بقلم :محمد الأيوبي
بدأ حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية
بتذكير الناخب اليهودي الاميركي بتلك الرحلة التاريخية التي قام بها بصحبة آرييل
شارون على متن طوافة اسرائيلية طارت بهما فوق مدينة القدس. لقد أسر جورج دبليو بوش
الطامح يومها الى رئاسة الولايات المتحدة الى صديقه الحميم شارون بأنه يعتقد ان
اسرائيل ستصبح واحة استقرار وازدهار إذا ما قُيض له ان يصل الى رئاسة الولايات
المتحدة، خصوصا اذا تزامن ذلك مع وجود شارون في الحكم.
تحقق هذا الحلم فيما بعد، فقد خرج بوش الابن
منتصرا من الانتخابات الرئاسية عام 2000، كما فاز صديقه شارون وأصبح رئيسا للحكومة
الاسرائيلية.
ويتبادر الى ذهن أي قارئ بعد تلك التصريحات
التي أطلقها بوش الابن في القدس طرح السؤال الآتي: هل حقق الاسرائيليون الاستقرار
والرفاه الذي وعدهم به بوش بعد ان وصل الى الحكم؟ إن ما تشهده الاراضي العربية
المحتلة اليوم من عنف وعنف مضاد هو الجواب على وعود الرئيس الاميركي للاسرائيليين.
الواقع أن ما وعد به الرئيس الاميركي الشعب الاسرائيلي من رفاه واستقرار لا يمكن
تحقيقه في رأي المراقبين قبل إقامة السلام الشامل والعادل الذي يعيد الحقوق ويحفظ
كرامة كل أفرقاء الصراع في الشرق الاوسط. والمؤسف حقا ان ادارة الرئيس بوش لم
تُقدم على هذه الخطوة حتى الآن. فقد استهلت هذه الادارة عملها بتجاهل شبه تام
لقضية الصراع العربي الاسرائيلي، كما أظهرت منذ البداية تعاطفا كبيرا مع اليمين
الاسرائيلي المتطرف الذي يمثله زعيم حزب الليكود ورئيس الوزراء الحالي ارييل شارون...
لقد توجس معظم المراقبين خيفة من شارون،
ونظرا لماضيه الدموي المرعب استبعدوا ان يتم في عهده التوصل الى أي سلام مع
الفلسطينيين، وذلك لرفضه القاطع التخلي عن المستعمرات ومعارضته الشديدة للعودة الى
حدود عام 1967. زد على ذلك أنه اعتبر وقبل تسلمه الحكم بفترة طويلة ان اتفاقية
اوسلو وما تبعها من اتفاقات بين اليهود والفلسطينيين لاغية ومخيبة لأماني الشعب
الاسرائيلي المتطلع الى بناء دولته التوراتية. ولضرب هذه الاتفاقية وإلغائها كما
هو معلوم قام شارون في الثامن والعشرين من ايلول/ سبتمبر عام 2000 بزيارته
الاستفزازية لساحة الحرم القدسي الشريف. الزيارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة
الثانية ومهدت له طريق الوصول الى رئاسة الحكومة بعد ان وعد شعبه بإخماد الغضبة
الجماهيرية الفلسطينية في غضون مئة يوم فقط. وعلى رغم تغاضي الرئيس بوش عن تصرفات
ارييل شارون وأعماله التعسفية ضد الشعب الفلسطيني، إلا أن هذا الأخير فشل في
القضاء على الانتفاضة أو التأثير على الروح المعنوية للشعب الفلسطيني.
في خضم هذا الصراع مع الفلسطينيين وقعت أحداث
الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الاميركية، حيث أعلن
الرئيس بوش حربه المفتوحة على الارهاب، وجاءت هذه الحرب لتصب في مصلحة اسرائيل
وقادة الاحزاب اليمينية المتطرفة فيها، خصوصا حزب الليكود وزعيمه ارييل شارون.
لقد وجد شارون في هذه الأحداث ضالته ونجح الى
حد كبير في ربط ما يجري على ارض فلسطين بالارهاب الذي ضرب نيويورك وواشنطن، وأقنع
ادارة بوش وجزءا من الرأي العام الاميركي والغربي ان ما تواجهه اسرائيل من ارهاب
الانتفاضة لا يقل خطرا عن ارهاب القاعدة التي ضربت في قلب الولايات المتحدة. كما
حاول ان يقنع هؤلاء بأن ياسر عرفات أشد خطرا على اسرائيل والعالم من أسامة بن
لادن. نجح شارون الى حد بعيد في تسويق هذه المقولات، لذلك حصل على الضوء الأميركي
الأخضر لاستخدام أقسى الاجراءات القمعية ضد الانتفاضة والناشطين الفلسطينيين من
حماس وشهداء الاقصى والجهاد الاسلامي وغيرها من الحركات الوطنية والاسلامية.
فالتأييد الاميركي اللامحدود لإسرائيل جعل
هذه الأخيرة فوق سقف الشرعية الدولية، فهي بفضل الفيتو الاميركي في مجلس الأمن
الدولي لا تخضع للمساءلة أو النقد وتتصرف كما يحلو لها في الاراضي الفلسطينية
المحتلة، وهي كما هو واضح للجميع ماضية في مخطط التصفية العرقية ضد الشعب
الفلسطيني من دون ان تجد من يردعها.
فالمزاجية الاميركية الراهنة وازدواجية
المعايير التي تطبقها الادارة الاميركية الحالية في المنطقة تجعل من المستحيل
التوصل الى حل نهائي وعادل لأزمة الشرق الاوسط. لذا يتمنى المراقبون العرب على هذه
الدولة العظمى ان تنظر الى مصالحها في هذا الجزء المهم من العالم بمنظار العقل لا بمنظار
المصالح الانتخابية المحلية الضيقة التي قد تجر الويلات على هذه الدولة بصورة خاصة
وعلى أطراف النزاع بصورة عامة.
إن سياسة الولايات المتحدة الحالية تجاه أزمة
المنطقة وانحيازها التام الى جانب اسرائيل أحرج حلفاءها من الحكام العرب امام
شعوبهم وأفقدهم قدرة الدفاع عن مواقف هذه الدولة ومصالحها. فهذا التجاهل الاميركي
لمصالح العرب ومحاولة تهميشهم وفرض الهيمنة عليهم حملت وزير الخارجية السعودي
الأمير سعود الفيصل بعد لقائه الأخير مع أحمد ماهر وزير الخارجية المصري على
القول: <<ان العرب قد فقدوا التأثير في توجيه سياسة المنطقة، وأن زمام
الأمور قد أفلت من أيديهم>>. وفي نفس السياق تحدث الفيصل في اطار المؤتمر
الاول لمؤسسة الفكر العربي الذي اختتم أعماله في القاهرة يوم الاربعاء 30 تشرين
الاول (اكتوبر) قائلا: ان العرب اليوم يتعرضون لتحديات لا يواجهونها بالكفاءة
المطلوبة والمرغوبة وأنهم، أي العرب، حكاما ومحكومين، دولا ومجتمعات، في سفينة
واحدة غرقا او نجاة، وأنهم، وبغض النظر عن شرائحهم المختلفة، بحاجة ماسة الى بعضهم
البعض في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة حتى لا يتجرأ عليهم الآخرون، فكلام
الأمير سعود الفيصل معبر ودقيق، والمثال على صدق كلامه تجرؤ الكونغرس الاميركي
مؤخرا على إصدار قانون جديد يعترف فيه الأخير بجعل القدس عاصمة أبدية لإسرائيل من
دون ان يخشى أعضاؤه ردات الفعل العربية والاسلامية. وما زاد الطين بلة توقيع
الرئيس بوش على هذا القانون. فأي سلام يبحث عنه العرب اذا كان الرئيس الاميركي
وإدارته يؤيدون اسرائيل بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة منذ إنشاء
الدولة العبرية... فسياسة السكوت الاميركي على ممارسات شارون القاسية ضد
الفلسطينيين تعتبر في رأي كثير من المراقبين والسياسيين العرب والأجانب موافقة
أميركية ضمنية إن لم يكن تشجيعا لشارون للمضي في مخططه المرسوم. فهذه السياسة
ستساعد الأخير على التحالف مع اليمين المتشدد بعد استقالة وزراء حزب العمل من
حكومته. وهذا يعني ايضا ان الحكومة ستلجأ الى مزيد من العنف وسفك الدماء داخل
الاراضي المحتلة، كما ان الرأي العام الاسرائيلي الذي أصبح أكثر تطرفا بعد وصول
شارون الى السلطة سيُفسر السكوت الاميركي على تصرفات الأخير ومدح بوش لسياساته على
انه ضوء اخضر من جانب الادارة الاميركية لإعادة انتخاب زعيم الليكود وجماعته.
وعودة شارون الى رئاسة الحكومة مرة اخرى يعني، في رأي المراقبين العرب، نعيا فعليا
لأي تقارب بين الفلسطينيين والاسرائيليين ودفنا حقيقيا للعملية السلمية التي رعتها
الادارات الاميركية السابقة. واللافت ان عملية السلام قد توقفت بصورة تامة تقريبا
مع بداية عهد الرئيس بوش الابن، ويبدو حاليا ان الرئيس الاميركي ومعظم أفراد
إدارته يريدون حلا شارونيا لهذا النزاع من دون تفكير جدي في النتائج الكارثية التي
ستنجم عن هذا الحل.