نداء إلى أبطال المقاومة: لا بد من إجهاض حوارات القاهرة بأي ثمن

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

ليس غريباً في زمن المهازل التفاوضية أن يوسم الداعون لاستمرار المقاومة المسلحة بالتطرف. ولكن عندما يصبح النظام الرسمي العربي حائطاً أثرياً لـ«مزبلة»، فإن تناوله بالمفردات المعقمة «الحيادية» يصبح مجرد شكلٍ جديدٍ لممارسة لعبة تزييف الحقائق.

لذلك، يجب أن يتكلم أنصار المقاومة بوضوح أكبر، لأن القذارة السياسية الجديدة التي تلقى اليوم عند جدار «حوار السلطة والفصائل الفلسطينية في القاهرة للوصول إلى استراتيجية وقرار سياسي موحد» لم تترك مجالاً لتعقيم الكلام.

خلاصة الأمر أن توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا، يريد أن يعقد مائدةً مستديرة حول إصلاح السلطة الفلسطينية في أواسط شهر كانون الثاني/ يناير 2003 سيُبحث فيها موضوع وقف إطلاق النار، ومسائل أخرى، حسب ما قاله مسؤولو السلطة في وسائل الإعلام. لذا، تطوع طرف عربي أن يعمل نادلاً على طاولة بلير لإصلاح السلطة الفلسطينية (وهو المطلب الصهيوني أصلاً)، على أن يقدم له عليها تعهداً فلسطينياً شهياً بوقف إطلاق النار في طبقٍ من ذهب، تم طبخه في حوار فلسطيني داخلي مزعوم لتنسيق المواقف في القاهرة. ولا بد أن بلير سيمرر الطبق بعدها إلى الطرف الأمريكي - الصهيوني، ولو أخذ منه قطعة لحمٍ صغيرة له. غير أن اللحم في هذا الطبق ليس إلا لحم القوى المقاومة الإسلامية والوطنية واليسارية الفلسطينية.

فيا قادة فصائل المقاومة الفلسطينية المقاتلة، ماذا تفعل وفودُكم في «بازار» بيع لحمكم ولحم الانتفاضة المسمى «حوار القاهرة»؟ ألا تعلمون أنكم ما دعيتم إلى القاهرة إلا لتسلبوا، بحجة تنسيق المواقف. أهم ورقتين بأيديكم، وهما: 1) ورقة القرار السياسي والتمثيل المستقل عن السلطة، 2) وورقة العمل المسلح الذي لا يخضع للحسابات الصغيرة للسلطة وللأنظمة العربية.

للعلم والخبر، لقد جاء صعود القوى الجديدة في الساحة الفلسطينية مع نهاية الثمانينيات لأنها رفضت الانزلاق نحو أوساخ مستنقعات التسوية والتعايش و«الواقعية»، ولأنها تمكنت من تحويل مواقفها إلى فعل ميداني مقاتل قادر على قلب المعادلات، لكن المناضل ليس له رصيد تراكمي. وهذا يعني أن القوى والشخصيات التي تنجرف نحو المواقف الوسطية أو المتذبذبة أو المهادنة أو «المعتدلة» لا يشفع لها في ذلك سجلها النضالي السابق. ولعل أكبر دليل على صحة ذلك نزوعُ الفلسطينيين من القيادات التقليدية إلى الأحزاب القومية واليسارية في الخمسينيات والستينيات، ثم نزوعُهم من هذه الأحزاب باتجاه فصائل المقاومة المسلحة مع نهاية الستينيات، وهكذا، حيث النزوع دائماً باتجاه القوى الأكثر استعداداً لمقارعة العدو بالسلاح.

لا أزايد على أحد، وأعرف مقادير المناضلين وسجلاتِهم المشرفة، ولكني أحذر هؤلاء المقاومين كأخٍ وصديقٍ ورفيق، من كارثة الانجرار إلى المشانق السياسية التي تنصب لهم اليوم في القاهرة. فوقف إطلاق النار والتفاوض، فضلاً عن كونه لا يمثل المصلحة العليا للشعب الفلسطيني والأمة العربية حين يخوض الصهاينة حرب وجود وإبادة واقتلاع ضدنا، ليس بالأساس لعبة القوى المقاومة ولا هو سبب وجودها.

والقبول بتفويض السلطةِ القرارَ السياسي للقوى المقاومة، في الوقت الذي تتبنى الأخيرةُ فيه هدفاً إستراتيجياً ما أنزل الله به من سلطان ولا علاقة له بفلسطين، وهو إضفاء مشروعية على السلطة الفلسطينية تتساوى مع مشروعية أي نظام عربي أخر، هو بالمحصلة إخضاع للمقاومة لبرنامج السلطة.

كما أن القبول بهذا البرنامج تحت سقف نظام عربي، لا يحمل مشروعاً تحررياً ويرتبط بمعاهدة استسلام مع العدو الصهيوني، يمثل ربطاً غير ضروري للنضال الفلسطيني باعتبارات رسمية عربية لا علاقة لنا بها ولا تعنينا من قريب أو بعيد. فهؤلاء الرسميون، في هوانهم وتواطئهم، يعتبرون دعم الانتفاضة إخلالاً بأمنهم الداخلي!! ويغمغمون بإحراج الطرف الصهيوني دبلوماسياً وأمام الرأي العام العالمي من خلال «كشف عدم رغبته بالسلام»! وهم لا يخجلون من الحديث عن مؤامرة شارون «لتخريب جهودهم السلمية والحاجة إلى عدم الانجرار إليها» حتى بعد أن داس شارون، بعد ساعات من إعلانها، على مبادرتهم سيئة الذكر في مؤتمر القمة العربية في بيروت...

المطلوب اليوم أمريكياً وصهيونياً هو تصفية القوى المقاومة، فإن عجزَ شارون عنها عسكرياً، دفعت بريطانيا باتجاه تحقيقها سياسياً من خلال «حوار القاهرة».

ولا فكاك من عواقب مشروعي التصفية إلا بتصعيد العمل المسلح ضد العدو الصهيوني.