من يسهم بتقسيم العراق وضياعه سياسياً؟

مناقشة المراكز الأساسية للمعارضة خارج إطار القوى الكردية

 

 

 

 

بقلم : طارق الدليمي 

 

 

إذا كانت العلوم التطبيقية تخضع دائما لقانون أساسي، يوجه مسيرتها في البحث والتنقيب، وهي ان البداية هي الحاسمة، وأن المقاربة السليمة هي التي تؤدي مع الجهد الانساني المبدع الى ان تكون لها القوة الفاعلة في الوصول الى النتائج المحددة. لكن العلوم الاجتماعية وفي قمتها السياسة تخضع عمليا بصورة معاكسة، لقانون آخر. انه قانون النتائج الواضحة والفاصلة. هكذا نرى حالة (المعارضة) الآن. إن كل مواصفاتها وتقاليدها وخبراتها الآنية، هي النتيجة الطبيعية لمجمل تسلكاتها في الحقب المنصرمة. ولكي نزداد وضوحا في تظهير الصورة، نقترب من القوى الأساسية بعد ان أشرنا بدقة الى كونها تاريخيا <<ابنة النظام السياسي>> القائم. بمعنى آخر، إنها تتمة تاريخية للنظام الاجتماعي الدولة، والذي صيغ بصورة <<خارجية>> كاملة في بداية القرن السابق، لتعاد الآن صياغته من جديد، ولكن بشروط جديدة تعكس تطورات الاوضاع بكل محاورها، العالمية والاقليمية والمحلية. ومن اللافت، أن القوى الأساسية التي أدت دورها سابقا (بريطانيا العظمى وظهيرتها الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين)، هي تقريبا نفسها مع تغير <<طفيف>> في الاصطفاف التاريخي!! (الولايات المتحدة وعميلتها بريطانيا الهابطة الى الحضيض).

لقد وصل الجميع الآن الى الطريق المسدود. (كول دي ساك). فالامبراطورية الاميركية لم تعد قادرة على إخفاء حقيقة وجوهر (معركتها) القادمة مع العراق. وكل الأحاديث اليومية عن (اسلحة الدمار الشامل) باتت جزءا من مسرحية مضحكة لا تنتزع الابتسامة من رواد المسرح الاميركي في الولايات المتحدة نفسها، فكيف في أوروبا، والعالم. إن المعركة الاستراتيجية التي تخوضها (الادارة الحالية) ولأسبابها الخاصة قد تكون كالحة، وغير ناجحة في الاخراج، ولا تعكس بدقة ونباهة الخطة الاستراتيجية العامة الموضوعة منذ أكثر من (ربع قرن على أقل تقدير وحين كان نيكسون هو منظرها ونبيها المطلق)، لكن الأداء العملي، سيكون وبمقاييس الذرائعية الاميركية المعروفة، هو الحاسم على كل المستويات الاعلامية، الدبلوماسية، الاقتصادية، والعسكرية أخيرا. هنا سيكون الدرس <<العراقي>> مختلفا في الجوهر عن الدرس <<الأفغاني>>، لكنه يشكل بالنسبة اليه <<طفرة خاصة>> في سلّم التطور الامبريالي المعاصر، بعد الولوج في مرحلة العولمة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار، بأن أفغانستان، والعراق، ينتميان الى نفس (الخانة) التاريخية، وهي <<منطقة البؤر الاستراتيجية الخالصة>>، فلا بد من التأكيد على ان العلاقة بين العراق وأفغانستان معروفة (جيو تاريخيا) منذ القديم، من بداية التوسع العربي الاسلامي الى الشرق من العراق، أي بلاد فارس خراسان (وهي أفغانستان تاريخيا)، والى القرن الثامن عشر، حيث حاولت الامبراطورية البريطانية احتلال أفغانستان وحتى نهاية القرن التاسع عشر. وإذا كانت الصدف فلسفيا تختفي وراءها الضرورة، فالتاريخ بصورة <<لولبية>> يستقر الآن على قواعده الصلبة من جديد، وضمن نفس الخط السياسي للمصالح العالمية ذات الطابع الاستعماري الكولونيالي السابق (في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، والطابع الامبريالي الحديث في المرحلة التكنوكولونيالية في (نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين). وفي السياقين، بدأ احتلال أفغانستان وبعدها تم احتلال العراق!.

لكن هذه <<المواصفات>> تجد لها صدى واضحا في <<المعارضة>> القائمة. النتاج الهزيل للعناء التاريخي التراجيدي المثقل بالدماء والعرق والدموع. حيث كان لها زخمها الاجتماعي الخاص ووظيفتها السياسية المحددة. وسأناقش مراكزها الأساسية خارج اطار القوى الكردية، لأنني لن ألتفت اليها حاليا معتبرا إياها تجريديا خارج <<المعادلة العراقية>> الحقيقية في الصراع. فإذا كانت القيادات الكردية تنتمي الى نفس <<البيئة الشرقية>> في الصراع والمصالح، لكنها تختلف جوهريا عن بقية <<المعارضة>> وبيئتها العربية رغبت ذلك هي أو رفضت. بل ان هذا <<القبول والرفض>> هما اللذان سيكون لهما الحظ الوافر في تحديد نتيجة التحليل والحث على مسيرته المنطقية.

المرجعية الشيعية: في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، كانت هي القوة الأساسية المحركة للمجتمع العراقي. (والمجتمع الشيعي) الذي مثلته هذه المرجعية هو القادر وحده (بحكم الاغلبية الديموغرافية والمخزون التاريخي العميق لأرض السواد الثائرة، ولكون <<الإمامية>> هي المختزل التاريخي، والناتج الثيولوجي لمئات من المدارس والحركات الدينية السلمية والمسلحة، والتي مر فيها تاريخ العراق خلال مئات السنين)، وعلى الأقل منذ بناء بغداد وسقوطها لاحقا. عبر قرن واحد، تحولت <<المرجعية عامة>> الى قوة سكونية مشلولة، لا تتمكن بأن تقوم بمهمتها التاريخية، وتميل بأفضل الاحوال، الى إعلان <<الفتوى>>، ذلك الاعلان، الذي يتم (استنكاره) من قبل الأغلبية الساحقة للطائفة، وقياداتها السياسية (فعلا المجلس الأعلى للثورة الاسلامية)، أما قيادات حزب الدعوة والآخرون فقد ذهبوا الى القاع، مذلين، مهانين، مستبعدين لا مبتعدين. وتكفي قراءة كل بيانات وتصريحات هذه القيادات، التي تخزن (الرز) من أجل نثره على القوات الأميركية القادمة والتي ستدخل بغداد محررة وليست فاتحة. لكن هذه القوى لا تذكر من هو الجنرال الاميركي (الصنو التاريخي) للجنرال <<مود>> البريطاني، والذي سيقوم بالواجب المقدس؟

لا يمكن البتة الغفران لهذه القيادات، حتى لو <<تعايشت>> روحيا مع خط آخر مناقض لها في كل شيء، ومن نمط الخط السياسي <<لحزب الله>> المقاتل، والخط الفقهي، لمرجعية <<فضل الله>> المقارعة. وإذا كانت المسيرة التاريخية <<للطائفة>> في خلال قرن، قد وصلت الى <<الفشل الذريع>> في قدرتها على <<إعادة حيازة المجتمع>> بكونها الاغلبية جغرافيا وتاريخيا، فإن العامل الخارجي (سابقا البريطاني، وحاليا الاميركي وقيادة التحالف الإنغلو ساكسوني) هو الذي (يتبرع) بالصياغة الملائمة. في الاول لقنها درسا بكونها شقت عصا الطاعة وقاتلت منذ البداية، لكنها أخفقت في النتائج المطلوبة والمرتقبة. وبذلك <<سهلت عليه>> تنفيذ برنامجه الاستعماري المرصوف على القاعدة الذهبية <<فرق تسد>>. ومكنت بذلك (الضباط الشريفيين ? الدواونية العثمانية) من حكم العراق لقرن كامل. الآن، وبعد خبرة طويلة، وجهد مرير (ليس في العراق فقط)، توصلت الادارة الاميركية (عبر البنتاغون) الى خارطة جديدة وبمعونة بريطانية ايضا. لا بد من تكسير جناحين أساسيين <<للطائفة الذهبية>>. الجناح العربي، وهو الذي يضمها تاريخيا (بكونها جؤجؤ العرب) الى الوطن العربي الشاسع، والجناح الايراني الذي يربطها مع العمق الاسلامي الاستراتيجي وتخومه الآسيوية العالمية. إن عبقرية (راند)!! قد وجدت ضالتها في (التشيع العراقوي) وهو مجمع قيادات نخبة مثقفة تكنوقراطية، تجد حمايتها في <<الثكنة الجديدة>> التي تحكم فعليا وبالإسناد الاميركي، ولها غطاؤها الفقهي في <<المرجعية المتحولة>>، التي سوغت التعاون مع واشنطن وبررت تسليم وزير دفاعها وثيقة <<اسلحة الدمار الشامل للجيش العراقي>>.

<<هنا لا بد ان نسلط الضوء على اللجنة التي شكلت من قبل الادارة الاميركية تحت تسمية <<لجنة مشروع مستقبل العراق>> وهي مكونة من مندوبين من وزارة الخارجية والبنتاغون ووزارة العدل والبيت الابيض، ويشرف على اللجنة <<المقاول>> ديفيد ماك رئيس معهد دراسات الشرق الاوسط والدبلوماسي السابق وعضو الارتباط الاساسي مع أقطاب المعارضة <<الجلبية>>. وهذه اللجنة تتشكل من ست فرق عمل تحتوي على المئات من العراقيين المرتبطين مع الأجهزة الاميركية المختلفة. واللافت للنظر ان معظم هذه العناصر من الوسط الشيعي ومن عوائل عريقة كما أكدت على أهمية ذلك <<جوديث يافي>> المحللة السياسية في وكالة المخابرات المركزية الاميركية. ويعتقد جازما الخبير الافغاني <<زلماي خليل زادة>> بأن العمل من أجل حكومة ديموقراطية هو شيء ضمن خطة بعيدة المدى، وقد تستغرق مراحل عديدة. وتتضمن الخطة في بعض بنودها: تفكيك الجيش العراقي وإعادة بنائه، الاعمار الاقتصادي للبلد، الاصلاح القضائي والعفو عن المئات من أعضاء حكومة صدام حسين. وقد تم رصد مبلغ خمسة ملايين دولار لهذه اللجنة. أما أهم الاعضاء الشيعة وعلاقتهم جيدة مع المجلس الاعلى، فهم: التاجر المعروف والصيرفي احمد الجلبي، كنعان مكية عضو مركز دراسات الشرق الاوسط في جامعة هارفارد وهو ايضا عضو استشاري <<للمؤسسة الوقفية العراقية>> ذات الصلات العريضة مع الوسط الشيعي في المهجر، فيصل الاسترابادي المحامي وسليل عائلة ايرانية الاصول وسكنت في الكاظمية وكانت من أعمدة الحكم السعيدي، وقد قتلت ربة العائلة مع نوري السعيد بعد أيام قليلة من ثورة تموز 1958. ويتعاون معهم كذلك المهندس الشيعي عزام علوش وهو مهندس تربة وزوجته <<سوزي>> الاميركية والمتخصصة في شؤون البيئة.

ولكي تكتمل اللوحة، لا بد من التنويه، الى ان اغتيال المرجع (محمد صادق الصدر) في عام 1999، كان له التأثير الحاسم في بعض تفاصيل المسيرة. ومهما كانت صحة التحليلات بخصوص من له المصلحة الاساسية في الاغتيال، فالنتائج هي الحاسمة، حيث تشير الامور سابقا الى ان (أقطاب المجلس الأعلى) كانوا هم الاعداء الاساسيين لذلك المرجع الباسل، وبأنهم حاليا، هم الذين (يلهثون) بالاستنكار والرفض الحاد، لكل (فتوى) صادرة ضد التعاون مع الاجنبي، وبغض النظر، عن مصدر هذه الفتوى.

ثانيا: المرجعية العروبية: حين استقرت <<الصيغة البريطانية>> لحكم العراق في نهاية العشرينيات في القرن السابق، لم تستطع هذه الصيغة من ابتلاع الطموح الحاد لدى الطبقات الاجتماعية المعادية للانكليز ومصالحهم. وبما ان (المرجعية الشيعية) انكفأت عمليا، وكذلك استهلك الدور الكبير للعشائر المسلحة والتي كانت في يوم ما، الظهير الأساسي لهذه المرجعية، فكان لا بد للتيار (العروبي) المولود من بطن الشرائح السنية المستنيرة (وبالتعاون المخلص مع مثقفي الشيعة الذين نفضوا أيديهم من المرجعية والقبائل)، ان يأخذ الصدارة في المجرى القادم للجهاد. وحين أخفق هذا التيار في بلورة مصالحه وسياساته في حزب متقدم (لأسباب عديدة نغض النظر حاليا عن قولها)، لم يجد ضالته في النشاط والتنفيذ سوى في الجيش. والحقيقة ان هذه (المؤسسة)، اصبحت النقطة الاساسية التي تقاطعت وتصالبت حولها العديد من القوى الاجتماعية المنخرطة في الصراع. وهي كانت تتويجا للإخفاق التاريخي للمجتمع الأهلي في كل تنويعاته الفكرية والسياسية. وقد عبرت عن ذلك الصرخة المدوية وذات النبوءة التاريخية للسياسي المخضرم (حكمت سليمان) في عام 1936 وعشية انقلاب بكر صدقي الشهير! <<لم يبق إلا الجيش>>!!. ومنذ ذلك الوقت والجيش يحكم، أحيانا باسم البلاط أو ضده، باسم الحزب أو ضده، باسم القبيلة أو ضدها. من هذه الزاوية، لم يستطع اي حزب قومي عروبي (إذ لم تتشكل حركة قومية عروبية أبدا لا في العراق ولا في الوطن العربي) ان يستقيم بدعواته السياسية وأن ينهج باستقلالية شاملة عن المجرى العام للصراع. وحين تمت الهيمنة العامة في الربع الأخير من القرن السابق، كان <<النظام>> هو العروبي، في السلم وفي الحرب. وتراجعت كل التيارات الاخرى، و<<ضمرت>> الى حد مخيف ومضحك، ولم يبق من (حيتان العروبة) السابقة في العراق، سوى (أسماك صغيرة ملونة) تسبح في قناني الفضائيات العربية المرتبة سلفا. و<<العروبة>> في العراق وعلى يد ممثليها الحقيقيين (في السلطة والمعارضة) تحولت ايضا الى (عراقوية) خاصة ومبتذلة. وهذا ما يفسر لنا، بوضوح وبدون أي رادع اخلاقي او شخصي (مع الاستثناءات النادرة!!) كيف ان العديد من قيادات (العروبة) الآن، يتطوع علنا وسرا في <<جيش الانقاذ الاميركي>> الوافد، وهم جميعا (وبدون تدخل في التحليل والمعلومات!!) في خط واحد، وتحت يافطة واحدة، يتحدثون بأنه لا يمكن ان يتحمل العراق وحده!! تكاليف العروبة المرهقة. وحين يتعثر هؤلاء، في الكلام من بداية الديباجة، الى نهاية القصة، يكون <<النظام>> هو المبرر الوحيد للانحدار المشين لهذه العروبة <<العراقوية>>.

ثالثا: المرجعية الشيوعية: كان التحليل <<الماركسي التقليدي>> مهووسا بالمقارنات التاريخية ذات الطابع المتناقض في حقل الدراسات الاجتماعية السياسية العراقية. وتشير هذه التحليلات الى ان الحزب الشيوعي في العراق، كان يملك كل شيء في المجتمع إلا السلطة السياسية. وأكاد أنتمي الى كلام ذي جرس سياسي متميز، حين يعقد المقارنة بين (الملك فيصل الاول) مؤسس العراق، و(فهد يوسف سلمان) مؤسس الحزب الشيوعي. الاول لديه <<جانب بلشفي>> غير مرئي، عبر عنه دائما، بالفشل والمجابهة المستمرة مع الادارة البريطانية في صولاته وجولاته المتعددة والمتغيرة. والثاني يمتلك الجوانب <<الملكية>> المغناطيسية في التعامل مع الواقع العراقي المتعدد الطبقات والشرائح والبواطن. وحين أخفق الاثنان في الوصول الى حل ما، تركا ميراثا مكتظا وملتهبا من الافكار والطموحات الجيدة والسيئة، النبيلة والسافلة. وخلفا ايضا <<صفوة>> تعشعش في أدمغتها كل انواع الافكار الميتة.

وكما قلت في البداية، فإن السياسة في النتائج. فأصبحت ثورة (14 تموز 1958) بحق، هي النهاية الحاسمة (للملكية) بصورتها التاريخية عند (فيصل). وهي النهاية الحاسمة كذلك للشيوعية العراقية بمحتواها الاجتماعي عند (فهد). ولكي تؤطر الصورة بتفصيلاتها المدهشة، وخطوطها المتباينة، <<شاءت>> الصدف ايضا ان يكون قائد ثورة تموز مزيجا معقدا، متخلفا في ثقافته، طفوليا في براءته، عميقا بإحساسه الحاد بالطين التاريخي <<تموز>> للعراق. كان (قاسم) مسرحا يعج بالضوضاء، والآهات واللعنات لمؤسسي العراق الحديث، فيصل، فهد. (قاسم فيصل) هو الذي هادن <<الاعداء>> في كل الميادين (الخارج والداخل) تحت شعار (فوق الميول والاتجاهات) وروحية (عفا الله عما سلف). هذا هو نمطه في الصراع الاجتماعي. لكن (قاسم فهد)، هو الذي أرسى قانون رقم 80 الذي يسترجع بشرف حقوق الوطن النفطية المغدورة، وقانون الاحوال الاجتماعية، منتصرا للمرأة بصورة نموذجية لم تتحقق في كل العالم الثالث. (قاسم فيصل) هو الذي تحرك (سياسيا) باتجاه الكويت لاسترجاعها. (قاسم فهد)، هو الذي اعدم في 8 شباط في غرفة الآلات الموسيقية، بعد ان استرجعها خصومه ماليا. ولن يكتب التاريخ بعدها مراثي جديدة بعد <<التحسينات>> المعروفة التي اجريت على <<المقتل الحسيني>> منذ معركة الطف الشهيرة. فالقيادة <<الشرعية والوحيدة>> للطبقة العامة العراقية، لم تبتعد مسافة قصيرة عن حمامات الدم التي سفحت في ربوع الوطن، لتقترح على الوضع الجديد <<تسوية تاريخية>> عقلانية فريدة تشكل ركيزة اساسية في مسيرة الاحزاب الشيوعية العربية. (فالقيادة التي) رفضت الوحدة الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة، ودافعت عن (برجوازية قاسم ذات الشحنات الوطنية) امام (بوجوازية ناصر التي تريد بلع النفط في جيب، والبلح في جيب آخر)، سرعان ما نسيت وتناست حالتها الجماهيرية المتوثبة، وطرحت مقياسا جديدا للصراع الطبقي في العراق. حل الحزب والدخول في الاتحاد الاشتراكي والعمل سوية من اجل بناء الاشتراكية في العراق ورائدها في ذات الوقت (الاشتراكية الرشيدة، للاقتصادي القدير خير الدين حسيب). ولم تنطل اللعبة على طرفي الصراع. النظام من جهة، وقد سخر بها وسخرها خدمة لبرنامجه الشمولي الخاص. والجماهير التي رفضتها بقوة، مما أدى الى سلسلة من الانشقاقات في صفوف الحزب. ولم يحافظ الحزب على (وحدته المتماسكة) إلا بفضل (النظام) من جديد، ولكن بصورة تختلف جذريا عن السابق. هكذا، أسست علاقة مع النظام تختلف عن كل مجريات التاريخ الماضي. وحين فقد (النظام) قدراته الخاصة بصيانة مثل هذه الانجازات (ومنها التحالف مع الحزب)، كانت هذه القيادة قد انتقلت بصورة مفاجئة ونوعية نحو <<الخارج>>، فكريا وسياسيا وتنظيميا. واصبحت منذ ربع قرن، (مكسر عصا) لكل القوى السياسية (الفاعلة) في الميدان. اما الوضع الحاسم في حياتها السياسية، فقد حصل بعد حدثين (متلازمين) في التاريخ الراهن. (غزو الكويت ? سقوط الاتحاد السوفياتي). كانت هذه الصياغة الجديدة في السلوك السياسي، والعمل التنظيمي، لا صدى حقيقيا ومباشرا في كل الحوارات والسجالات والاطروحات التي التصقت مع برنامج الحزب وفعالياته. ففي (البيئة العالمية) كان المبادر والشجاع في (مغادرة الاتحاد السوفياتي والذهاب الى الولايات المتحدة، وبدون ان يمر بالوطن)!!! وفي <<البيئة العربية>> كان المتصدر، للانكفاء عن <<الحلقة المركزية>> للنضال العربي (القضية الفلسطينية)، ووصل تخليه عن ذلك، الى درجة التنسيق العملي مع ممثلي الادارة الاميركية، في المنطقة (مقابلة المستشار في دمشق). اما في <<البيئة العراقية>>، فقد توجت قيادة الحزب مواقفها، حين أعلنت بخنوع عن موافقتها على (قرار القيادات الكردية من جانب واحد، لا يمت بصلة لا الى جغرافية العراق ولا الى تاريخه السابق والحاضر والقادم) الفيدرالية <<الاستعمارية المسمومة>>، وكللت ذلك بخيانة <<طبقية وسياسية>> نادرة، حين أعلنت امتداد هذه <<الفيدرالية>> الى الحزب نفسه. وبذلك تحققت بصورة جلية نبوءة (فيصل فهد)، تفتت وابتعاد المنطقة الكردية يؤديان الى انهيار العراق السياسي اولا، وهيمنة القيادات الكردية، والعناصر الماركسية الانتهازية ينجم عنه تقسيم العراق وضياعه السياسي ثانيا.

هامش تاريخي: بعد احتلال العراق الثاني 1941.

<<لم يك بالامكان تجنب احتلال العراق، كان علينا ان نؤسس قاعدة عظيمة في البصرة، وان نراقب هذا الميناء بغية المحافظة على تدفق النفط من العراق وايران بعناية وعند اللزوم>> مذكرات <<تشرشل>> 1941، وهو يرد على <<ادمونس>> مستشار وزارة الداخلية الذي رفع تقريرا الى السفارة في بغداد في العاشر من تشرين الاول 1941 قال فيه بصريح العبارة: <<تقضي الحكمة ان لا نخدع انفسنا. ان جميع العرب مندفعون بالشعور القومي بالوحدة العربية، وان كانوا يختلفون في درجة التزامهم او تمسكهم بها. الامر الذي يجعل الجمع بين إرضاء العرب من جهة والاصرار على السياسة البريطانية إزاء قضية فلسطين أمرا غير ممكن. وبما ان الحكومة البريطانية قررت في اجتهادها ان لا تتقدم بأية خطوة ايجابية لاسترضاء العرب في القضية الفلسطينية، فإننا لا بد ان نحصد في العراق نتائج هذه السياسة، ولذلك لا يمكننا ان نتوقع من اية وزارة عراقية إلا تنفيذا فاترا للتحالف البريطاني العراقي>>!!.