الحاجة الى نصر سريع ومضمون!
بقلم : حلمي الاسمر
مر عامان تقريبا على الدراسة التي أشرفت
عليها وكالة المخابرات المركزية، وتستشرف آفاق مستقبل النظام العالمي الجديد ودور
الولايات المتحدة حتى عام 2015، وكي يتم اختبار مدى "صدقية" هذه الدراسة
الاستشرافية، سأتوقف عند الفصل الأخير في الدراسة، الذي يضع أربعة سيناريوهات
مفترضة للحال الذي سيكون عليه العالم بحلول عام 2015:
-السيناريو الأول يفترض عولمة شاملة حيث تتحد
العوامل المتعلقة بالنمو الاقتصادي والسكان والادارة الفعالة مجتمعة لتمكين غالبية
سكان العالم من الاستفادة من العولمة، ويبدو وفق الحصيلة الأولية للعامين الماضيين
أن هذا مستبعد تماما مما يدل على أن التقرير بدأ بالاحتمال الأبعد!
- الثاني ويتمثل في عولمة مؤلمة، حيث تستفيد
النخبة من ظاهرة العولمة في الوقت الذي تستمر فيه معاناة أغلبية سكان العالم. وهنا
سيكون للنمو السكاني ولشحة الموارد دور كبير في تثبيط همم العديد من الدول
النامية، كما ستصبح ظاهرة الهجرة مصدرا للتوتر بين الدول. ولن تتمكن التكنولوجيا
من حل مشاكل الدول النامية كما انها ستتعرض لسوء استخدام من قبل شبكات لا تريد
الاستفادة منها لمصلحة أغلبية السكان. وهنا سينقسم الاقتصاد العالمي الى ثلاثة
أجزاء، حيث سيتواصل النمو في الدول المتقدمة فقط، كما ستتواصل معاناة العديد من
الدول النامية، الأمر الذي سيؤدي الى اتساع الفجوة بينها وبين العالم المتقدم،
وهذا السيناريو يبدو أنه مؤكد لاستحالة وقوع السيناريو الأول وشارحا له على نحو
ما!
-السيناريو الثالث، ويتمثل في ازدهار التنافس
الاقليمي، حيث ستبرز الهويات الاقليمية في أوروبا وآسيا والأميركيتين، نظرا لتزايد
المقاومة السياسية في أوروبا وشرق آسيا لنفوذ الولايات المتحدة وللعولمة التي
تقودها، وهذا أيضا لا يتناقض مع الثاني، بل يبدو أنه مكمل له!
-أما الرابع الذي يبدو أنه سيأتي نتيجة
لتفاعل السيناريوهين الثاني والثالث، فيتمثل في عالم ما بعد هيمنة القطب الواحد،
حيث تتصاعد حدة التوتر السياسي والاقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا، وينهار
تحالفهما، وتسحب أميركا قواتها من أوروبا، كما تتجه الأخيرة بعيدا عن الولايات
المتحدة وتؤسس هيئاتها الاقليمية الخاصة بها. وفي الوقت نفسه قد تبرز أزمات حكومية
في أميركا اللاتينية وخاصة في كولومبيا وكوبا والمكسيك وبنما، بحيث تضطر الولايات
المتحدة للتركيز على اقليمها فقط!
لو تحدث أحد غير "السي آي ايه" عن
احتمال زوال الولايات المتحدة كقوة عظمى لاتهم بالجنون، ولكن حين يأتي هذا الكلام
في خلاصة تقرير مستند على وقائع الحاضر واحتمالات تفاعلها، فلا بد أن نقرأه
باهتمام، ولعل شبه القناعة أو التخوف الواقعي من "الأفول" المحتمل هو
الذي يدفع بالادارة الأمريكية الى انتهاج سياسة تتسم بالتخبط وغياب التوازن،
مستغلة حكاية "الحرب على الارهاب" ستارا لتحرك عدواني بنـَفَس
امبراطوري، فيه من عناصر الجنون أكثر مما فيه من عناصر الرزانة والاتزان، ولربما
يفسر لنا هذا الأمر، الاصرار على خوض حرب "سهلة" على أمة ممزقة، ربما
لتسجيل انتصار تحتاجه الولايات المتحدة لاشهاره في وجه أعدائها الحقيقيين، في
محاولة لتأخير أفول نجمها كقوة عظمى!
بقي أن نشير الى توقع التقرير لوصول
الاسلاميين الى السلطة في دول كانت قد بدأت رحلتها نحو التعددية السياسية وفقدت
فيها النخبة العلمانية جاذبيتها" (يعني تركيا!) . اضافة الى توقعه أن يصبح
الاسلام السياسي، على اختلاف أشكاله، بديلا يشد انتباه ملايين المسلمين في المنطقة
، وأن تواصل الجماعات التي يسميها »اصولية« تحريك القوى السياسية والاجتماعية!
أليست مفارقة تلفت النظر المقارنة بين
توقعين: الأفول والشروق؟!