هل ستغدر إيران بالعراق والعرب مرّة أخري؟

 

 

 

بقلم: رشاد ابو شاور

 

بعد سلسلة التصريحات المتباينة المثيرة وغير المطمئنة، التي أدلي بها أركان السلطة في إيران، من عسكريين ومدنيين، ومع تصاعد الاستعدادات الأمريكية، البريطانية، (الإسرائيلية) لشنّ حرب طاحنة علي العراق، صمت قادة إيران صمتاً مريباً، يذكّرنا رغماً عنّا بالدور الإيراني التواطؤي في حرب الخليج الثانية، وما فعلوه عندما صارت القوات الأمريكية علي أبواب العراق الجنوبية، حيث زجّوا بالجماعات التابعة لهم ليطعنوا الجيش العراقي في الظهر عندما كان يتهيأ للمعركة البريّة دفاعاً عن أرض وسيادة العراق، وفجّروا مذبحة طائفية غادرة، أعادوا تكرارها في أفغانستان حين دفعوا بقوّات الشمال التي كانت العون الأرضي للعدوان الأمريكي، وهو ما سرّع بنجاح المخطط الأمريكي في ضرب قوّات طالبان، والقاعدة، وأغرق أفغانستان من بعد في حالة من الفوضي والخراب.

ضيق أفق قيادة إيران، وانطلاقها من طائفية مقيتة هو ما أودي بها لخدمة أغراض ومخططات أمريكا، وهو ما كشف أن الشعارات، والمبادئ تتلاشي أمام الأوهام الطائفية، وتفقد مصداقيتها.

ماذا أخذت إيران من مشاركتها في تدمير أفغانستان؟ وهل ردّت لها أمريكا الجميل فمنحتها دوراًُ ولو صغيراً في أفغانستان؟ وهل خفّفت أمريكا حملتها علي إيران؟ وهل يمكن أن تغفل أمريكا وحليفتها (إسرائيل) عن طموحات إيران النووية، والصاروخية، وحلمها بالهيمنة علي منطقة الخليج من خلال اللعب علي وتر الطائفية، والولاء الطائفي؟!

عندما فتح العراق حدوده مع إيران قبل حرب الخليج الثانية، أو ما تسمي بحرب تحرير الكويت، أي الحرب العدوانية المبيّتة علي العراق، للتفرّغ لمواجهة (الشيطان الأكبر) لم يخطر ببال قيادته أن إيران ستتصرف من منطلق الثأر، غير آخذة بعين الاعتبار خطورة العدوان الأمريكي، وأبعاده، ومراميه التي لن توفّر العرب وإيران، وهو ما يتأكد هذه الأيام، وما يدعو إيران لإعلان موقف في وجه العدوان الأمريكي البريطاني (الإسرائيلي).

ألا تري قيادة جمهورية إيران الإسلامية أن الفلسطينيين سيذبحون في هذه الحرب، وان هذا هو أحد أهداف هذه الحرب؟ ألا يرون أن سورية مستهدفة؟ ألم يسمعوا باتهامات شارون لسورية بأنها تخفي أسلحة عراقية كيمياوية وجرثومية؟ أمّا تناهي إلي سمع القيادة الإيرانية أن حزب الله متهم بتسلّم أسلحة عراقية تدميرية؟ هل نسيت قيادة إيران أن قادة (إسرائيل) لن يغفروا للبنان، والمقاومة اللبنانية، وحزب الله ..الهزيمة المرّة التي تجرّعها جيش (الدفاع) وهربه المذّل من جنوب لبنان؟.

لا بدّ أن نسأل هذه الأسئلة وغيرها كثير ونحن نقرأ لمحمد باقر الحكيم الذي يوصف بأنه رئيس المجلس الأعلي للثورة الإسلامية في العراق ـ مع أننا لا نعرف أية ثورة إسلامية هذه التي يترأس مجلسها الأعلي باقر الحكيم ـ إبداء استعداد مجلس ثورته الإسلامية لإعطاء الأمم المتحدة المعلومات التي يملكونها! (القدس العربي، الاثنين 23 كانون الثاني).

يعرف السيّد باقر الحكيم أن الأمم المتحدة مهيمن عليها أمريكياً، وان المفتشين، وهذا ما فضحه المفتش الأمريكي سكوت ريختر، قد تعاونوا مع (إسرائيل)، وأنهم كانوا يقدّمون تقاريرهم للـCIA فإن كان يعرف فهو مستّعد لتقديم ما لديه من معلومات استخبارية لهذه الجهات نكاية بالعراق، وتبريراً للعدوان عليه.

تري، ألم يسمع قادة إيران بتصريحات باقر الحكيم؟ وهل زوّدهم بما لديه من معلومات تجسسية علي العراق؟ وهل لهم مصلحة في أن تصل أية معلومات عن العراق لأمريكا، و(إسرائيل) ..هذا إن وجدت لدي باقر الحكيم معلومات!

من الواضح أن باقر الحكيم يبحث عن دور في العراق في حال نجحت أمريكا في تدميره وإسقاط نظام حكمه .

هنا لا بدّ أن نتوقّف عن ما طرحه السيد باقر الحكيم وحض عليه وهو تحويل العراق إلي نظام حكم فدرالي، تكون فيه للشيعة، والسنّة، والأكراد (فدرالياتهم) الخّاصة ضمن العراق.

لا نريد أن نناقش مفهوم الفيدرالية هذا، لأن هذا الطرح يفضح الخلفية الطائفية لباقر الحكيم، وما يمثّله، وما يرمي إليه.

من جديد نقلت بعض محطات التلفزة، والإذاعات يوم السبت 28 كانون أول (ديسمبر)، علي لسان من يصف نفسه بالقائد العسكري للمجلس الأعلي للثورة الإسلامية استعداده تزويد الدكتور بليكس بمعلومات عن أسلحة تدمير شامل يخفيها العراق عن عيون المفتشين، واستغرب القائد العسكري عدم التعامل مع (المجلس) والإصغاء إليه .!

السيد باقر الحكيم، والقائد العسكري التابع له يقيمون في إيران، وهما لا ينطقان عن الهوي، فقادة إيران يسمعون ويقرؤون هذه التصريحات، ويتابعون تصريحات من يمثلون (المجلس) في لندن، فلماذا يسكتون علي هذه التصريحات إن لم يكونوا موافقين عليها، هذا إن افترضنا حسن النيّة وهي غير مبرّرة بعد ما فعلته إيران في حرب عام 91 الأمريكية العدوانية علي العراق، ناهيك عن الحرب علي أفغانستان؟!

كل شعارات القيادة الإيرانية عن الوقوف مع فلسطين وشعبها المظلوم، وعن محاربتها للشيطان الأكبر، وكل دعمها لحزب الله، ورفضها للعدوان علي سورية، ورغبتها في علاقة حسن جوار مع (دول الخليج) تمتحن في هذه اللحظة التاريخية التي تمنح قيادة إيران فرصة تاريخية لتوحيد الطاقات العربية الإيرانية، لحماية الأمتين، وللمنافحة عن الإسلام المستهدف أمريكياً و(إسرائيلياً).

المؤلم أننا نشك في موقف إيران، والسبب ليس السكوت الإيراني الرسمي، ولكن ما تفضحه تصريحات باقر الحكيم، والقائد العسكري التابع له، وممثله في لندن، وجاهزيتهم للكيد بالعراق، والتواطؤ مع أعداء المسلمين أجمعين، ناهيك عن العرب والإيرانيين، فرساً، وأكراداً، وعرباً، وتركماناً ،شيعة وسنّة، لأن العدو الأمريكي (الصهيوني) لا يفرّق، وهو لن يدع إيران تمضي لصنع القنابل الذريّة، والصواريخ المتطورة، وسيأتي الدور علي إيران، وغير إيران.

لا تريد قيادة إيران فهم أن العراق هو الخندق المتقدّم للدفاع عن إيران نفسها، وعن سورية، ولبنان، والشعب الفلسطيني، والأمة الإسلامية بقضّها وقضيضها، وكل الشعوب المستضعفة في العالم، وهي بهذا تنساق وراء عمائها الطائفي، ولا تري أبعد من تصفية حسابات لا يقرّها الإسلام، ولا تفيد مصالح الأمتين الجارتين : العربية، والفارسية، واللتين يجمعهما الإسلام، والجغرافيا والثقافة المتقاربة، المتواشجة، والمصالح الراهنة والمستقبلية...

يؤسفني القول بأن تصريحات باقر الحكيم والتابعين لمجلسه تشي بالدور الغادر المتجدّد لإيران، ولطائفيين ضيقي الأفق همّهم إثارة النعرات، ونكء الجراح، وتبديــــد الصفوف، وبث الفرقة، وتسهيل انتصار أعداء العرب والفرس والإسلام.