وقفة على اعتاب العام الجديد؟!...

 

 

 

بقلم : د. مصطفى محمد الفار

  

يطل علينا العام الجديد وملايين الجياع في العالم، تئن وتتلوى دون ان تجد من يلبي النداء، او يهب لانقاذهم مما يعانون من بلاء.. ومع ذلك، فاننا نصرخ مطالبين بوقف الارهاب.. دون ان ندرك حقيقة مؤداها ان الناس عندما يكونون فقراء، وعديمي الحول والقوة، فانهم قد يلجأون الى التطرف لتغيير ظروفهم، فماذا قدم العالم للملايين من البشر الذين يتلوون تحت سياط الفقر والجهل والمرض؟!

لقد انتشر الفقر وازداد سطحا وعمقا، فقد دلت الدراسات على ان ثلاثة مليارات ونصف المليار من سكان العالم لا يحصل الا على 6% فقط من الدخل العالمي، فيما يحصل الملياران ونصف المليار الاخرى على 94% من الدخل العالمي، وفي تقرير رسمي نشر فيه (ان اربعين الفا يموتون يوميا جوعا، وان ما يقرب من مليار انسان يموتون من سوء التغذية، وان حوالي مليار ونصف المليار من دون مياه صالحة للشرب، وان مليار انسان عاطل عن العمل، وان ثلاثمائة وخمسين الف طفل يموتون يوميا في ارجاء العالم، بينما يقدر ما تسيطر عليه شركات السلاح واسواق المخدرات من المال بـ 90% من الاقتصاد العالمي، وان العولمة الغربية قضت على حقوق الانسان الثقافية، فضلا عن السياسية والاقتصادية، فالعولمة الغربية تأتي على الاخضر واليابس الذي نبت خارج اطارها لتمحوه وبدون هوادة، ومن المعلوم ان لكل مجتمع قيمه المتجذرة فيه، ومثله الراسخة في ضميره، وهذه القيم وتلك المثل، هي التي تشكل نظرته، لكن العولمة تقضي عليها، وتحل محلها قيمها ومثلها المادية، ولا يخفى ان المعاهدات الدولية تؤكد على ان للانسان الحق في التمسك بثقافته الخاصة، والتكلم بلغته الخاصة، والتجاهر بدينه الخاص، والاعلان عن مذهبه الخاص، لكن العولمة تبغي تعميم ثقافة واحدة على سائر اركان المعمورة، وهل هذا الا افتراء؟! وقد عرف عن امريكا تفوقها على بقية الدول في نسبة ما تصدره من مواد ثقافية وفكرية وترفيهية تنشيطية ومسرحيات وافلام وبرامج، الى حد ان صادراتها في هذا الشأن تفوق صادراتها في المجالات الاخرى.

ان بلاء التلوث الذي سببته الصادرات الصناعية الاكثر تلويثا للبيئة، وقد تكون المجتمعات المستوردة ليست ذات حاجة، لكنها وبفعل ضغط الدعاية العولمية والتسهيلات المادية، ظاهرا تغدو في حالة شعور بحاجة الى ذلك.. ان العولمة الغربية في نظر ذوي العقول السليمة لم تؤسس على اسس عقلية ومنطقية، ولا على قواعد اخلاقية ولا انسانية، وعولمة هذه ملامحها مآلها الى السقوط، وكما حدث للعولمة الشرقية الشيوعية، التي قامت يوم قامت على المعايير المتخلية ذاتها عن العدالة والفضيلة التي تقوم عليها عولمة الغرب اليوم، فهناك انسلاخ للنظام الاقتصادي الغربي عن المشاعر والعواطف الانسانية، كلما تصادم حق الانسانية مع حيوية الاقتصاد، وقد فصل عن العمل في المؤسسات الامريكية ما يقارب خمسين مليون عامل في مدة لا تتجاوز العشرين عاما الماضية.

اما اسرائيل، فقد لعبت دورا كبيرا في تفتيت الوحدة المنشودة لمنطقة الشرق الاوسط، او للامة العربية في رأس حربة تغرز في جسم من يمكن ان يحمل لواء عولمة مقابلة، بل محبطة لعولمة الغرب، وقد سعت امريكا منذ فترة ليست وجيزة الي دعم اسرائيل: ماديا وعسكريا وسياسيا، ومع ذلك، فان من المدهش انه ما يزلا في الغرب الاوروبي والامريكي من يزعم ان اسرائيل ضحية، وانها تعمل على محاربة الارهاب، وان امنها مهدد، بينما ما تقوم به اسرائيل من مجازر يومية يدحض ذلك، فهي محتلة لاراض عربية، وهذا نوع من اشد انواع العدوان، كما انها ترفض الامتثال للقرارات الدولية التي تطالبها بالانسحاب وصولا الى السلام العادل والشامل، او ليس من المشروع التساؤل لماذا السكوت عن الخرق الاسرائيلي للشرعية الدولية، ولماذا الاصرار على الزام العراق بهذه الشرعية تحت تهديد القوة العسكرية؟ مع ان العراق لم يخرق قرارات الامم المتحدة، في الوقت الذي يتنامى الخرق الاسرائيلي لميثاق الامم المتحدة؟ هذه بعض المآسي والآفات التي يتعرض لها العالم اليوم ونحن نقف على اعتاب العام الجديد 2003 فماذا يخبىء لنا العام الجديد يا ترى من مفاجآت؟ الله وحده يعلم..