:

<<إذا وجد أن الشبان نجحوا في السيطرة على الجيش فهو معهم (وذلك قلبه) وإذا تعثرت خطاهم فهو وحده يقدر على حمايتهم بوعد رسمى يملكه <<وكأن شيئا لم يكن>> (وذلك عقله).

على أن الأهم هذه اللحظة كان أن يتلقى اللواء <<نجيب>> إشارة أو رسالة أو دعوة من <<الجماعة>> كما كان يسميهم ومشكلته الملحَّة أنه لا يعرف أين يذهب لو أراد أن يؤدي ما هو معروض عليه (من قيادة الحركة) وما هو مطلوب منه (بتكليف القصر).

ومرت قرابة نصف ساعة واللواء <<محمد نجيب>> يحاول الاتصال ببعض من يعرف من قواد الجيش (وفيهم شقيقه <<علي نجيب>> قائد سلاح المشاة) لكنه لم يوفق في العثور على أحد منهم (لأن كبار الضباط الذين استدعاهم القصر لقمع حركة التمرد وقعوا في أسر المتمردين واحدا بعد الآخر وهم في طريقهم إلى اجتماع عاجل دعوا إليه في مكتب رئيس هيئة أركان الحرب الفريق <<عثمان المهدي>>). ويدير اللواء <<محمد نجيب>> رقم سكرتير الفريق <<عثمان المهدي>> وحين يذكر اسمه إذا هو يقع على <<عبد الحكيم عامر>> ويميز صوته من أول كلمة نطق بها، وكذلك تجيئه دعوة الجماعة لكي يتوجه إلى حيث كانوا هذه اللحظة في رئاسة هيئة أركان حرب القوات المسلحة (وهي مقر وزارة الدفاع الآن).

2 وسط العاصفة بمحض مصادفة

? دخلت باب رئاسة هيئة أركان الحرب (وهو الآن مبنى وزارة الدفاع) في الساعة الرابعة إلا ثلثا بالضبط.

..........................

..........................

وكان اللواء <<محمد نجيب>> قد وصل قبل ذلك بسبع وثلاثين دقيقة واستقبله الصاغ <<عبد الحكيم عامر>> ليبلغه أن القاهرة <<تحت السيطرة>>. ويكون السؤال الأول للواء <<نجيب>> عن <<موقف الفرقة الأولى مشاة في العريش؟>> (وهي القوة الرئيسية الضاربة في الجيش المصري ذلك الوقت) ويرد <<عبد الحكيم عامر>> بأن <<تأييد الفرقة للمعركة مضمون وفي الطريق (ولم يكن ذلك دقيقا لأن قائد الفرقة في تلك الساعة رفض قبول طلب بعض الضباط المنتمين إلى حركة الأحرار (صلاح سالم وآخرين) بأن يعلن تأييده للحركة. وخشي <<صلاح سالم>> وأربعة ضباط كانوا معه أن تأخير التأييد قد يدعو قيادات المناطق العسكرية (الموزعة على أقاليم البلاد) إلى الانتظار والتردد مما يثير شكوكا لا داعي لها هذه اللحظة الحرجة وقرر <<صلاح سالم>> وزملاؤه التصرف على مسؤوليتهم وكان تصرفهم أن أشهروا السلاح في وجه اللواء <<سيف اليزل>> ثم اقتادوه إلى حمام غرفته وأغلقوا عليه الباب مع حارس عليه منهم، ثم خرجوا ليبعثوا إشارة باسمه إلى قيادة الحركة في القاهرة نصها <<أنا ومن معي نؤيد حركتكم>>. وكان نص الإشارة غريبا لكن صياغته في ذلك الموقف حققت غرضها!

......................................

? وقفت قرب باب المبنى أتأمل المشهد حولي وقد ازدحمت ردهته بأعداد من الجنود الذين شاركوا بالدور الحاسم في الحركة قادمين من معسكر <<هاكستيب>> تحت قيادة المقدم <<يوسف منصور صديق>> الذي رأيته جالسا على كرسي بجوار الباب يسعل بشدة وهو يطلب أي <<تموين>> (طعام) لجنوده لأنهم منذ الأمس <<على لحم بطونهم لم يأكلوا ولم يشربوا شيئا.>> وبدا <<يوسف منصور صديق>> مستثارا لسبب لم أتبيَّنه. وكان بين نوبات السعال يطلق شتائم مرسلة كالقذائف في كل اتجاه!

وصعدت درجات سلم المبنى إلى الدور الأول واتجهت يسارا إلى ناحية مكتب <<عثمان المهدي>> (باشا) وكان الممر المؤدي إليه مليئا بزحام شديد اختلط فيه الضباط وضباط الصف والجنود بشرا وسلاحا. ولمحت وسطهم الصاغ <<كمال الدين حسين>> وفي يده مدفع رشاش (وكنت لقيته أول مرة مع <<قوات أحمد عبد العزيز>> في الخليل وكان يومها قائد مدفعية تلك القوات من المتطوعين وقضيت معه يوما كاملا أتابع ضرباته الموجهة إلى مستعمرة <<رامات راحيل>> على مشارف <<بيت لحم>>). وقصدت ناحيته وبجانبي <<سعد توفيق>>، وحين رآني اندفع معانقا وبيننا مدفعه الرشاش! يقول بلهجة الهتاف وليس لهجة الكلام ! <<هذا نصر من الله وفتح مبين>>. ولم ينتظرني لأعلق أو أسأل وإنما شدَّني إلى جانب من الممر يقول لي <<كان البكباشي جمال (عبد الناصر) يتحدث معنا قبل نصف ساعة عن <<تقديرك بأن الإنجليز لن يتدخلوا>>!>> ورجوته أن ينتظر لأن كل ساعة لها حساباتها ولكل ظرف أحكامه. وكان <<كمال الدين حسين>> ذاهبا إلى غرفة أخرى في نهاية الممر وكذلك قال لي: <<سوف تراه الآن على أي حال>> وأضاف <<إن البكباشي جمال لم يكن يعرف أنني قابلتك منذ أيام الفرقة <<الخفيفة الحركة>> (وهو الوصف الرسمى لقوات المتطوعين التي يقودها <<أحمد عبد العزيز>>).

ودخلت غرفة سكرتارية <<عثمان المهدي>> (باشا) وكان الباب الداخلي المؤدي منها إلى مكتب رئيس هيئة أركان الحرب مغلقا وعليه حراسة مسلحة. وقال لي <<سعد توفيق>>: <<القيادة كلها في الداخل مع سعادة اللواء (نجيب) يرتبون لبقية العملية>>.

ومضت قرابة عشر دقائق ثم خرج <<جمال عبد الناصر>> من مكتب رئيس أركان الحرب وأقبل وعلى شفتيه نصف ابتسامة وفي عينيه نظرة يصعب ترجمتها لكنها موحية بمعان كثيرة صامتة، وسألني: <<ما رأيك؟>> وقلت على الفور <<إنني مأخوذ مما أرى وأسمع>>، واتسعت نصف الابتسامة وضوت عيناه بذلك البريق الذي لمحته فيهما قبل خمس ليال وقال: <<لدينا اجتماع لم يبق منه كثير، نصف ساعة على أقصى حد ثم أعود!>> وكان <<عبد الحكيم عامر>> وراءه وقد تصور ما قلته ل<<جمال عبد الناصر>> تعبيرا عن القلق، وهكذا قال: <<لا تخف، كل شيء يسير بالضبط كما رسمنا>> وقلت بسرعة: <<المشكلة أنني لا أعرف بالضبط ماذا رسمتم؟!>> وعقَّب <<جمال عبد الناصر>> وهو يتجه عائدا إلى حيث كان اجتماع القيادة: <<سوف نتحدث فيه عندما نعود إليك>> سألني <<عبد الحكيم عامر>> قبل أن يلحق ب<<جمال عبد الناصر>>: <<هل تلحق الجرائد ببيان يجري إعداده الآن؟>> ونظرت إلى ساعتي وكانت الخامسة إلا عشر دقائق بالضبط.

وأجبت بأنني <<أشك>> !

......................................

? كان <<عبد الحكيم عامر>> هو الذي ذكَّرني عن غير قصد بما نسيته في خضمِّ أحداث بدت لي <<غير معقولة>>، وملأى بالاحتمالات>>.

وهكذا اتصلت لأول مرة بأخبار اليوم ورد عليّ <<حامد>> عامل التليفون المكلف بالسهر. وعرفت منه أن الأستاذين <<مصطفى>> و<<علي أمين>> اتصلا من الإسكندرية <<أكثر من عشرين مرة>> يسألان عني، ويطلبان منه استعمال كل مهاراته في العثور عليَّ أينما أكون. ثم إنه حاول في الساعات الأخيرة وأيقظ أقارب لي وأصدقاء ولم يصل إلى شيء. وأخيرا وصل إلى القول بأن الأستاذ <<حسين فريد>> <<سكرتير التحرير العام لأخبار اليوم موجود في مكتبه>> وطلبت توصيلي به. وراح <<حسين فريد>> فور أن سمع صوتي يبدي الانزعاج <<يظهر أن هناك أخبارا مهمة جدا ومصطفى (بك) يكاد يجن ليعرف أين أنت؟>> سألت <<حسين فريد>> عن موقف <<طبعة القاهرة>> وقال: <<هذا بالضبط ما كان مصطفى (بك) ينتظرك من أجله>>. لم نكمل حديثنا فقد قطعه <<حامد>> (عامل التليفون) الذي دخل على الخط يقول لي <<إن مصطفى (بك) على الخط من فندق سيسيل في الإسكندرية، وقد عرف أنني أتحدث مع حسين فريد وطلب قطع المكالمة مع حسين فريد وتوصيله بك>>. وجاءني صوت <<مصطفى أمين>> كأنه يهز الأسلاك ويكاد يقطعها <<هل تعرف ما جرى؟>> ثم يواصل دون توقف <<فريد زعلوك قال لي إنه اتصل بك أول الليل. وتصورتك وراء الحوادث التي تجري عندكم وتوقعت أن أسمع منك لكنك اختفيت بالكامل والدنيا مقلوبة>>. عاد يكرر منفعلا (كما هي عادته أوقات الأزمات) <<الدنيا مقلوبة، أين أنت؟>> وقصدت أن أكون هادئا فقلت <<بالضبط في الموقع الذي انقلبت فيه الدنيا!>>

وصرخ <<مصطفى>>: <<إيه؟>> وخطف <<علي أمين>> منه سماعة التليفون وجاءني صوته باندفاعه الطبيعي يصوب عشرات الأسئلة في نفس واحد: <<أين أنت؟ هل لديك صورة عما جرى؟ ماذا تقول؟>> ثم زعق بأعلى صوته <<هناك تمرد عسكري!>> وقلت مرة أخرى قاصدا إظهار الهدوء <<إني في مركز هذا التمرد!>>.

وأراد <<علي>> في اندفاعه أن يتأكد فسألني <<ورحمة والدتك؟>> وكان ذلك هو القسم الشائع على لسان التوأمين منذ رحيل السيدة <<رتيبة>> والدتهما. وقلت <<علي ... والدتي على قيد الحياة>>، وتدارك معتذرا. وبدأت أشرح أنني تابعت حركة عسكرية يظهر لي أنها استولت على قيادة الجيش وسيطرت على القاهرة. وبدوره عاد <<مصطفى أمين>> يخطف سماعة التليفون من توأمه ولديه ألف سؤال كأنها طلقات مدفع رشاش، وقلت: <<إنني لا أستطيع أن أرد على هذه الأسئلة الآن والقضية العاجلة في رأيى هي ماذا نفعل بالطبعة الأخيرة من الأخبار وهل نضع فيها إشارة إلى ما جرى أو ننتظر؟>> وتبادلنا الرأي من زواياه المهنية والسياسية واستقر الرأي بيننا <<بلا خلاف>> على أفضلية أن تصدر جريدة <<الأخبار>> دون إشارة لما جرى. وأول دواعينا أننا لا نعرف حدوده حتى هذه الدقيقة، ومع أن هناك بيانا منتظرا فإن هذا البيان لم يصل إلينا حتى الآن <<لأنهم ما زالوا يكتبونه هنا في الغرفة المجاورة>>.

وسألني <<مصطفى>> <<هل أستطيع أن آخذ رقم التليفون الذي تتكلم منه حتى نظل على اتصال؟!>> ورجوته أن ينتظر حتى أسأل لأن التصرفات في مثل هذه الأجواء لا تحتمل أي خطأ حتى إذا توافر فيها حسن النية.

......................................

? كان الصاغ <<سعد توفيق>> ما زال واقفا إلى جانبي وقد اعتراه توتر ظاهر من حديث تليفوني يسمعه ولا يعرف هل يتركه يستمر أو يقطعه والتفتُ إليه أستأذنه <<هل من المسموح به أن أعطي لمصطفى أمين رقم تليفون هذا المكتب؟>> واعترض <<سعد توفيق>> بحزم. وفي تلك اللحظة انفتح باب الغرفة التي كان فيها اجتماع القيادة وخرج <<جمال عبد الناصر>> ووراءه <<عبد الحكيم عامر>>. ولاحظ <<جمال عبد الناصر>> فورا تفاصيل المشهد: سماعة التليفون في إحدى يديّ ويدي الأخرى مطبقة على بوقها لكتمان الصوت و<<سعد توفيق>> يبدو عصبيا وأنا أحاول أن أشرح له شيئا. وبسرعة عرض <<سعد توفيق>> للمشكلة شارحا <<مصطفى أمين على الخط من الإسكندرية يطلب رقم تليفون هذا المكتب>> و<<إنني سألته إذا كنت أستطيع إعطاءها له>> <<وهو معترض وأنا أحاول إقناعه>> وتطلعت ناحية <<جمال عبد الناصر>> أنتظر رأيه وقد احتكم إليه <<سعد توفيق>>. وسبقه <<عبد الحكيم عامر>> تلقائيا برفض قاطع لكن <<جمال عبد الناصر>> تدخل ليقول <<أعطه الرقم... ذلك لم يعد الآن يضر، وربما ينفع>>. ولم يجادل <<سعد توفيق>> ولا <<عبد الحكيم عامر>>، وأعطيت الرقم ل<<مصطفى>> (وكان 55455). وأعدت سماعة التليفون إلى مكانها والتفتُّ لأجد <<عبد الحكيم عامر>> يعبر بملامحه عن الدهشة بينما <<جمال عبد الناصر>> يشرح له وجهة نظره، ويعرضها بتأنٍ وكأنه يفكر في الأمر وهو يشرح:

<<أولا لم يعد هناك خطر لأنهم عرفوا بالفعل بما قمنا به.

وإذا اتصلوا مع <<الأستاذ هيكل>> هنا فسوف نعرف نحن كيف يفكرون؟ وحتى كيف يتصرفون هناك في الإسكندرية!

ثم إننا نحتاج إلى قناة اتصال إضافية معهم>> ثم زاد <<هم بدأوا يتصلون بنا هناك عم للملكة ناريمان اتصل منذ قليل يبلغ رسالة ونحن أعطينا ردا وسوف نرى ما يحدث والصبح لم يطلع بعد، والنهار أمامنا طويل!>>

ولفت نظري لحظتها <<علامات>> لها <<دلالات>>:

? لفت نظري أن الطريقة التي استبعد بها جمال عبد الناصر ردة الفعل الأولية لعبد الحكيم عامر تظهر أن له وضعا خاصا في الحركة يتقدم به على آخرين.

? ولفت نظري أن جمال عبد الناصر أبدى رأيه على شكل قرار نهائي ولم يلتفت وراءه ليستأذن غيره، ومعنى ذلك أن المسؤولية عنده.

? ولفت نظري أخيرا أن جمال عبد الناصر أبدى رأيه بسرعة وعرض مبرراته في وضوح، أي أنه يملك كفاءة ربط المنطق بالقرار، وبسرعة.

......................................

? ومضت خمس وثلاثون دقيقة، وعند الساعة الخامسة والنصف وكنت قد تركت غرفة مكتب سكرتارية الفريق <<عثمان المهدي>> (باشا) وخرجت إلى الممر الواسع أمامها أراقب ما يجري وأتابع الحركة دون تدخل بسؤال لأحد حتى عندما لمحت وجوها أعرفها. ونزلت على السلم إلى مدخل المبنى مأخوذا بمشهد جنود من الكتيبة الثالثة عشرة المشاة وقد افترشوا أرض الفناء الخارجي لمبنى القيادة وراحوا يتناولون طعامهم في سكون (أرغفة من الخبز وقطع من الجبن الأبيض وفتافيت من الحلاوة الطحينية) وسؤالي لنفسي <<ماذا يعرف هؤلاء عن العمل الذي شاركوا فيه، وهل كانوا مدركين منذ البداية أنهم يشاركون في تمرد عسكري عصيان انقلاب؟ ثم ماذا يعرفون الآن بالضبط وكيف يشعرون هذه اللحظة وهم معرضون للعقاب ربما على أعواد المشانق؟>>

وتوقفت تأملاتي عندما سمعت صوتا يناديني، والتفتُّ لأجد جاويشا يقول لي <<إن جناب الصاغ سعد يريدك حالا في المكتب>>.

وكان <<مصطفى أمين>> على الخط من الإسكندرية، يقول إنه في مكتب وزير الدولة في بولكلي (الإسكندرية). ثم سمعت <<فريد زعلوك>> (باشا) وصوته بالهمس يقول <<سوف أحوِّلك إلى دولة الباشا>>. وسمعت تكة خافتة ثم صوت رئيس الوزراء (<<أحمد نجيب الهلالي>> باشا) دون مقدمات يسألني أولا أين أنا؟ وقلت <<إنني في مبنى رئاسة القوات>> وكان سؤاله الثاني بما مؤداه <<أفهم أنك لا تستطيع أن تتكلم على حريتك ولكن قل <<لا>> أو <<نعم>> وذلك يكفيني هل هو انقلاب عسكري؟>> ورددت بأمانة بأنني لا أشعر أن هناك قيدا يمنعني من الكلام وأما عن سؤاله فالجواب أنني لا أعرف إلا ما أستطيع أن أرى، وهناك بالتأكيد في ما هو أمامى <<حركة ضباط لديهم مواجع خاصة بالأحوال في البلاد ويبدو لي أنهم قرروا أن يتصرفوا بنوع من الغضب إزاء السلطة السياسية>>. وسألني رئيس الوزراء: <<هل اللواء نجيب عندك في المبنى نفسه؟>> وأضاف <<عرفت من مرتضى (باشا) أنك كنت عند نجيب في بيته بعد منتصف الليل>>. وقلت <<إن اللواء نجيب هنا في المبنى.>> وسأل <<الهلالي>> (باشا) <<ما هو موقفه؟>> ولم ينتظر إجابة بل استطرد <<هل له نفوذ وسطهم؟ هل يسمعون كلامه؟ أو هل هو معهم؟>>

وقلت لرئيس الوزراء (ولم تكن الأمور تحتمل شيئا آخر): <<دولة الباشا كل ذلك لا أستطيع الإجابة عليه لأنني بحق لا أعرف.>>

وساد الصمت لثوان وعاد <<نجيب الهلالي>> (باشا) يقول لي <<الموقف خطير والبلد على كف عفريت، وسوف أضغط عليك أكثر وأسألك: هل اللواء نجيب في مكان قريب منك؟ وإذا كان هل تقدر على رجائه بأن يجيء إلى هذا التليفون الذي تكلمني منه لأسأله وأسمع منه؟>>

وقلت لرئيس الوزراء: <<دولة الباشا لك عليَّ أن أحاول ورجائي أن تظل على التليفون وسوف أعود إليك بأسرع ما أستطيع>>. ووضعت سماعة التليفون على المكتب.

......................................

? والتفت إليَّ <<سعد توفيق>> الذي كان جالسا على كرسي أمامي وعيناه معلقتان بشفتيَّ لا يريد أن يفلت منه حرف أنطق به، وسألته <<إذا كان في مقدوره أن يدخل غرفة الاجتماع ويستأذن اللواء محمد نجيب هل يستطيع المجيء إلى هنا لأن نجيب الهلالي (باشا) رئيس الوزراء يطلب أن يتحدث معه>>. وقال <<سعد توفيق>> <<إنه لا يستطيع مقاطعة اجتماع القيادة ولكنه سيكتب ورقة للبكباشي جمال.>> ثم خرج من باب المكتب إلى الممر الفسيح المزدحم بالضباط والجنود أمامه، ومضت قرابة دقيقتين ثم انفتح باب غرفة الاجتماع (مكتب <<عثمان المهدي>> (باشا)) المؤدي إلى مكتب سكرتاريته وظهر اللواء <<محمد نجيب>> ووراءه <<جمال عبد الناصر>> وخلفهما <<عبد الحكيم عامر>> و<<كمال الدين حسين>>. وكان <<جمال عبد الناصر>> يهمس بشيء في أذن اللواء <<محمد نجيب>> الذي تقدم من المكتب وعليه سماعة التليفون ورفعها وتحدث بأسلوب مؤدب ومنضبط: <<أفندم دولة الباشا>> ولم نكن نسمع ما يقوله رئيس الوزراء بالطبع ولكن صوت اللواء <<نجيب>> كان واصلا إلينا بنبرته الهادئة.

ولم يطل الحديث، وكان ما سمعناه من ردود اللواء <<نجيب>> على رئيس الوزراء موحيا بعباراته المقتضبة والواضحة في الوقت نفسه:

<<نعم يا دولة الباشا>>

<<هم لديهم طلبات يصرون على تنفيذها>>

<<طلباتهم خاصة بالجيش وضرورة تطهيره>>

<<نعم، طلباتهم كلها في إطار الجيش، هذا ما يهمُهم>>

<<طبعا . . . طبعا>>

<<أوامرك يا دولة الباشا>>

<<تستطيع الاتصال بنا في أي وقت>>

<<هم أيضا حريصون على الوطن وتهمهم مصر والكل يفديها بحياته!>>

والتفت اللواء <<نجيب>> ناحيتي يقول: <<رئيس الوزارة يريد أن يتحدث معك>>. وبينما كنت أتناول منه سماعة التليفون كان <<جمال عبد الناصر>> يستدير عائدا إلى قاعة الاجتماعات مفسحا الطريق أولا للواء <<محمد نجيب>>.

وسألني <<نجيب الهلالي>> (باشا):

<<محمد يظهر أن اللواء نجيب معهم؟>>

وقلت <<إن ذلك ظني أيضا>> وعاد يسأل:

<<هل انضم إليهم أم أنه كان معهم من البداية؟>> وقلت <<إنني صادقا لا أملك إجابة على هذا السؤال>>.

......................................

وفي الساعة السادسة وخمس دقائق توافق حدثان مع اللحظة نفسها دُعي <<سعد توفيق>> إلى غرفة اجتماع القيادة لأقل من دقيقة وعاد وفي يده ورقة عليها صورة من بيان سوف يعلن بعد قليل (الساعة السابعة) من إذاعة القاهرة (وقد تمت بالفعل سيطرة القوات على استوديوهاتها في شارع الشريفين).

وكان <<سعد توفيق>> يناولني الورقة قائلا <<هل لديك رأي أو ملاحظة على هذا النص؟>> ورحت أجري بعيني على سطوره (وكان البيان رقم 1 من <<قيادة حركة القوات المسلحة>>).

ولحظتها دق جرس التليفون ورد <<سعد توفيق>> الذي كان واقفا بجواري وفي يده نسخة نهائية من البيان رقم (1) وراح يناولني سماعة التليفون قائلا: <<مكتب رئيس الوزراء يطلبك>>.

وكنت قد وصلت إلى آخر نص البيان حيث <<إمضاء اللواء محمد نجيب>>. وكذلك أعدت الورقة إلى <<سعد توفيق>> لكنه قبل أن يسلمني سماعة التليفون عاد يكرر سؤاله على عجل وقلت بسرعة <<ما قرأته معقول لكنكم تعرفون أكثر من أي طرف آخر ما الذي تريدونه أو ما الذي تقدرون عليه>>. قلت ذلك وأمسكت بسماعة التليفون وسمعت صوت وزير الدولة (<<فريد زعلوك>>) يقول خطفا <<دولة الباشا معك>>، ثم صوت <<الهلالي>> (باشا) في لهجة مشحونة لم أسمعها منه قبلا:

<<محمد أريد أن أكلفك بمهمة هذه اللحظة من أجل مصلحة البلد. إذهب للواء نجيب حيث يكون الآن وأبلغه على لساني <<أنني توصلت إلى نتيجة مرضية مع جلالة الملك. الوزارة سوف تستصدر مرسوما ملكيا بتعيين اللواء محمد نجيب قائدا عاما للجيش (بدلا من <<محمد حيدر>> (باشا)) واللواء نجيب من هذا المنصب يستطيع إجراء أية تغييرات في الجيش بما يحقق مطالب عرفنا أن <<الجماعة عندك>> مصرون عليها. وأنا شخصيا متحمس لهذه المبادرة الطيبة التي تظهر استعداد جلالة الملك للتعامل مع الموقف بحكمة وأضيف إلى ذلك أن الوزارة تضمن تنفيذ هذه المطالب كما تضمن عدم مساءلة أي ضابط عن أي تصرف قام به هذه الليلة!

وكذلك فإن المشكلة تصبح محلولة قبل أن تصحو الدنيا، وحلها يكون في الإطار الدستوري السليم دون <<فرقعة>>.>> كرر <<نجيب الهلالي>>: <<دون فرقعة لأن أي فرقعة في هذا الظرف لها عواقب لا يعلم نتائجها غير الله وحده>>.

وأحس رئيس الوزراء بحرجي فاستطرد <<إنني أقدر أننا نضغط عليك لكنه لو كانت لدينا وسيلة أخرى في هذا الوقت الضيق لأعفيتك من هذه المهمة تحامل على نفسك وابذل جهدك لأن الظروف خطرة وسوف أظل على التليفون حتى أسمع منك والله يوفقك>>.

وتركت سماعة التليفون على المكتب وإحساسي أن دائرة حصار تضيق من حولي. وتنبهت بسرعة إلى صوت حركة تزايدت في الممر الخارجي، ووجدت <<سعد توفيق>> يتجه بسرعة إلى الباب الرئيسي للغرفة قائلا <<إن اجتماع القيادة انتهى>>. ولحقت به، وبالفعل فإن الاجتماع انتهى كما أن المشاركين فيه يخرجون وقد وقف عدد منهم يتحدث إلى بعض العسكريين من الضباط (وضباط الصف) وكان <<محمد نجيب>> ومعه <<جمال عبد الناصر>> أول من وقع بصري عليه وكأنه كتلة <<مغناطيس مسحور>> تشد إليها الأبصار دون انتظار وقصدت إلى حيث يقف أرجو اللواء <<محمد نجيب>> في <<كلمة على جنب>>. واتجه إلى أول غرفة مفتوحة، وهو يسحب بيده <<جمال عبد الناصر>> ليجيء معنا ووراءه جاء <<عبد الحكيم عامر>> (وثلاثة أو أربعة من الضباط الذين كانوا يحضرون اجتماع القيادة) ولم يكن لأحد خيار وعلى أي حال فإن الموقف كان أدق من كافة الأسرار ولعله كان من الأوفق الآن لكل الأطراف أن يكونوا جميعا على معرفة ونور بما يجري ويقال دون خفاء أو إخفاء!

ونقلت للواء <<نجيب>> رسالة <<الهلالي>> (باشا) وأنهيت بأنه على التليفون ينتظر، وسمعني الكل في صمت. وكان اللواء <<نجيب>> هو الذي قطع الصمت بسؤال وجهه إلى <<جمال عبد الناصر>> لفت نظري فيه بقوله <<ما رأيك يا جمال <<بيه>> ؟>> (ولفت نظري هذا اللقب المضاف فجأة) ثم استطرد اللواء <<نجيب>> <<مسألة تستحق البحث>>. وأخذ <<جمال عبد الناصر>> من يده وسحبه إلى ناحية نافذة الغرفة يقول له بالهمس شيئا. وعندما عادوا بعد نصف دقيقة تقريبا كان <<جمال عبد الناصر>> هو الذي وجه إليَّ القول بأن <<اللواء نجيب يريد أن يتحدث بنفسه مع رئيس الوزارة ليسمع منه ما لديه ويقول له ما عندنا>>.

ورجعنا إلى غرفة المكتب حيث كانت سماعة التليفون في مكانها عليه، وفي فترة الانتظار فإن <<الهلالي>> (باشا) كما ظهر تركها ل<<فريد زعلوك>> الذي بادر فور سماعه صوتي بقوله <<ثانية واحدة!>> ثم ناول السماعة للهلالي باشا (لأن صوت رئيس الوزراء) هو الذي رد عليَّ. وبادرته على الفور <<إن اللواء نجيب جاء ليتحدث بنفسه معك وهو واقف بجانبي الآن فهل ذلك مناسب؟>> ورد <<الهلالي>> (باشا) بسرعة <<خير ما فعلت>>!

وسمع اللواء <<نجيب>> (وفي الغالب فقد سمعه بنفس الألفاظ التي سمعته بها) وإن أضيف إليه مع تواصل الحديث (في ما بدا) لمسة من <<السكر>> رفضها اللواء <<نجيب>> وقصد أن يبين رفضه فقد رد بصوت يسمعه الواقفون حوله، قائلا <<لا يا دولة الباشا الترقية إلى رتبة الفريق لا لزوم لها، فلا أستطيع أمام إخوانى قبول مكافأة على واجب أديته معهم>>.

ثم جرى تبادل عبارات سريعة واستأذن اللواء <<نجيب>> لدقيقة أو دقيقتين يتشاور خلالها مع <<زملائه>> واتجه مع <<جمال عبد الناصر>> وآخرين من ضباط القيادة إلى طرف الغرفة وكان واضحا أن اللواء <<نجيب>> يميل إلى قبول عرض رئيس الوزراء ثم ناداني اللواء <<نجيب>> إلى حيث كانوا واقفين يسألني <<هل تفتكر أنهم جادون في ما يقولون به لتجنب حدوث <<فرقعة>>؟ >> وقلت <<لكي أكون أمينا في ما أقول فأظنهم جادين في ما يتعلق بتعيينك قائدا عاما، وأما في ما يتعلق بعدم مساءلة أحد في ما قام به هذه الليلة فإنني لست متأكدا أن ذلك ممكن!>> وتدخل <<جمال عبد الناصر>> مقاطعا بما معناه <<إن لديه اعتراضا على سؤال اللواء نجيب من الأصل وأما عن الفرقعة فإنها مطلوبة في ذاتها ولا يمكن أن تكون الآن حجة في يد طرف>>. وأراد اللواء <<نجيب>> أن يقول شيئا، وتدخلت ألفت نظر الجميع إلى أن رئيس الوزراء على التليفون ينتظر. وتوجه اللواء <<نجيب>> إلى ناحية <<جمال عبد الناصر يسأله <<ماذا أقول له؟>> ورد <<جمال عبد الناصر>> بدون انتظار <<قل له أن يفتح الراديو على إذاعة القاهرة الساعة السابعة وسوف يجد جوابا على أسئلته كلها>>.

كانت الثواني تمشي مكثفة بثقل وعمق يجعل كل ثانية عمرا كاملا. وتحرك اللواء <<نجيب>> ناحية التليفون يستأنف حديثه مع رئيس الوزراء، وراح يتكلم محاولا انتقاء ألفاظه: <<دولة الباشا إخواني هنا لا يوافقون وردهم سوف يصل للحكومة عن طريق الإذاعة الساعة السابعة (بعد أكثر قليلا من نصف ساعة) يا دولة الباشا هذا رأينا هنا جماعة والله يقدم ما فيه الخير للبلد وكلنا نريد خدمة مصر نحن نقدر الظروف ولذلك قامت الحركة اطمئن يا دولة الباشا كل الناس متحملة لمسؤولياتها.>>

وتوقف اللواء <<نجيب>> ثم التفت إليَّ يقول <<رئيس الوزراء يريد أن يكلمك ثانية>>. وسمعت <<الهلالي>> (باشا) يسألني <<ما رأيك؟ يظهر أن الجماعة عندك مصممين على الفرقعة؟>> ورددت <<بأن لديهم في ذلك وجهة نظر>>. وسألني عما أقصد، ولم أجد حرجا في أن أقول له <<إنني سمعت رأيا يقول إن الفرقعة مطلوبة في حد ذاتها!>> وسألني عما يعنيه ذلك وقلت <<لا أعرف بالضبط، لكني أظن أن ما يعنونه هو الإعلان عن وقوع حدث كبير>>.

وكانت المفاجأة التي لم أتوقعها سؤال من <<الهلالي>> (باشا): <<هل تستطيع سؤالهم إذا كانوا يريدون من الوزا