الخليجيون وامريكا والحرب

 

 

 

بقلم : د. محمد صالح المسفر

 

انشغل أهل الخليج العربي باجتماعات مؤتمر القمة الذي انعقد في الدوحة في الأسبوع الثالث من هذا الشهر، وكل انشغل بما كان يتوقع أن ينتج عن ذلك الاجتماع.

لم يعد سرا بأن العلاقات القطرية السعودية ليست في أحسن أحوالها. البعض يوعز ذلك الحال لبرنامج متلفز، وراح البعض يقول بما هو أعمق من ذلك وأجد نفسي أميل إلي الرأي الآخر فلا يعقل أن برنامجا إذاعيا يهز نظاما سياسيا له من التجارب والمحن ما يفوق عدد السكان في ذلك القطر العزيز.

الصحافة الأمريكية وتلفزيوناتها لم تترك شاردة ولا واردة عن المملكة إلا وذكرته وروجت دعايات صهيونية ضد رموز النظام السياسي في كثير من وطننا العربي بما في ذلك المملكة وراح البعض ـ من كتاب الأعمدة الصحافية وبعض أفراد ولاة الأمر جاهدا يبحث عن مبررات بعضهم قال بأن الصحافة الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية ووسائل الإعلام في دولة الاستكبار العالمي لا تمثل الإدارة الأمريكية، وذهب البعض إلي القول وسائل الإعلام في أمريكا قطاع خاص وتتمتع بحرية لأنها في دولة ديمقراطية، وعلي الرغم من الهجوم المستمر ومطاردة المواطنين العرب بما في ذلك السعوديون علي مستوي العالم بموجب أمر أمريكي وحجر أموال مواطنين سعوديين واتهام بعض الأمراء بتمويل الإرهاب إلا أن ذلك لم يمنع التواصل بين ولاة أمرنا في المملكة والحكومة الأمريكية.

أذكر بتجارب المملكة في هذا الشأن، كانت المملكة تتعرض لصيحة إعلامية صادرة من القاهرة في حقبة الستينيات من القرن الماضي وكانت قواتها المسلحة في صراع مسلح مع الجمهورية العربية المتحدة اليمن، ذلك لم يمنع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من الذهاب إلي المملكة السعودية علي ظهر باخرة مصرية، كان من بين مستقبليه في ذلك الزمان الملك فهد حفظه الله ولفيف من إخوانه وفي مقدمتهم الملك فيصل رحمه الله.

كانت الحرب بين الجيشين السعودي والجمهورية العربية المتحدة في عام 1964م علي أشدها أحدهم مناصرا للنظام الملكي المنهار في صنعاء، والآخر موال للنظام الجمهوري الوليد فيها، ودعت القاهرة لمؤتمر قمة عربي يعقد في القاهرة ، وكان أول المستجيبين للدعوة المملكة العربية السعودية فحضرت ممثلة بالملك سعود رحمه الله.

هذه أخلاق المملكة العربية السعودية السياسية الاتصال والتواصل وفي أصعب الظروف فما الجديد في هذه الأخلاق، إني أصب لومي الشديد علي المستشارين من حول ولاة أمرنا في الرياض، الذين جدوا في النصح والمشورة بالتهدئة تجاه الإعلام الأمريكي المعادي للمملكة ولم يجدوا وسيلة لتهدئة الخواطر في الرياض تجاه برنامج أو مقالة صحافية أو رأي باحث لا تعبر عن رأي النظام السياسي في قطر.

في هذه الأجواء غابت المملكة لكن الغريب والأشد غرابة غياب ملك البحرين عن هذه القمة انه غياب لا مبرر له، فكل خلافات البحرين وقطر قد حلت وشكلت لجان عمل مشتركة لتعميق روابط المودة والإخاء تردد في وسائل الإعلام أنه قد مورست ضغوط علي ملك البحرين كي لا يحضر مؤتمر قمة الدوحة، وإذا سلمنا بالرأي القائل بممارسة الضغوط فما هي فائدة الضاغط والمضغوط، الكل خاسر في مثل هذه اللعبة السياسية في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها إقليم الخليج.

أمريكا تحشد الجيوش في منطقة الخليج العربي وفيما حول العراق الشقيق وقادة الرأي وصناع القرار في لندن وفي واشنطن يتسابقون علي وسائل الإعلام بكل أشكالها. يحذرون وينذرون ويتوعدون بلاد الرافدين بالويل والثبور، وجحافل المفتشين الدوليين يجوبون مدارس وجامعات ومكتبات ومصانع العراق الشقيق بحثا عن السلاح ومعادلات تركيبية وصناعته وكذلك البحث عن العقول العراقية العاملة في ميدان البحث العلمي بهدف جرها إلي الخارج وتزوير أقوالهم بما يتناسب وتوجهات السياسة الأمريكية، كل هذا يجري وولاة امرنا في الخليج انشغلوا بإنجازات مجلسهم المتعلقة بالتعرفة الجمركية وغيرها من الأمور الشكلية، وولاة الأمر في مصر ما برحوا يحضون العراق علي تنفيذ قرارات ما يسمي بالشرعية الدولية وحاملات الطائرات الأمريكية تعبر قناة السويس مصحوبة بالبوارج الحربية وكاسحات الألغام والمدمرات.

أهلنا في الأردن بين نارين نار نزوح اللاجئين من العراق ونار طرد الفلسطينيين من أرضهم عبر النهر إلي الضفة الشرقية والنظام السياسي في عمان نوافذه متعددة لكنها ضيقة. انه موعود بانسياب المعونات النقدية والنفطية من أمريكا لكنها وعود كاذبة وغير مجدية. ونريد أن نذكر بأن الذي وقف إلي جوار الأردن في كل أزماته كان العراق فقط ، فهل يقف الأردن إلي جانب العراق في محنته هذه ردا للجميل ودفاعا عن كيانه.

أما أهلنا في سورية الحبيبة فقد زج بهم الصهاينة بمعرفة أمريكية وتوجيه منها إلي ميدان المعركة باتهامها بأنها تخزن أسلحة دمار شامل لصالح العراق، لقد أصبحت سورية الهدف الثاني بعد العراق إن لم تكن موازية له، فهل من خطوة جريئة سورية وعربية للحيلولة دون الحرب.

تصريحات القيادات العربية هذه الأيام متضاربة، معظمهم يقول بأن بلاده لن تشارك في العدوان علي العراق، وبعضهم الآخر يقول لا بد من قرار دولي من مجلس الأمن، وكأن مجلس الأمن جهاز لا نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية عليه، المجلس لم يمنع صدور القرار رقم 1441 الذي يعتبر أسوأ قرار وأشد ظلما صدر حتي الآن منذ عام 1948م.

إذا صدق ولاة أمرنا بأنهم لن يشاركوا في العدوان علي أهلنا في بلاد الرافدين فعليهم واجب أخلاقي وقومي يتمثل ذلك الواجب في عدم السماح للقوة الباغية ـ الأمريكية ـ في استخدام أراضي هذه الدول وأجوائها ومياهها. يضاف إلي ذلك استخدام النفط كسلاح رادع. إذا شنت القوات الأمريكية عدوانها الغاشم فان جميع الدول العربية المنتجة للنفط ستغلق منابع النفط وأنابيبه. ولا نتوقف عند هذا بل ستسمح هذه الأنظمة للشارع العربي في كل عواصمه بتنظيم المسيرات السلمية الاحتجاجية تعبيرا عن مناصرة أهلنا في العراق وكذلك تضامنا مع المسيرات الجماهيرية التي تحدث في عواصم الدول الغربية وأمريكا وكندا وغيرها من دول العالم المطالبة بعدم شن الحرب علي العراق، نريد من ولاة أمرنا وقفة صادقة أمام الله وشعوبهم وشعوب العالم وأمام التاريخ في هذه المصيبة.