خفايا ودلالات مؤتمر لندن

أكبر الخاسرين شعب العراق

 

 

 

بقلم :علاء اللامي 

 

لا يُعرَف على وجه الدقة من اطلق شائعة العشرة آلاف دولار التي وُعِد بها كل مدعو يحضر فعلا اشغال مؤتمر المعارضة العراقية في لندن ويتصرف ويتكلم <<بعقلانية>>! وربما تكون قد أُطلقت كحافز اضافي ومحرض على الحضور والتزام <<العقلانية!>> التي سيكون لها مذاقا أو معنى مختلفا عما يفهم منها في المعتاد.

غير ان الأكيد ان لهذه الشائعة دلالات سياسية أكيدة منها على سبيل المثال لا الحصر، شعور أو مخاوف المنظّمين من انفراط عقد المؤتمر أو انهياره حتى قبل ان يبدأ من دون استعمال هذا النوع من <<الحوافز>> المالية. الدلالة الثانية تنطوي على إدراك قوي لخطورة المضامين الطائفية المخالفة لتاريخ العراق وطبيعته المجتمعية التي حاول المنظمون، بتخطيط أميركي مباشر وعلني، تسويقها لتكون كعجينة الديناميت التي دسها أهل المؤتمر بين تشققات البناء المجتمعي العراقي والتي ستأتي الضربة العسكرية الأميركية المقبلة لتفجرها شظايا وتفجر معها الوجود الكياني العراقي برمته ولن ينفع اهل مؤتمر لندن حينها ذرف دموع الندم أو الاعتراف بالخطأ!

الدلالة الثالثة التي تؤشر عليها تلك الشائعة هي ان أساليب التضليل والافساد بالمال والنشاطات الجاسوسية وغيرها ستكون من اسلحة الاميركيين الأشدّ مضاء في تدمير ليس حاضر العراق السياسي، فهو مدمّر أصلا بسبب قمع النظام الشمولي والحصار الغربي، بل تدمير مستقبله السياسي تحديدا من خلال افساد المعارضة العراقية بوصفها البديل الممكن والمنطقي للدكتاتورية وتحويل تلك المعارضة الى مجرد دمية أو خرقة.

كعادته تصرف الرئيس <<المزمن>> لحزب المجلس الأعلى للثورة الاسلامية خلال فترة التحضير للمؤتمر، بدهاء تكتيكي. فاجتمع بأحمد الجلبي الذي زاره في طهران مقر اقامته الدائم، ولكنه رفض الظهور معه علنا لمعرفته بأن هذا الشخص منبوذ عراقياً وعربياً لأسباب عدة منها ما يتعلق بعلاقته مع اللوبي الصهيوني <<إيباك>>. لكن الشيخ الحكيم استقبل بحفاوة بالغة مسعود البرزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني وهو يستحق ذلك فعلا، وظهر معه علنا امام الصحافيين وأجابا معا على اسئلتهم.

لكنه لم يغامر كعادته بقيادة وفد حزبه الى المؤتمر كما فعل جميع زعماء الاحزاب المشاركة، بل كلّف شقيقه وممثل الحزب في واشنطن عبد العزيز الحكيم. ويبدو ان الأخير لم يذهب مخوّلا بأية صلاحيات وكما يروي أحد الذين حضروا تلك الجلسة، فإن موفد الادارة الاميركية زلماي خليل زاده زجر عبد العزيز الحكيم بحدة وقرّعه حين راح هذا الأخير يشيّع بأن الولايات المتحدة قد حسمت أمرها وقررت منح القيادة السياسية في مرحلة <<ما بعد صدام>> الى المجلس الأعلى فتدخل زلماي مقرّعاً وطالبه بالكفّ عن إطلاق تلك الشائعات وأكد امام الحضور أنه ينفيها رسميا وينكر أن تكون لها اية صدقية إذ ان الولايات المتحدة كما قال زلماي لن تؤيد إطلاقا قيام حكم ديني في العراق.

معروف الآن، ومن خلال وثائق المؤتمر، ومن خلال ما تسرّب من اخبار جلساته، ان وفد المجلس حضر، وكان هدفه الاول هو الاستحواذ على التمثيل الشيعي كطائفة وليس كحزب سياسي اسلامي شيعي. وللأسف فقد نجح حزب السيد الحكيم في تحقيق ذلك الهدف نجاحاً كبيراً تاركا جرحا لن يندمل بسهولة في الخريطة السياسية والمجتمعية العراقية وفي سمعة الأغلبية الشيعية العربية التي شيّدت بكفاحها العراق الحديث.

وللإنصاف وكشهادة ضميرية، يسجل كاتب السطور، وهو من المتابعين لأدبيات الحزب الاسلامي العراقي <<الفرع العراقي لحركة الاخوان المسلمين>>، عدم وجود نزعة طائفية سنية أو عداء للأغلبية المجتمعية الشيعية في العراق بل انه يطرح نفسه كحزب سياسي ذي توجهات اسلامية عامة وذات اعتدال ملحوظ. ولكن لا يمكن في الوقت نفسه نفي وجود نزوع طائفي سني لدى بعض الافراد المشاركين شعروا بأن امتيازاتهم وهيمنتهم الاسمية او باسم السنة على هرم الدولة أصبح عرضة للتهديد بالزوال.

أما السادة القادمون من باحة الشوفينية الحاكمة الأشد تطرفا فهم حين يراهنون اليوم على الحصان الطائفي المريض، وسواء كانوا من أسر شيعية أو سنية، ويتنازلون طوعاً حتى عن مهمة الدفاع عن هوية العراق العربية الاسلامية التي سحقت سحقاً وعلى حد تعبير رئيس تحرير جريدة حزب الجلبي والقيادي البعثي المنشق لقناة شبكة الاخبار العربية فإنهم يتنازلون عن ثوابت الوطنية العراقية.

كان الحصاد الكردي في هذا المؤتمر ومن النظرة الأولى وفيرا، فقد تقاسم الحزبان الكبيران الاتحاد الوطني والديموقراطي الكرستاني وبطريقة المناصفة 12 مقعدا من مجموع خمسة وستين وتلك نسبة تفوق العشرين في المائة مع ان النسبة السكانية للكرد العراقيين بحسب احصاء 1951 هي 7،12 بالمئة. وقد تبرع عدد من الساسة المؤتمرين من أصل عربي فصدّقوا على أن نسبة الكرد في المجتمع العراقي بلغت الربع تماما! هكذا ولمجرد التخمين.. في حين تقول إحصائية 1951 ان نسبة الكرد المجتمعية هي 7،12 بالمئة.

وبالعودة الى انجازات الاحزاب الكردية في مؤتمر لندن، نرى ان الذي تحقق هو تأكيد موافقة المشاركين على (الحل الفيدرالي لجميع انحاء العراق) وهي صيغة ضبابية وملتبسة، فيما قيل ان النسخة الانكليزية من الوثائق التي أخذها موفد بوش معه الى اميركا تتحدث عن <<فيدرالية ادارية>> فهل المقصود ان الفيدرالية القائمة على الاساس السياسي والجغرافي قد تمّ طمسها، واستبدالها بنوع من اللامركزية <<العرقية الطائفية>> وهذه الصيغة <<الادارية>> أقل وزنا حتى من صيغة الحكم الذاتي الحكومي وبيان الحادي عشر من آذار القديمين. على اية حال، فالمؤتمر من ألفه الى يائه لا يمثل الا المشاركين فيه، ولا يتمتع بأية شرعية سياسية او اجتماعية او قانونية وهو مجرد محاولة لنسج غطاء محلي للغزو الاميركي البريطاني للعراق.

كما حضرت المنظمات السياسية التركمانية والآشورية الحليفة للمعارضة العراقية مؤتمر المتروبول في لندن، وكانت التركمانية منها مدعومة من حلفائها في المعارضة الحاضرة وبالدعم غير الخفي من الحكومة التركية، ولكن حضور تلك المنظمات لم يلغ الصوت القوي للتيار الوطني بين الجماهير التركمانية والمعبر عنه في عدد من التنظيمات التركمانية الوطنية داخل العراق. ومع ذلك، وبسببه ايضا، فقد حاز ممثلو الفرع التركماني في المعارضة على نسبة 6 بالمئة من التمثيل العام وهو ما يعادل ثلاثة اضعاف الوزن السكاني المعترف به للتركمان العراقيين والبالغ 4،3 بالمئة بموجب احصائية 1951 المعترف بها من قبل جميع الاطراف ومع ذلك فقد رفض حزب تركماني آخر هذه النسبة وطالب بنسبة اخرى هي 13 بالمئة. حري بنا القول ان داء تصعيد النسب القومية والطائفية ليس حكرا على بعض المنظمات التركمانية، بل هو داء شاع وعمَّ الساحة السياسية كلها فبعض الطائفيين الشيعة يصلون بنسبتهم الى 72 بالمئة، وبعض نظرائهم السنة إلى اكثر من عشرين بالمئة والاكراد الى ربع المجتمع، والآشوريون يختصرون الطريق على الجميع ويقولون نحن السكان الاصليون في العراق والآخرون مهاجرون ليس إلا، وكأن المرحوم سرجون الأكدي توفي يوم الخميس الماضي فقط! بل هم لا يعترفون ولا يذكرون اسم العراق والشعب العراقي في وثائقهم وأسماء احزابهم! وباختصار لو جمعنا على سبيل المزاح جميع النسب المدلى بها في السوق السياسية العراقية بلندن لوجدنا ان نسبة العراقيين كشعب تصل الى اربعمئة بالمئة!

إن هذا الكلام لا يعني على الاطلاق الانتقاص من الحقوق الثقافية والقومية لجميع العراقيين من أبناء الأقليات ولكن يجب ان لا يتم ذلك بهدف تعويم وإلغاء هوية العراق العربية الاسلامية إذ ان نسبة العرب (الشيعة والسنة) تفوق الثمانين بالمئة ونسبة المسلمين (من كلتا الطائفتين وبإضافة نسبة الكرد من السنة والشيعة) تفوق الخمسة والتسعين بالمئة وهذا امر سوسيولوجي وانثروبو لوجي وليس سياسيا بحتا يمكن لمن شاء المتاجرة والتلاعب به وعليه.

وقد دخل اصدقاء اسرائيل العلنيون المؤتمر من بوابته العريضة دون أدنى احتجاج من دعاة الاسلامية او اللبرالية او القومية. فأحد المسؤولين الأمنيين المنشقين على النظام والذي دعا علناً وفي مقالة مُسهبة نشرت في اوسع الصحف السعودية انتشاراً <<الشرق الأوسط>> الى تصفية القضية الفلسطينية من طريق اسكان ملايين اللاجئين الفلسطينيين في العراق فلم يكتف بالمشاركة في المؤتمر وحجز له مقعدا في الصف الأمامي بل قفز بقدرة <<قادر>> الى لجنة المتابعة والتنسيق التي حُرمت من دخولها احزاب معروفة. الصديق الثاني والعلني لاسرائيل الذي تسلم هدية أو جائزة كبرى هو رئيس الحركة الملكية الدستورية وتمثلت الهدية إجراء استفتاء بعد اسقاط النظام على شكل الدولة العراقية وهل يجب ان يكون ملكيا ام جمهوريا. ولقد استغلت العناصر الملكية الظروف السياسية العامة وانفلات القوة الامبريالية الاولى اي الولايات المتحدة الاميركية فشكلت حركة سياسية تدعى الحركة الملكية الدستورية التي انضم اليها عدد من الحزبيين الفاشلين والمتاجرين في السياسة وتنفيذا لأوامر أسيادهم الصهاينة الساعين لتمزيق المشرق العربي كله وفي القلب منه الجمهورية العراقية. وبضغط من الدوائر الغربية وتسديدا للثمن الذي دفعه رئيس هذه الحركة المدعو علي بن حسين ذلك الثمن المتمثل بالاعتراف بالكيان الصهيوني واستعداده لتوقيع معاهدة سلام معه كما صرّح هذا الشخص علناً وعلى مدرّجات بوابة وزارة الخارجية الاميركية (راجع جريدة القدس العربي التي نشرت الخبر على صفحتها الأولى عدد 3357) فكان الثمن هو الاستفتاء المفروض على الشعب العراقي.

إن الموقف الديموقراطي السليم من هذه القضية يكمن في السماح لأي مجموعة من المواطنين بتشكيل حزب او حركة سياسية سلمية من حقها المطالبة بالنظام الملكي أو الجمهوري وسيكون من حق الأمراء الهاشميين خصوصا الشرفاء حقاً والذين لم يتلوثوا بالتعامل مع الصهيونية العالمية كالأميرين رعد وزيد والأميرة نسرين تشكيل احزابهم السياسية والعمل بتناغم ووفق ما يقرره الدستور العراقي الديموقراطي بعيداً عن هوس الاستفتاءات. وبالمناسبة فإذا كان من حق الحركة الملكية المتصهينة الدعوة الى تنظيم استفتاء فلماذا لا يكون من حق الطائفيين من <<السنة>> تنظيم استفتاء لإعلان دولة الخلافة او الطائفيين من <<الشيعة>> لإعلان دولة ولاية الفقيه او مجموعة من الستالينيين لاقامة جمهورية عراقية سوفياتية؟

كما أن من المفيد تذكير الموافقين بسخاء على الاستفتاء وكأن الأمر يتعلق بتشجير حديقة بيتهم الخاص بأن الأمر يتطلب في بعض الدول الديموقراطية مئات الآلاف من التواقيع على الأقل لمناقشته برلمانيا، وأن تغيير طابع الدولة عبر الاستفتاء يتطلب أغلبية الثلثين في جميع البلدان تقريباً. فهل صار العراق مزرعة خاصة ورثوها عن أجدادهم ليتصرفوا بها بهذا الاستهتار وعدم الشعور بالمسؤولية؟

واحدة من اهم الخلاصات السياسية لهذا المؤتمر هي انه نجح فعلا في القفز الى القضية المركزية التي تهم الشعب العراقي فعلا وهي كيفية الوصول الى ما سمّاه المؤتمرون <<مرحلة ما بعد صدام>> أو بعبارة اخرى ما هو الموقف الواجب اتخاذه من قبل معارضة تزعم تمثيل الشعب من العدوان الاميركي الوشيك على العراق؟ وأي طريق سيسلكه المؤتمرون نحو مرحلة او حالة <<ما بعد صدام حسين>>؟ هل هي الحرب الاميركية ام التغيير السلمي الداخلي والضغط على النظام للتسليم بمطالب الشعب وتشكيل حكومة انقاذ وطني تشرف على عملية التغيير وإنهاء الحكم الدكتاتوري كما يطرح التيار الوطني الديموقراطي؟ للأسف لا يجد المطالع وثائق المؤتمر او جميع الخطابات التي ألقيت اجابة عن هذه الاسئلة والسبب واضح فقد تنازل المؤتمرون او أرغموا على التنازل عن حق مناقشة هذه القضية المركزية وسلّموا مفاتيحها الى الاميركان ولسان حالهم يقول: دمّروا انتم العراق من اجل اسقاط النظام وسنتولى نحن مهمة <<ما بعد التدمير>>. فهل ينطوي هذا الموقف على شيء من الحصافة السياسية او على شيء من الشعور بالمسؤولية تجاه ارواح ملايين الناس وسلامة البلد بكامله؟

ويبقى السؤال الكبير والأول متعلقاً بالحالة السياسية التي لم يتصدَّ لها المؤتمر، ألا وهي: كيف السبيل الى مرحلة النظام الديموقراطي؟ كيف السبيل الى تغيير النظام؟ هل هو الحرب التدميرية على العراق؟ ام التغيير السلمي الشامل المضبوط بضمانات اوروبية وعربية وصينية وتسليم سلس للسلطة الى حكومة انقاذ وطنية تتمثل فيها جميع قوى المعارضة السياسية والقوى المجتمعية العراقية من طوائف وقبائل وإثنيات؟

هذا هو السؤال الحارق او المشتعل ومن يهرب منه فإنه انما يهرب الى جهنم نووية ويدفع اليها شعباً بأكمله!