هب عرضك.. ليوم فقرك!!

بقلم :د. عبدالله فرج الله

من يقوى على امتثال أمر الأولين في هذا؟!

بل من يستطيع هذا التحدي الكبير.. بين الهوى والشيطان من جانب، والإيمان والمروءة من الجانب الآخر؟!

هذه قاعدة ذهبية من قواعد الأولين في المحافظة على رابطة الأخوة، قوية عزيزة كريمة..

تقوم على أساس عجيب فريد.. إنه أساس التجاوز، أساس التنازل والمسامحة، أساس نسيان الذات والتنكر لها، أساس الصفح والبعد عن الانتقام، ورد الصاع صاعين، كما يقولون، إنه أساس العفووكظم الغيض.. أنه لأساس شديد، وامتحان رهيب، تتمحص به النفوس، وتتميز به الصفوف، إنه -باختصار شديد، وإيجاز بليغ- أساس الذين يحبهم الله -سبحانه- الذين اختارهم لكرامته، واصطفاهم صفوة من خلقه، يصلح بهم الشأن، ويجمع بهم ما تفرق، ويوحد بهم ما تشتت: يكظمون غيظهم، ويعفون عن الناس، ويرفعون شعار: والصلح خير والله يحب المحسنين..

فبأمثال هؤلاء تستقيم الحياة، ويطيب العيش..

* * * * *

فمن هوالذي يهب عرضه.. ليوم فقره؟!

نعم . من هوالذي يهون عليه عرضه؟!

ويعظم عنده هول يوم الوقوف بين يدي الله للسؤال والحساب؟!

فيتصدق بعرضه على إخوانه.. بالتجاوز عن إساءاتهم، والتغافل عن سقطاتهم، والتنازل عن حقوقه، ومع هذا تراه شديد التمسك بالقيام بواجباته نحوهم.. يحدوه في هذا كله.. أمل في أن يغفر الله له، فيحوز فضله بالتجاوز عنه يوم الفقر والحاجة، وساعة الندم والحسرة..

والحقيقة الإيمانية تؤكد، أن الذين يأخذون بهذه القاعدة الذهبية، هم الذين هانت في أعينهم الدنيا، فعلموا أنها ليست ميدان تنافس، وأن متاعها أهون من أن يكون سبب قطيعة أوتخاصم، أوتباغض، أوفقدان الأحبة.. وعظمت في قلوبهم مكانة الآخرة.. فعلموا أنها ميدان التنافس، وساحة السبق، من فاز فقد فاز، ومن خسر فقد خسر.. وأي خسارة تعدل خسارة الآخرة؟!

فاغتنموا الدنيا فرصة لتسجيل المآثر الإيمانية، والتحلي بالأخلاق النبوية الكريمة، فجعلوها مزرعة، غرسوها بطيب الكلام، وحسن الفعال، وجميل الخصال.. عفواً وكرماً ومروءةً ونبلاً وإحساناً.. تقرباً منه سبحانه وتعالى وحباً فيه، وطمعاً في كرمه وعفوه..

وكما قال ابن القيم الجوزية -رحمه الله-: «..من أحب أن يقابل الله إساءته بالإحسان، فليقابل هوإساءة الناس إليه بالإحسان، ومن علم أن الذنوب والإساءة لازمة للإنسان، لم تعظم عنده إساءة الناس إليه، فليتأمل هوحاله مع الله كيف هي مع فرط إحسانه إليه؟! وحاجته هوإلى ربه..».

وقال أيضاً: «أن يعامل العبد بني جنسه في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحب أ، يعامله الله به في إساءته وزلاته وذنوبه، فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا عفى الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته إليه سامحه في سيئاته، ومن أغضى وتجاوز تجاوز الله عنه، ومن استقصى استقصى عليه، فالله عز وجل يعامل العبد في ذنوبه، بمثل ما يعامل به الناس في ذنوبهم..».

هذا شأن الأولين مع الناس جميعاً..

فحري بك أخي الداعية أن يكون هذا هوالنهج الذي يحكم السلوك والمعاملة، مع إخوانك الدعاة.. الذين يشتد بهم أزرك، ويقوى ظهرك، ويتحد صفك.. فهب عرضك.. ليوم فقرك.