بقلم :عاطف الجولاني
عملية اغتيال الأمين العام المساعد للحزب
الاشتراكي في اليمن جارالله عمر، خطيرة للغاية، وإن كانت حالة فردية معزولة. وأخطر
ما فيها، تبرير منفّذها، بأن جارالله «ماركسي علماني ملحد».
فهو عاقب المقتول على رأيه وأفكاره، ورأى أن
له الحق في أن ينفّذ حكم القتل بحقه على أساس ذلك. ولولا القبض عليه، لربما كان
أقدم فيما بعد، على قتل الشيخ عبد المجيد الزنداني والشيخ عبدالله الأحمر، من قادة
التجمع اليمنى للإصلاح، فهو قد اتهمهم بالانحراف عن مبادئهم، وأصدر حكما بتكفيرهم،
واعترف بأنه كان ينوي اغتيال الأمين العام للتنظيم الوحدوي الناصري، وأمين سر حزب
البعث العربي القومي.
الفكر التكفيري خطير ، ويصبح مدمّرا حين لا
يكتفي صاحبه بإصدار الأحكام على الناس بالكفر والإيمان، ويتجاوز ذلك للعب دور
القاضي والجلاد، وينفّذ أحكام القتل. وتكون الطامّة أكبر، حين يتم ذلك باسم الدين.
وهو ما يتيح فرصة للمتربصين والحاقدين، لنفث سمومهم، والتصيد في الماء العكر،
والادعاء بأن الإسلام يبيح القتل على الرأي والفكر والاعتقاد، مغمضين أعينهم عن
قصد وسوء نية، عن حقيقة أن الإسلام كان صريحا واضحا حين قرر أن «لا إكراه في
الدين»، وأن من «شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، وأن الثواب والعقاب على الكفر
والإيمان هو عند الله في الآخرة. ويغفلون أيضا أن القرآن دعا المسلمين إلى محاورة
غيرهم، ومجادلتهم «بالحكمة والموعظة الحسنة»، بالدليل والبرهان والإقناع، لا
بالسيف والطلقات والقنابل.
وانطلاقا من ذلك، حاور النبي محمد (صلى الله
عليه وسلم) غير المسلمين؛ لم يفرض عليهم الدين عنوة، ولم يعمل السيف فيهم قتلا
لأنهم رفضوا دعوته وأصروا على الكفر، بل أمره ربه حين ييأس منهم أن يخاطبهم
بالقول: «لكم دينكم ولي دين».
والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو
الأحرص على الإسلام من كل المتشددين والمتنطعين، كان يعلم من هم المنافقون
المندسون في صفوف المسلمين-بأسمائهم- ويعلم مدى حقدهم وخطرهم على الإسلام،
واختراقهم للمجتمع المسلم، وقيامهم بدور التخذيل والتثبيط وإثارة الفتن، لكنه لم
يقتل أحدا منهم، رغم أن القرآن قرر أنهم أشدّ كفرا، و«في الدرك الأسفل من النار».
الرأي يواجه بالرأي والحجة والبرهان. وحين
ينفلت الأمر من عقاله، ويرى كل فرد أن من حقه أن يصدر الأحكام على الناس، وأن يأخذ
الأمر بيده، وأن يكفّر الناس ويمارس بصورة فردية أعمال القتل بحقهم، تكون الفوضى
التي لا يقرّها شرع ولا دين.
ومثل هذه الأعمال لا تسيء إلا لأصحابها
ومرتكبيها، وهم قلة محدودة للغاية. ويخطئ من يظن أنه يستطيع أن يستغلها فرصة
للتهجم على الإسلام والإسلاميين، الذين يدينون قبل غيرهم، أية ممارسات خاطئة تمارس
باسم الدين.
ولكن ينبغي هنا الإشارة إلى أمرين في غاية
الأهمية:
الأول: أن مقارعة الرأي بالرأي والحجة
والبرهان، تتعلق بالصراع الداخلي، في قضايا الخلاف بين أفراد المجتمع والأمة، في
قضايا الخلاف الفكري والسياسي.
ولكن الأمر يختلف تماما في الصراع الخارجي مع
أعداء الأمة، الذين يناصبونها العداء، أو يحتلون أرضها، أو يعينون المحتلين لأرضها
ويمدونهم بأسباب القوة والعدوان. فالمقاومة والمقارعة بالسنان والسلاح، تغدو هنا
مشروعة، بل مطلوبة ومفروضة.
الثاني: أن المستفيد الأول من فكر «التكفير»
وأفعال «التكفير»، هم أعداء الأمة الخارجين، وحلفاؤهم في الداخل، وهم يستفيدون من
ذلك على أكثر من صعيد.
فهم من جهة يلصقون بالإسلام والحركات
الإسلامية، تهمة الإرهاب والتطرف، ويبررون بالتالي مطاردتها وشن الحرب عليها.
ومن جهة أخرى، يضربون القوى والتيارات
السياسية والفكرية المعارضة بعضها ببعض، ويحولون دون أي تقارب بينها، ويشغلونها
بعداءات وتناقضات بينية، عن مواجهة الخطر الخارجي، وحلفائه الرسميين في الداخل.
ولا يخفى مدى استغلال بعض الحكومات لقضية
«التكفير» في تحقيق مآربها، حيث راحت تلصق تهمة «التكفير» بمعارضيها ومخالفيها
الذين ترغب بقمعهم وملاحقتهم، ظلما وعدوانا، وهم براء من تلك الاتهامات. ولن نبالغ
إذا قلنا إن تلك الحكومات ربما كانت تقف وراء بعض الأعمال التي تنضوي تحت مظلة
«التكفير».
الشعار الذي ينبغي أن يرفع:
الحوار والجدال بالحسنى في الخلافات
والخصومات السياسية والفكرية في الداخل، والرصاص والجهاد والمقاومة والأسنّة
المشرعة في الصراع مع المحتلين وأعداء الخارج.