اقتراح
متواضع
بقلم
: نعوم تشومسكي
لن يكون هناك مشكل في الوصول إلى النفط
العراقي، بالكيفية نفسها التي تستطيع بها الشركات الأمريكية الآن بسهولة أن تستغل
مصادر الطاقة الإيرانية، لو سمحت واشنطن بذلك.
ومن غير أن نستمر في هذا، يبدو أن هذا
الاقتراح يقدِّم من المزايا أكثر مما تقدمه الاقتراحات التي تناقَش فعلا الآن. فما
المشكلة في هذا؟ إلا أن هناك عددا من المشكلات الأساسية في هذا الاقتراح، ومنها:
أولا، لن تستطيع الولايات المتحدة
استخدام "المصدر العظيم للقوة الاستراتيجية" بصفته أداة للهيمنة على
العالم، ثم إنه سيلزمها أن تتقاسم "الجائزة المادية" العظيمة مع
الآخرين، بشكل يتجاوز ما يمكن أن تفضِّله القيادة.
ثانيا، سوف تحبَط "الخطة الكلاسيكية
المعاصرة للطبقة اليمينية المهدَّدة". ثم إن مشكلات إدارة الرئيس بوش المحلية
سوف تبقى من غير حل: ذلك أن الشعب (الأمريكي) سيكون متحررا من الخوف وسوف يوجِّه
انتباهه لما يحاك ضده.
وأخيرا، سوف تتعرض الخطط التي تهدف إلى
"الهيمنة الأحادية على العالم" لضربة شديدة. وكما لاحظ ليفن عن حق فإن
"الوطنيين المتطرفين" في واشنطن على صلة وثيقة جدا بالوطنيين المتطرفين
جدا في إسرائيل.
بل كان ريتشارد بيرل ودوجلاس فيث في
التسعينيات يكتبان أبحاثا كانت تمثل خطة عمل (لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق)
بنيامين نتنياهو، وهو الذي يقف على يمين أرييل شارون في اليمين المتطرف. وقد دأبت
الصحافة الإسرائيلية التي تتميز بقدر عال من الوثوقية على إيراد بعض التقارير عن
ارتباطاتهما والخطط التي يحيكانها منذ فترة طويلة.
ويشمل ذلك تلك الخطط التي تتميز بشمولية
فائقة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تماثل الخطط التي كان معمولا بها خلال
الإمبراطورية العثمانية، لكن الأمر المختلف الآن أن هذه الخطط تقوم بها الولايات
المتحدة والقاعدة العسكرية التابعة لها المتمثلة بإسرائيل، بالتعاون مع تركيا: وهو
ما وصفته الصحافة المصرية بأنه "محور الشر" المكون من الولايات المتحدة
ـ إسرائيل ـ تركيا.
وبحسب بعض الخطط التي كُشف عنها، فإنه
يمكن أن تقوم في المنطقة مملكة هاشمية تمتد من الأردن حتى بعض أجزاء العراق
والمملكة العربية السعودية، ويمكن بعد ذلك أن "يُطرد" الفسلطينيون إلى
مكان آخر، ربما الأردن.
أما الحرب ضد إيران فربما كانت في طور
التنفيذ الآن. ذلك أن جزءا كبيرا من سلاح الجو الإسرائيلي موجود في قواعد في تركيا
وهناك تقارير عن أنه يطير بمحاذاة الحدود الإيرانية منطلقا من قواعد موجودة هناك.
ويتم الآن تطوير بعض الخطط لتقسيم إيران، وربما شُرع في تنفيذها، بحسب ما تقوله بعض
المصادر المطلعة في الولايات المتحدة.
ويقترح ليفن وآخرون أن لدى الوطنيين
المتطرفين (الأمريكيين) خططا مشابهة تمتد حتى الصين، وربما استمر العمل بها لعقود
"إلى أن يستطيع المزيج من الإرهاب والأكلاف غير المحتملة اجتماعيا وسياسيا
وبيئيا للهيمنة الاقتصادية الأمريكية دفْع أكلاف النظام العالمي السائد
الآن".
ولا يقتصر تقويم هذه الخطط بأنها خطرة
على أكثر العالم. بل ينظر إليها بالشكل نفسه بعض المحللين الاستراتيجيين المحترمين
جدا من المتخصصين في الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، ومن هؤلاء أنتوني
كوردزمان، الذي يتحلى بقدر من "التشدد" يتماهى مع التشدد الذي يتصف به
الذين يأتون من بعض التيارات العاقلة في المجتمع (الأمريكي).
فكما تروي أكيفا إيلدار، المراسلة
الدبلوماسية الإسرائيلية المشهورة فقد حذَّر كوردزمان من أن واشنطن ينبغي "أن
تعلن بوضوح أن التزامها نحو إسرائيل لا يشمل التزاما مماثلا للمخططين
الاستراتيجيين الخياليين الساذجين ولا للمتشددين الذين لا يتحلون بأي قدر من
المسؤولية ويتشدقون بما يفكرون به بصراحة"، وكان يشير بصورة غير مواربة إلى
بيرل وفيث، القريبين من مراكز القوة في واشنطن.
وفي طريق عودته إلى إسرائيل من بعض
الاجتماعات مع المسؤولين الكبار في البنتاجون صرح المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي
إيهود سبرنتزاك قائلا: "إننا نتحدث عن مجموعة ثورية، لديها منهج مختلف جدا
للتعامل مع العالم العربي والتهديدات القادمة من هناك.
ويمكن للمرء أن يلخص منهجهم (منهج هذه
المجموعة) بجملة واحدة: إنهم يرون أن العالم العربي عالَم من المتخلفين الذين لا
يفهمون إلا لغة القوة". وهذا حكم مخفَّف، كما يشهد بذلك رد الفعل (الأمريكي)
على العصيان الهامشي الذي أبدته ألمانيا مؤخرا.
والاقتراح البسيط المتمثل في تحرير إيران
للعراق اقتراح مجنون حقيقة، لكنه لا يخلو من قيمة. فهو أكثر معقولا من الخطط التي
تنفذ الآن فعلا، أو لكي نضع الأمر بشكل أدق، ربما يكون أكثر معقولا إن كان للأهداف
المدّعاة أية صلة بالأهداف الحقيقية.
أما فيما يخص الدوافع الحقيقية، فالبديل
الذي ناقشناه في البداية يتحلى بقدر عظيم من المعقولية.