كيباكي وأرويو
بقلم
: محمد كريشان
مواي كيباكي وغلوريا أرويو، الأول في
إفريقيا والثانية في آسيا، الأول زعيم معارضة وصل إلي السلطة في كينيا بانتخابات
ديمقراطية والثانية رئيسة حالية أعلنت أنها لن تترشح للإنتخابات الرئاسية في
الفليبين عام 2004، الأول ترشح وفاز بعد تنحي الرئيس السابق دانيال أراب موي الذي
لم يعد يسمح له الدستور بالبقاء أكثر والثانية لا إشكال دستوريا أمامها ولكنها
فضلت الانسحاب حفاظا علي الوحدة الوطنية.
هذان أحدث نموذجين لتداول سلمي علي
السلطة في عالم اليوم، جمعهما الاحتكام إلي صناديق الاقتراع بعيدا عن التزييف
وفرّق بينهما أسلوب ترك سدة الحكم، موي تركها قسرا بحكم قوة القانون وأرويو
ستتركها طوعا حرصا علي مفهوم يسمي مصلحة البلاد العليا حتي وإن أخفي حسـابات أخري.
وفي كلتا الحالتين كانت هناك تهمة فساد،
امتد مع موي 24 عاما من رئاسته لكينيا واخترق كل محيطه العائلي وحزبه الحاكم
الاتحاد الوطني الكيني الإفريقي الذي حكم البلاد 39 عاما متواصلة في حين لم يمهل
أرويو سوي سنتين فاحت فيهما كثيرا شائعات طالت أعضاء حكومتها ولم يسلم منها زوجها.
وللمرة الألف تأتينا الدروس السياسية نحن
العرب من الشرق والغرب، من السود والصفر علي حد سواء، من الشمال والجنوب ونحن
متمسكون بــ ثوابتنا الأساسية في العض بالأسنان علي كرسي الحكم في حرص لا شك واضح
علي تأكيد خصوصيتنا الحضارية في أننا أمة لا أمل في تحرك زعمائها سوي من القصور
إلي القبور علي حد قول أحدهم أو أحيانا من القصور إلي السجون عندما كانت
الانقلابات شيئا مألوفا ربما لا تدق فيه أعناق المنقلبين عليهم .
لقد بات من المسلم به اليوم أننا في
البلاد العربية آخر بقعة في العالم ما زالت متمسكة بتخلفها السياسي الذي تتغني به
طبقتها السياسية الرسمية وينظر له دائما مثقفو البلاط الانتهازيون دون كلل أو خجل.
ودون تسمية محددة لهذا البلد العربي أو
ذاك ولهذا القائد أو ذاك، حرصا علي السلامة وابتعادا عن تكرار المعلوم من السياسة
بالضرورة من ناحية أخري، فإن مشهدنا السياسي العربي علي صعيد الحكم يتجلي في
مجموعة ملامح من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل أن تتجمع كلها اليوم في أمة غير
أمة العرب:
ـ فترة التربع علي هرم الحكم مفتوحة إما
لأن البلد مملكة أوإمارة أو لأن الرئيس يجدد فترة حكمه بانتخابات علي المقاس أو
استفتاءات حتي يقرر الله سبحانه وتعالي عدم تجديدها.
ـ القادة الذين لا يستطيعون تأبيد حكمهم
لأن لا خالد إلا الله يسعون جاهدين وناكرين في نفس الوقت إلي توريث الحكم إلي
أبنائهم مع أن البلد الذي يحكمونه جمهورية .
ـ البعض تمسك بالانتخابات حتي وإن حافظت
النتائج علي رقمها القياسي السحري 99.99% (قبل أن يتم تحطيمه مؤخرا) فيما ألغي
البعض الآخر هذا الأسلوب مرة واحدة ربما كسبا للوقت وضمانا للنجاعة أو استعاض عنه
بتصويت داخل برلمان كان هو أصلا من حدد تركيبته سلفا حتي ولو جاء بالانتخاب.
ـ يستوي في هذا النهج الجميع سواء من
يرفع شعار الشريعة الإسلامية أو القومية أو الديمقراطية والحداثة... تعددت الشعارات
والمعدن واحد.
ـ الدول التي فيها مرجعيات دستورية واضحة
في هذا المجال سواء بتحديد سقف لعدد الفترات الرئاسية أو بتوضيح آليات انتقال
السلطة في حالة شغور منصب الرئيس لا تجد صعوبة كبري في إعادة تشكيل الدستور كما
تريد وساعة تريد .. وبالطبع التبريرات جاهزة فورا والتخريجات كذلك.
ـ الانتخابات الرئاسية التعددية التي
تشهدها بعض الدول العربية لا تتجاوز في سيناريوهاتها أردأ المسرحيات الهزلية حيث
يلعب فيها المرشحون إلي جانب الرئيس الحالي والمقبل دور الكومبارس بأجر هزيل.
ـ كلهم يصورون أن مصير البلاد والعباد
يصبح علي كف عفريت إن هم تركوا الحكم فاستقرار البلاد وأمنها ونهضتها مرتبط فقط
بهم تحديدا دون سواهم فالشعب بات عاقرا علي إنجاب آخرين يوازونهم حكمة وعبقرية ولا
نقول يتفوقون عليهم لأن ذلك مستحيل أصلا... أي أنهم لا يكتفون بالبقاء حاكمين
بأمرهم بل ويحملوننا ذلك دينا وعرفانا في أعناقنا!!
مشهد مضحك مبك ونحن نستقبل عاما جديدا
ونتحدث فيه بثرثرة كبيرة عن ضرورة نبذ العنف والتطرف ومواكبة علوم العصر
واكتشافاتها التي لا حدود لها.