من غزوة نابليون إلى غزوة بوش!
بقلم
:فرج بوالعشة
من نابليون الى بوش، لا نزال في نفس
الموال، موال ان الصورة الكلية للتغيير في ديرة العرب، تترتب دائما برسم فاعل من
خارج المنطقة!
كتب نابليون، في مفكرته الخاصة، عن
الحملة الفرنسية على مصر، "تتمنى ولايات الدولة العثمانية التي لغة أهلها
العربية، من صميم فؤادها، وقوع تغيير عظيم، وتنتظر الرجل الذي يقع هذا التغيير على
يديه".
كان تصور نابليون عن العالم العربي
مبنيا، بتعبير لويس عوض، على "التقارير الموضوعية والشواهد اليقينية وشهادات
المؤرخين والرحالة والجواسيس والقناصل..".
وكان يعتقد، في نفسه، انه "رجل
الأقدار" الذي سيقع التغيير على يديه، إذ حسبه ان الولايات العثمانية التي
يتحدث أهلها العربية مهيأة للتغيير الكبير بالانقلاب على حكم الأتراك، وانها لو
حكمت نفسها بولاة من أهلها "بدلا من ان تعهد (كما في مصر) الى اثني عشر ألفا
من المماليك، لاستقلت المملكة العربية التي تتألف من أمة تخالف الأمم غيرها،
مخالفة كلية، بعقليتها وأوهامها ولغتها وتاريخها".
وقبل ان يمضي نابليون في حملته، كان
مسحورا منذ صباه بالشرق (المشرقن) في المخيلة الغربية، وقام في شبابه بتلخيص كتاب
"تاريخ العرب " لمارتيني.
وقد قرأ، قبل غزوتها
"الاستشراقية"! بسنوات، كتاب كونت دوفولني "رحلة الى مصر
وسوريا"، وكتابه "أطلال الحضارات القديمة أو تأملات في ثورات
الامبراطوريات"، الذي جاء فيه عن مصر ان "كل ما يقع في مصر تحت البصر أو
السمع يدل على ان هذا البلد بلد الاستعباد والاستبداد".
وفي صورة ذلك يوصف الفتن الأهلية ومظاهر
الفاقة العامة وفرض المماليك للإتاوات الباهظة وابتزاز الأموال والاغتصاب
والتعذيب، وإباحة هدر دم الإنسان كما يهدر دم الحيوان !
وكانت الانتفاضات الشعبية ضد المماليك
تحدث، بصفة متواترة، لكنها كانت ساذجة يحركها سخط معيشي ومصلحية فئوية ضيقة، من
دون ان تجمعها أهداف وطنية محددة في المطالبة بتغييرات أو إصلاحات تمس المصالح
العامة للبلاد والناس!
بينما كان هدف نابليون الأساسي، من غزو
مصر، هو السيطرة على موقعها الاستراتيجي والانطلاق منها الى المشرق العربي لقطع
الطريق على الأطماع البريطانية في الشرق! فوجد في فكرة بث الشعور القومي بين العرب
ضد الأتراك، ذريعة فاعلة في جذب تأييد العرب له وتحالفهم معه ضد هيمنة
الامبراطورية العثمانية !
ولم تكن حكاية الدفاع عن حقوق الإنسان
ونشر الديمقراطية، رائجة وقتها، بحرفيتها، كما هو الحال اليوم في عصر الامبراطورية
الأميركية، فباع نابليون المصريين وأهل الشام ما يشبه ذلك في منتج الثورة
الفرنسية، أي فكرة الحرية والمساواة والتقدم والمدنية، كهبة سامية تمنح للمصريين
بعد التحرر من طغيان المماليك.!
لم تكن حملته الإمبريالية عسكرية صرفة،
وإنما كانت، بالدرجة الأولى، امبريالية ثقافية، تمتح من خطاب الاستشراق، كما حلله،
في العمق، إدوارد سعيد في كتابه الشهير "الاستشراق". فعندما نزل نابليون
بقواته في الإسكندرية يوم 2 يوليو عام 1798، نزل في معية مؤسسة استشراقية كاملة
(مؤرخين، علماء آثار، علماء لغة، علماء احياء، كيميائيين، مهندسين، رسامين ...الخ
!).
وكان قد طبع في المطبعة التي جلبها معه
على ظهر الباخرة "الاوريان" وتعني الشرق بالعربية، 4000 نسخة من بيان
موجه الى المصريين، يعدهم بالحرية والعدالة، مكتوبا بلغة عربية قرآنية، من ترجمة
المستشرقين المرافقين له.
يبدأ البيان بـ "بسم الله الرحمن
الرحيم لا إله إلا الله لا ولد ولا شريك له في ملكه...."، ثم يبين الخروقات
التي ارتكبها المماليك في حق التجار الفرنسيين، وينبه المصريين (كما يفعل بوش
اليوم) قائلا: "يا أيها المصريين، قد قيل لكم أنني ما نزلت بهذا الطرف إلا
بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح فلا تصدقوه . وقولوا للمفترين انني ما قدمت إليكم
إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وأنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى
وأحترم نبيه والقرآن العظيم ..."
ـ ألم يتردد بوش عدة مرات على جوامع
المسلمين في اميركا ليؤكد على نغمة الاستشراق الامبريالي نفسها! واليوم، عندما
يتوجه كولن باول، الى المجتمع العربي المدني، بخطابه (الاستشراق / امبريالي) عن
نشر الديمقراطية، فانه يعيد إنتاج الخطاب القديم بتعبيرات جديدة بالمضمون نفسه،
وهو امتلاك "الشرق القاصر" والسيطرة عليه، باسم تثقيفه وتنويره وتحضيره
للعصر!
لقد خاطب نابليون المجتمع المدني
بمواصفات القرن الثامن عشر: "أيها المشايخ والقضاة والأئمة والحربجية وأعيان
البلد، قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون.." ولاثبات ان
الفرنسيين، فعلا، "مخلصون" للمسلمين، يذكر البيان كيف ان الفرنسيين
"أصدقاء المسلمين الحقيقيين" بدليل انهم غزوا روما "وخربوا"
حتى "كرسي البابا الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة الإسلام..."
ألا تدعي أميركا اليوم، لإثبات حسن نياتها تجاه المسلمين، انها حاربت الصرب في
البوسنة وكوسوفو من اجل الدفاع عن المسلمين ضد مسيحيين..!
الخلاصة ان ما عرضته فرنسا وبريطانيا في
عصر الاستعمار الغربي الكلاسيكي على العرب، وما تعرضه اميركا في عهد امبريالية عصر
العولمة عليهم، لن يخرج بأية حال من الأحوال، عن منطق ثقافة القوة وقوة الثقافة!
صحيح ان بوش ليس هو نفسه نابليون، لكنه،
هو نفسه، ممثل لثقافة استشراق مسيحي أصولي متصهين (40 مليون أصولي مسيحي صوت له)
وثقافة استشراق يميني امبريالي جذورها كامنة في تراث الاستشراق الأوروبي
الكولونيالي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ويعاد انتاجها اليوم بمصطلحات
سياسية حديثة، عبر مؤسسات ومراكز بحوث ودراسات استراتيجية، تبيع بضاعتها لوزارة
الخارجية والبنتاغون ورجال الكونغرس، ويهيمن عليها صهاينة ويمينيون، ينتجون أفكارا
وتحليلات ومفاهيم ومصطلحات، موضوعها العرب بحسبانهم موضوعا للهيمنة والسيطرة!