من بكين إلي نيروبي: رسائل تؤكد فداحة الفضيحة العربية

 

 

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

النصيحة الإسلامية القديمة حول طلب العلم في الصين كانت تحمل في طياتها معني ان الصين كانت تعتبر حينها أقاصي الدنيا. ولكن هذه الرسالة تحمل معاني جديدة في أيامنا هذه تنطلق من أوجه التشابه بين وضع الصين وأوضاع العالم الإسلامي. فالصين تشابه العالم الإسلامي في أنها تفخر بإرث حضاري غني يرسم معالم هويتها المستقلة ويصل حاضرها بماضيها، وهي من هذا المنطلق تمثل كتلة جيوسياسية وثقافية قائمة ميزاتها تضاهي في حجمها (مليار وربع المليار شخص) ووحدتها الثقافية الداخلية الكتلة الإسلامية، وقد أدي هذا بدوره إلي أن ينظر إليها الغرب بتوجس ويعتبرها منظرو الصراع الحضاري أمثال هنتنغتون خصماً وغريماً.

الصين تتفق مع العالم الإسلامي أيضاً من أنها تحدت التيار العالمي الانفتاحي الديمقراطي الذي اجتاح الكرة الأرضية خلال العقدين الماضيين، بدءاً من جنوب أوروبا في منتصف التسعينات، مروراً بأمريكا اللاتينية وبعض دول آسيا وأفريقيا في الثمانينات، فشرق أوروبا ومعظم أفريقيا وآسيا في التسعينات. ولكن الصين ومعظم أصقاع العالم الإسلامي ظلت بقاعاً سوداء علي خارطة العالم التي تزداد إشراقاً كل صباح. ولكن هناك فارقا جوهريا، وهو أن الصين لم تخبر الديمقراطية أبداً لا في تاريخها القديم ولا الحديث، وكانت تحكم طوال تاريخها بملوك وأباطرة يدعون أنهم من سلالات الآلهة. وقد خلفهم في العصر الحديث أدعياء ألوهية آخرون يحكمون بأيديولوجية تمنحهم حق الوصاية علي الخلق. أما في الإسلام فكما نعلم فإنه لا إله إلا الواحد الأحد، وكل الخلق متساوون في العبودية. وقد شهد التاريخ الإسلامي تجارب متنوعة في الحكم خلفت علي الأقل الانطباع بأن هناك أكثر من خيار للحكم.

ولكن إذا كان لبعض أهل الملة الإسلامية، وخاصة في عالمنا العربي عزاء في أن الصين مثلنا في الابتلاء بمحنة الاستبداد، فإن هذا العزاء في طريقه إلي زوال وشيك، فقبل أسابيع قليلة انعقد مؤتمر الحزب الشيوعي الصين فاختار قيادة جديدة ورئيساً جديداً، دون أن يلحق الرئيس الحالي بأسلافه في السماء. وهذه سابقة لم نسمع لها مثيلاً في عالمنا العربي حيث يواصل الزعيم الحكم حتي بعد أن يدخل القبر وذلك عبر استخلاف ذريته أو من يشاركه استخفافه بحق الأمة في اختيار من يتولي أمورها.

وعلي كل فإن الصين تتميز عن العالم العربي بأن حكامها، علي ما عليهم من مآخذ، قد جعلوا منها إحدي الدول العظمي، وخصوصاً ضد العدوان الأجنبي بترسانة نووية ترهب العدو وتردعه. وقد أعقبوا ذلك بتحويلها إلي أكبر قوة اقتصادية صاعدة في العالم. ولعلهم تفوقوا في ذلك علي ديمقراطيات أوروبا الشرقية وعلي رأسها روسيا، التي حولها حكامها من قوة عظمي إلي أمة تحترف التسول وتصدر المومسات، ثم عادوا في عهد بوتين فحرموها من الديمقراطية المحدودة التي كانت تتمتع بها. ولا يعني هذا الاعتذار لحكام الصين عن استبدادهم، ولكن لعلهم لو سلكوا طريق الديمقراطية لاختارهم الشعب طواعية لحكمه علي ضوء إنجازاتهم الملموسة.

ولكن لعل الخبر الأسوأ لحكامنا الأفاضل هو ذلك الذي ورد من نيروبي الأحد الماضي ونقل نبأ اختيار الشعب الكيني فيما يشبه الإجماع لقيادة جديدة أنهي بموجبها حكم حزب كانوا الذي استمر أربعين عاماً ورئاسة أراب موي التي ناهزت ربع القرن. الكينيون لا يدعون مثلنا ارثاً حضاريا تليد يعود لفجر الحضارة الإنسانية، وهم لا يتباهون حتي بتراث في شؤون الحكم والسياسة، بل إن أول عهد أهل كينيا بالدولة كانت دويلات أنشأها أسلافنا في مطلع للألفية الماضية علي سواحلها الشرقية.

كينيا تعرضت مثل أكثر الدول العربية للاستعمار، وخرجت منه بإرث سياسي تمثل في حكم برلماني ونظام اقتصادي رأسمالي، إضافة إلي وحدة اقتصادية مع جاراتها في تنزانيا ويوغندا. وخلال العقد ونصف الأول من استقلالها قوضت كينيا الوحدة الاقتصادية مع جاراتها، وأفرغت النظام البرلماني من محتواه عبر تقنية نظام الحرب الواحد. وهي في ذلك سارت علي طريق معبد سبقته إليها أنظمة عربية كثيرة. ولكن كينيا خلفت الآخرين في أنها لم تسقط في اغراء الشعارات الاشتراكية، كما أنها لم تبال حتي بدعاوي الاستقلال ورفض التبعية. وقد ظلت طوال عهد الاستقلال تتبني الرأسمالية غير المنضبطة ولا تمانع في استضافة القواعد الأجنبية ولا التعايش مع المصالح الخارجية.

فكينيا لم تحذ حذو الدول الأفريقية الأخري التي طردت المستوطنين الأوروبيين ولم تتجه لتأميم المصالح الأجنبية، بل بالعكس حافظت علي صلاتها مع البلد الأم ، وأبقت علي المستوطنين، بل وعلي كثير من الموظفين الاستعماريين وعلي رأسهم القضاة، وفتحت أسواقها للاستثمار الأجنبي.

كينيا تكون بهذا اتبعت النهج التي تحولت إليه دول عربية كثيرة، ولكن بدون أن تمر بشأن هذه الدول بمرحلة المثاليات الاشتراكية والعنتريات المناوئة للامبريالية. فهي قد احتضنت الامبريالية والرأسمالية، وانحازت إلي المعسكر الغربي في الحرب الباردة. وقد جلب لها هذا التوجه المعونات السخية والاستثمارات والدعــــم لنظامها السياسي، والمناصرة ضد منافسيها الإقليميين.

ولنفس السبب فإن كينيا كانت من أول الدول التي تأثرت بالتحول الذي جلبته الحرب الباردة في مواقف الدول الغربية من حلفائها السابقين. فكما رفع المعسكر الغربي الغطاء عن بينوشيه وموبوتو والنظام العنصري في جنوب أفريقيا، اتخذ قراراً يدعم التغيير في كينيا. وقد بلغ الحماس الأمريكي للتغيير هناك حداً جعل السفير الأمريكي يصبح زعيم المعارضة الفعلي في كينيا (كما هو حال بوش وتوني بلير مع العراق اليوم).

وكانت السفارة الأمريكية تستضيف لقاءات توحيد المعارضة وكان السفير يحضر التظاهرات المناوئة لرئاسة دانيال أراب موي الذي تولي الحكم في عام 1978.

الجهود الأمريكية لإسقاط موي فشلت لسببين: الأول وجود خلاف في المعسكر الغربي، حيث وقفت بريطانيا بحزم مع موي حماية لمصالحها هناك. أما السبب الثاني فهو تجذر الفساد في الحياة العامة هناك، مما سهل للحزب الحاكم شراء الذمم والأصوات وتشتيت صفوف المعارضة. وهكذا قدمت المعارضة ثمانية مرشحين متشاكسين مقابل مرشح الحرب الحاكم الواحد، وفشلت في إسقاط موي رغم حصولها علي أغلب الأصوات في انتخابات 1992. وتكرر الأمر نفسه في انتخابات عام 1997، رغم نجاح الضغوط الغربية في إجبار الحكومة علي إجراء إصلاحات دستورية تتيح حرية تعدد الأحزاب وتسهيل إجراءات الترشيح.

أبرز التعديلات الدستورية كان ذلك الذي يحدد فترة الرئاسة بفترتين كحد أقصي، مما أجبر موي علي اختيار مرشح آخر لخلافته. وقد دفع خياره علي أهورد كنياتا، نجل أول رئيس لكينيا كمرشح للحزب الحاكم، الرهان علي كنياتا الابن فشل لأن الشعب مل من فساد موي وبطانته، ولأن المعارضة توحدت ولأن الحزب الحاكم تصدع بانشقاق بعض من كانوا يرون أنفسهم أحق بالخلافة من كنياتا. وهكذا انتهت اللعبة وأسدل الستار، وتحققت للشعب الكيني حريته التي طالب بها وناضل من أجلها كثيراً.

الحكومة الجديدة تعهدت بجعل القضاء علي الفساد أولوية قصوي، ولكنها تعهدت أيضاً باتباع سياسة عفا الله عما سلف تجاه من أثروا من الفساد. والدافع لهذا هو الحفاظ علي السلم الاجتماعي، إضافة إلي أنه من الصعب أن يوجد سياسي في كينيا لم ينغمس في الفساد بما في ذلك أكثر أنصار الرئيس الجديد الذي كان بدوره مسؤولاً رفيعاً سابقاً في الحزب الحاكم.

الإدارة الجديدة ستواجهها تركة ثقيلة إضافة إلي الفساد، تتمثل في تفشي الفقر الذي جعل نسبة وفيات الأطفال في كينيا أعلي نسبة في العالم بعد العراق مباشرة. كينيا مثل كثير من دول العالم الثالث التي انتهجت الرأسمالية المتوحشة نهجاً، والفساد أسلوباً أصبحت جنة للأجانب وجحيماً لأكثر أهلها الذين يعيش غالبهم حياة هي للرق أقرب منها للحرية. ولكن ما يحمد لنظامها هو أنه علي الأقل مهد الطريق للتغيير السلمي الديمقراطي باتجاه نظام هو أقرب إلي الانصياع لإرادة الشعب ومراعاة مصالحه.

وإذ يتحقق التحول الديمقراطي بنجاح في بلد آخر في المنطقة، ينكشف أكثر النظام العربي الذي أصبح جزيرة استبداد وفساد تفوح رائحته النتنة وسط محيط هادر من التحولات التي تضع إرادة الشعوب وكرامتها فوق مصالح المفسدين الفاسدين.

وتتعمق بذلك فضيحتنا كأمة عربية ذات رسالة خالدة، يعيش أفرادها تحت ثنائية الاستعباد الداخلي والمهانة الخارجية.

الدول التي ذكرنا، والتي تشهد تحولات بدرجات متفاوتة نحو الاستقرار السياسي والانفتاح لا تواجه ربع ما تواجهه الشعوب العربية من مهانة. فأراضيها ليست محتلة، ومكانتها الدولية محفوظة، ومفاعلاتها النووية وقواعدها ليست مرتعاً للمفتشين الدوليين والجواسيس العالميين، كما أن أموالها لا تنهب جهاراً نهاراً وحتي نسبة الفساد المستشرية لا تقارن مع أوضاع غالبية دولنا التي يعاملها الحكام كملكية خاصة.

العار العربي لا يتمثل فقط في تخلفنا عن ركب الديمقراطية، بل في أن حال بعض الدول حتي قبل الديمقراطية كان وينبغي أن يكون موضع حسد للعرب. وهذا بلاء ما بعده بلاء. وإذا لم يحرك هذا همة هذه الشعوب للتحرك لتغيير ما بنفسها فإنها تكون في حالة موت تستحقه.