نودع عاما ونستقبل آخر، فيما حالنا كأمة
يزداد سوءا.
عام 2002، كان عام التراجع في مكانة القضية
الفلسطينية، احتلال كامل للضفة الغربية ومعظم قطاع غزة، وصولا لما تبقى من عتبات
المقر الرئاسي، وحصار مديد للقيادة الفلسطينية، في غياب المطالبات بالافراج عنها..
عشرة آلاف معتقل، ومئات الشهداء والوف الجرحى، مئات الدونمات المجرفة والبيوت
المهدمة، عزلة دولية للقيادة الفلسطينية، ومطالبات مستمرة بتغييرها، مراوحة في خطط
الاصلاح السياسي، وانهيار شبه كامل لمؤسسات السلطة واجهزتها، تفشي مظاهر الفلتان وتعدد
مراكز القوى والاستراتيجيات، غياب المركزية والمرجعية، وتنامي دور »امراء الفصائل
والاحياء والقرى والمناطق«، انهيار اقتصادي شامل وخراب عميق اصاب البنى التحتية
الفلسطينية، معدلات غير مسبوقة في البطالة والفقر، وتراجع منسوب الدعم المالي
العربي، وانحباس اموال الدعم المقدمة من الدول المانحة، تارة للضغط السياسي واخرى
لانعدام الثقة بالمؤسسة الفلسطينية.
القمة العربية في بيروت تبنت مبادرة غير
مسبوقة للسلام، مجلس الامن الدولي اصدر القرار 1397، ومبادرة الرئيس الامريكي جورج
بوش دولتان لشعبين، جميعها محطات شجعت على اشتقاق »خريطة الطريق« التي ينتظر ان
تعود للحياة مجددا بعد الانتخابات الاسرائيلية المقبلة، والحرب الامريكية المرجحة
على العراق.
اما العراق، الجرح العربي النازف منذ سنوات
وعقود، فقد انتهى العام 2002 على تفاقم الازمة والمأساة، جيوش من المفتشين تخترق
الارض والسماء، السيادة والاستقلال، تبحث في المصانع والمزارع واجهزة الكمبيوتر
وعقول العلماء عما يوصلها لاسلحة الدمار الشامل العراقية، فيما الجيوش والاساطيل
تكاد تستكمل استعداداتها لساعة الصفر، والحرب المنتظرة باتت تفصلنا عنها اسابيع
معدودات كما تشير لذلك كافة التقديرات، و»عراق ما بعد صدام حسين« وفقا للتعبير
الدارج في الادب السياسي الغربي، اطل برأسه من مؤتمر لندن للمعارضة العراقية، وعبر
فوهات المدافع التركية التي دخلت الشمال العراقي، وعلى متن البوارج وحاملات
الطائرات المزودة بكل ما في الترسانة الامريكية من قذائف ذكية وغبية.
وامام استمرار اشتعال الحريقين الرئيسين،
والحريق الثالث في جنوب السودان، يقف النظام العربي على عجزه، لا يحرك ساكنا، يفضل
الجلوس على الاسوار ومقاعد المتفرجين، والارجح ان انعقاد القمة المقبلة في البحرين
في آذار المقبل، سيكون الانجاز الوحيد لهذا النظام، بعد ان بات مجرد انعقاد القمة
مطلبا عزيزا، ومعيارا للنجاح والبقاء على قيد الحياة.
نستقبل العام الجديد، ونحن نتلمس ملامح
المنطقة وصورتها كما رسمت في واشنطن واذيعت عبر مبادرة الشراكة الامريكية -
الاوسطية، فيما كثير من حكامنا يتحسسون رؤوسهم ومقاعدهم الوثيرة التي استمرأوا
الجلوس عليها لسنوات وعقود، تلفح وجوههم رياح التغيير التي تهب عن غير مصدر وفي
غير اتجاه، بعضها داخلي واشدها وطأة خارجي، فالتقدم للامام يوجب تقديم جردات حساب
عن اخطاء الماضي وخطاياه، والتنازل عن منظومة من الاحتكارات والامتيازات،
والمراوحة في نفس المكان، تعني التراجع للوراء في عالم طريقه ذو اتجاه واحد،
وهيهات ان ينجح هؤلاء في وقف عجلة الحركة والتاريخ.