2002 مولد امبراطورية الفوضي.. وبداية النهاية كذلك!

 

 

بقلم :مطاع صفدي

لم يكن العام الذي يمضي هو الأسوأ في عصر ولادة الامبراطورية الامريكية لأنه كان العام الذي عقب تدمير برجي نيويورك، بل لأنه كان العام الذي تولد فيه هذه الامبراطورية علي شكل حرب عالمية حقيقية.

وتبدأ من اعداد قرار العدوان علي العراق باعتباره بوابة الدخول الي جحيمها المنتظر. اذ ان الاستيلاء الامريكي علي أخطر الموارد الاستراتيجية سوف يغير من بنية العلاقات الدولية، ويفرض عليها جميعا ميزانا وحيد الكفة تقريبا، تسيطر عليها اولويات الاستراتيجية الامريكية وحلفائها، الذين يصيرون اتباعا لها ووسائط تنفيذية فحسب.

انه العام الذي شغل العالم خلاله بتجهيزات العدوان كما لو كان قدرا محتوما علي الجميع. لكن اشغال الدول والمجتمعات بهذا الهم وحيد الاتجاه، جعل الحرب وقرارها تدريجيا شأنا عالميا كذلك.

حتي اضحت ادارة بوش تحس انها تكاد تفقد السيطرة علي القرار، وليس ذلك بسبب من تصاعد المعارضات علي انواعها داخليا وخارجيا، وحتي في البيت الابيض ومحيطه فحسب، بل لأن مشروع الحرب اصبح يعني كل قوة دولية، مما قد يصيبها من نتائجه وعواقبه كلما تكشفت النوايا الحقيقية لاصحابه اكثر فأكثر.

وهي نوايا لم يعد يمكن حصرها وحصارها جغرافيا ومصيريا. كأن الهزيمة المرتقبة للمعتدي عليه ستتحول الي هزيمة شاملة لكل الآخرين، من مشاركين بنسب مختلفة او معارضين بمواقف متباينة، لكن لكل قوة فاعلة، عربية او دولية، سيكون لها حصة من الخديعة الامريكية، بالمشاركة او التغاضي المنافق.

ومثلما قد يضحي بعض هؤلاء بالجند او المال، او بهما معا، فإن الحصيلة الاخيرة ستكون شؤما علي الجميع، بمن فيهم المنتصر الاول التكساسي. اذ ان ما يسمي بسيناريوهات المقدمات والنتائج لهذه الحرب، لم تتفق علي شيء مثل اجماعها تقريبا علي كمية الشكوك المحيطة بمختلف شؤون هذا العدوان الجزافي وتطوراته علي ارض المعركة وجوارها.

واما الآتي ما بعد المعركة فلن يسجل انتصارا نهائيا لأحد، حتي للمعتدي الأول. وهو الموضوع الذي يكتب ويقال حوله يوميا، وفي بلده ولدي اهله واعوانه، ما يجعل حرب الآراء المتضاربة والتحليلات المتشابكة، تسبق حرب الوقائع غير المكتوبة علي الأرض بعد، وتكاد تشل فعاليتها مسبقا، حين تبدد القناعة بجدواها لدي بعض المتعصبين والمتحمسين لها، في مراكز القيادة واطيافها نفسها.

غير ان كل هذا الضباب الحالك لا يعني ان الحرب لن تقع وبطريقة ما، كما انه لا يؤكد وقوعها من كل بد. وذلك هو احد اعراض هذه الحرب البائسة العجيبة، مما لم تعرفه اية معركة دولية سابقة.

فالتحضير المتعارض والمتخبط لنوع الكارثة الحربية، قد ينقلب تحضيرا الي نوع آخر من الكوارث غير المحسوبة، الأشد والأدهي من اي نموذج آخر من الاقتتالات التاريخية المعروفة.

انه تحضير واعداد للفوضي التي تزرع وتفرّخ ما لا يحدّ ولا يوصف من التهلكات الانسانية غير المنظورة. وعلي كل حال فالفوضي ليست بديل الحرب غير المجسدة او المحددة فعليا، بل هي المزرعة الصالحة لاعادة تأهيل الاستبدادات القروسطية، وتسليحها بأحدث وسائل التدمير الشاملة، والمتبادلة ما بين قبائل البشرية الهمجية الجديدة.

والاشكالية الرهيبة الراهنة لم تعد تتوقف علي وقوع هذه الحرب او عدمها، او توقيتها بعد شهر او شهرين، لكنها تتعلق بسيطرة الفوضي الواقعة منذ العام المنصرم، والمتفاقمة مع الحرب المؤجلة او المعلقة او الحادثة لصدفة ما، كما انذر بذلك (البابا) في موعظة الميلاد، انذر المؤمنين وسواهم، وخاصة تلك الفئة المصابة بالعماء الكارثي، عن غرور وافتخار به، انها اشكالية الفوضي الشمولية، وامكانية استثمارها بلا حدود من قبل من هو احادي القوة المطلقة الذي يصير الي المستبد الاكبر، فما يحدث هو ان العالم أمسي بدون سقف يحمي رأسه بما كان يسمي بالنظام الدولي الذي يفتقد الحدود الدنيا من القدرة علي الحماية الذاتية امام طغيان الدولة العظمي المالكة احاديا لاحدث وسائل التدمير، والمانعة لقيام اية صيغة مقاومة او توازن مقابلها،

فالتخطيط الامريكي لا يقف عند حدود ما يصطلح عليه بالدول المارقة المؤلفة (لمحور الشر)، ولن يكون ضرب العراق او سواه من الكيانات العربية والاسلامية سوي التمارين الاولي علي خوض المواجهات الاشمل مع القوي الاخري الكبري، المصنفة في مرتبة الانداد للقوة العظمي، صاحبة مشروع الهيمنة بدون منافس او منازع. ومثل هذه الحقيقة تقر بها حتي بريطانيا اقرب حليف ومناصر للامركة في شتي احوالها وتطوراتها السياسية.

اذ ان مبدأ الهيمنة المطلقة لا يقبل بأية مشاركة والا فقد اهم عناصر الاستثناء التي يتمتع بها، وهي الاحادية غير المنقوصة. وقد اصبح لهذا المبدأ ادبياته ووثائقه المعلنة علي الملأ، وتساهم في اعدادها وتنميتها اهم العقول الاستراتيجية المحتشدة في العشرات من مراكز الابحاث الرسمية والاهلية.

فالهيمنة لم تعد تحتاج الي اية اقنعة او وسائط دبلوماسية تخفف قليلا من بدائيتها الصارخة. والحرب ليست سياسة بطرق اخري، لكنها هي السياسة وبطريقة واحدة، هي العنف المادي المنظم والمباشر.

من هنا تأتي عالمية المعركة العربية بجناحيها الفلسطيني والعراقي، والمنتصر والمهزوم فيه سوف يتجاوز تأثيره المساحة الجيوسياسية للاقاليم والمناطق التي جرت ضمن حدودها، يتجاوزها الي مدارات تخص الاستراتيجية الكونية المتكاملة، وان تسيطر اسرائيل علي كامل فلسطين بعد الغاء المقاومة والشعب المقاوم معها، وان تسيطر امريكا علي المشرق والمغرب، من موقع احتلالها لبغداد والخليج عامة، فذلك هو الانقلاب الانطولوجي الذي سيقوض النظام العالمي وتراثه التاريخي الانساني، ويحل مكانه (نظام الفوضي) السابق علي بداية الحضارة.

وتولد بذلك امبراطورية (الكاوس)، كما يسميها الان جوكس، المفكر الاستراتيجي الاهم في فرنسا، حتي دون ان يعين مدخلها العربي المحتوم ذاك، لكنه هو المعبر المتوفر للهيمنة الي اي مكان، ومن اي باب او بوابة، ما دامت ارض العرب تمتلك ضمانة ارض المستقبل، النفط المشؤوم.

ان العام الماضي لم يكن زمنا مفتوحا لانفجار الهيمنة وانطلاق طلائع كوابيسه فحسب، بل كان كذلك واعدا بتباشير التحول البطيء ولكن العميق، لنوع المقاومة المستقبلية الجديدة الوليدة.

وهو النوع الذي حلمت به ثورات الانسان منذ اقدم محاولاتها، اذا كان من طبيعة الامبراطورية انها لا حدود لها، فان مقاومتها ينبغي ان تكون بلا حدود معنوية او جغرافية كذلك، واذا كان محتوما لامبراطورية تولد في سياق الالفية الثالثة، الا تكون الا امبراطورية الفوضي، بعد ان تم استهلاك تراث الايديولوجيات الكليانية بقضها وقضيضها، فان مكافحة الفوضي ومعها تلك السلطة الاحادية المستفيدة من وعثائها وهي سلطة الاستبداد وتوأمه الاستغلال الشامل الفالت، لن تتحقق الا باستنهاض ذلك العنصر الجوهري المفقود من تجارب الثورات كلها، وهو عنصر ارادة الحياة الموحدة لدي قبائل البشرية كلها ضد الخطر الاكبر حقا، المهدد لوحدة الحضارة العالمية، تحت طائلة تقسيمها وشرذمتها الي اديان وطوائف وحروب اهلية متناسخة بين عائلات كوكبنا الحزين المقود الي الانتحار البيئي المحسوم.

ذلك ان الامبراطورية تقف علي طرف نقيض تماما من عصر الوحدة المتكاملة التي اصبحت تحصيل حاصل لنموذج المدينة المتنوعة التي تسعي اليها مجتمعات العالم، اذ توحدت وتشابهت تقريبا هموم انسان العصر وآماله ما فوق الفروق الثقافوية ذات العناوين المتضادة. بينما تتمسك الامبراطورية بتسلط الاقلية علي الاغلبية.

ولا سبيل الي تحقيق هذا الهدف الا بتمزيق النموذج العام الموحد، واختلاق صراع الحضارات بتضخيم الفوارق الثانوية فيما بينها، وتحويل الاختلافات التنوعية الي خلافات حدية نهائية.

فالعصر الراهن هو زمن اللقاء الديمقراطي بين الثقافات لاغناء المسيرة المتكاملة نحو المدنية الجامعة الشاملة والتي تتطلع الي اغناء شخصيتها المفهومية النخب الواعية في مجتمعات الارض كلها بصرف النظر عن تناقضات السياسة الدولية واكراهاتها المفتعلة، وخاصة منها تلك الناجمة عن موازين القوي التدميرية فيما بينها.

ولذلك تنطلق المقاومة الجديدة من قوي الشعوب المتخطية لدولها وانظمتها. فالمجتمع المدني يفتتح الصراع مع المجتمع السياسوي المرتبط بنيويا باجهزة السلطة الدولية وجماعات الاستغلال المتحالفة معها. ومن هذه النقطة تلح الثقافة المدنية علي الفكرة القائلة بأن الدول قد تكون اقرب الي الالتحاق بسياسة الاستتباع، ترغيبا او ترهيبا بانشطة الامبراطورية.

فنري مثلا ان النظام العربي الدولتي قد سارع الي التضحية بآخر ما تبقي له من شروط سيادته واستقلاله، مفضلا عليها الانضواء طوعا اوكرها تحت الجناح الامبراطوري الامريكي. حتي ان دول اوروبا مهما عارض بعضها عصر حروب الامبراطورية، بدءا بالموقف من ضرب العراق، الا انها في مجملها لا تنوي البقاء بعيدة خارج الحلف الامبراطوري عندما يهم بانزال ضربته المشؤومة في الضحية الصامدة.

ومثل هذا التطور سينطبق علي العملاقين روسيا والصين بالرغم من كونهما يؤلفان معا الهدف الاخير والأهم لحروب الامبراطورية. ذلك يعني نهاية النظام الدولتي بتمامه في عالم الغد القريب. وهو الموضوع المثير لاخطر النقاشات الفكرية في اندية الرأي العليا، ويحرك مكتبة كاملة من ابحاث الاستطلاعات المستقبلية.

لا حرج اذن علي النظام العربي الدولي الذي كان علي العام الماضي ان يسجل عناوين انهياراته الصامتة، من ان يحتل موقع الريادة في قافلة هذا التحول الذي يهز اهم ثوابت نظام الانظمة العالمية، وهو موت دولة السيادة والاستقلال في عهد الامبراطورية، غير النظامية وغير الانتظامية لانها الامبراطورية التي (تنظمها) الفوضي وحدها، حيثما يغدو التنافس الجماعي علي التدمير والقتل هو مبدأ الاعتماد المتبادل بين اية قوي، واية جبهات عارضة او مفتعلة، تعم انحاء المجتمعات داخلها وخارجها، من اجل ان يستمر حكم الاقلية الامبراطورية بفضل تنشيط محركات التجزئة والشرذمة بمختلف جذورها وفروعها داخل اية اغلبية قائمة او مستحدثة.

ان الفوضي هي انعكاسات العنف المتبادل، ما فوق الدول والاديان والايديولوجيات. اذ مع العنف الخالص لا حظ لاية تسميات او تبريرات بتعيينه او تفسيره، فكل عناوينه وجبهاته تتحول الي مجرد مرايا، متعاكسة لاطيافه غير المتباينة فيما بينها الا في الشدة والمدة ودرجاتهما فحسب. العام الذي تنقضي ايامه الاخيرة يمكن اعتباره عام التحولات الكبري ليس في المصير العربي فقط، وانما في مسار المستقبل العالمي.

فالامبراطورية لم تعد نظرية مجردة، وقد راحت عواصفها المتوالية تجتاح ثوابت السياسة الكونية. اما ردود الفعل عليها وضدها فانها لم تزل تتلمس بداياتها الاولي والساحة العربية هي المرشحة لان تقدم بعض نماذجها الاشد ضراوة وتأثيرا علي الآتي الانساني المجهول ما بعدها.