الخلايا العلمانية «النائمة» بين ضلوع الأمة أصل الداء

 

بقلم :شعبان عبد الرحمن

 

انتهت الضجة التي احدثتها التصريحات العنيفة المنسوبة للاعلامي المصري مفيد فوزي ضد الداعية الإسلامي عمرو خالد بنفي مفيد فوزي المتكرر عبر الصحافة والتليفزيون المصري صلته بالموضوع.

وعلى كل الأحوال فقد أُغلق ملف هذه القضية بخروج «مفيد» سالماً من الحفرة التي اتهم الموساد بصناعتها (الحياة23/12 الجاري) وانتهى الموقف بتأكيدات مفيد فوزي المتكررة نفي صلته بالموضوع.

لكن أصل الداء ما زال مدفوناً بيننا، مغروساً في مجتمعاتنا وأعني به هذه «الحالة» من مخاصمة التدين في مجتمعاتنا العربية والحيلولة دون عودتها إلى إسلامها، ومحاولة العيش بهدي تعاليمه قولاً وسلوكاً والتدثر بردائه والحياة تحت مظلته.

وليس بخاف أن الذي صنع هذه «الحالة» ويعمل على تفعيلها هو التيار العلماني المدعوم من كثير من الأنظمة الحاكمة التي وقعت في فخ معادلة غير صحيحة، وهي.. أن المزيد من التدين في المجتمعات يعني المزيد من تناقص عمرها الافتراضي على كراسي الحكم، فكان لابد من محاصرة ذلك بشتى السبل والوسائل، وبدهاء ودون إظهار الخصومة للدين أو للتدين. ومن هنا انعقدت شراكة بين الطرفين صاحبي المصلحة؛ التيار العلماني بمشروعه التغريبي وبعض الأنظمة بمشروعها الجاثم على كراسي الحكم.

ومن هنا، فليست المشكلة فقط في كلمات صدرت منسوبة إلى مفيد فوزي تهاجم عمرو خالد أو الحجاب، أو الغيب، ولكن المشكلة أننا أمام مشروع متكامل يقوم على رعايته التيار العلماني بتصنيفاته الفكرية السياسية وتحميه بعض الأنظمة من خلال تمليكها إيَّاه معظم وسائل الإعلام وأدوات الثقافة ليتلاعب بالأمة كيف يشاء.

وأصبحنا نفاجأ بين الحين والآخر بواحدة من ضربات هذا التيار ضد عقيدة الأمة أو ثوابتها الدينية أو شعائرها أو دعاتها. إنها خلايا علمانية نائمة بين ضلوع مجتمعاتنا.. تنشط على فترات لتصدمنا بهجوم ضارٍ على الحضارة الإسلامية والعقيدة، أو التعريض بالرسول صلى الله عليه وسلم أو بحملات ضارية ضد الحجاب، أو بترويج قصص، وكتب بأبخس الأسعار، تعلن الإلحاد وتسب الذات الإلهية وتروج للرذيلة والإباحية.

وأمامنا هنا نموذج على ذلك من مصر أيضاً، فقد ظلت وزارة الثقافة المصرية -كما نعلم- تنشر بتخطيط وتنفيذ فريق من العلمانيين الاستئصاليين سلاسل من الكتب التي تعبث بهوية الأمة ودينها وتبيعها في الأسواق بأسعار مدعومة حتى حدثت واقعة نشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» التي تسبب نشرها في ردود فعل عنيفة بين الشعب المصري، أسفرت عن سحب الرواية من الأسواق، وإغلاق الجريدة التي كشفت المصيبة -الشعب- حتى الآن.

ولم تراجع وزارة الثقافة إنتاجها ولا إصداراتها توقياً لحدوث أزمة أخرى، ولكن كل شيء تم نسيانه وظلت الخلايا النائمة تعمل على طريقتها في إصدار الإنتاج الرديء نفسه، إصراراً منها على إكمال رسالتها في تخريب المجتمع، حتى فاجأ نائب الإخوان المسلمين جمال حشمت -الذي أسقط مجلس الشعب عضويته منذ أسبوعين ظلما- وزير الثقافة بكمية من الإصدارات التي تضرب ثوابت الأمة، وتدور موضوعاتها من قريب أو بعيد حول نفس موضوع رواية «وليمة لأعشاب البحر» ويسأله عن مدى علمه بإصدار هذه الإصدارات، فما كان أمام الوزير إلا إقالة المسؤولين عن ذلك في وزارة الثقافة، خروجاً من المأزق، ثم جرى إعادة بعضهم بعد مرور العاصفة.

وهكذا أصبحنا أمام لعبة القط والفأر بين الحين والآخر.. غارات شبه منتظمة على الدين وثوابته وشعائره ودعاته، وكلما انقضت غارة تلتها أخرى.

ولذلك فإننا نذكِّر بأنه قبل مفيد فوزي صدرت عن آخرين كتابات وكلمات لا تقل في عدوانيتها عمَّا قاله، وبعد أن اعتذر مفيد أو نفى ما قاله لن يكون ذلك آخر المطاف، فسوف يخرج علينا مفيد ثان وثالث في العالم العربي، لأننا لسنا بصدد شخص أو أشخاص، وإنما نحن أمام «حالة» مزروعة في بلادنا منذ عهد المعلم «يعقوب» عميل الحملة الفرنسية وسمسارها الأول، مازالت تصرُّ على أن رسالتها هي حظر الإسلام في بلاده وعلى أبنائه حتى يظل المشروع الغربي قائماً.

والسؤال الذي يلح اليوم وسط التطورات الدراماتيكية المتلاحقة: ألم يحن الوقت للأنظمة والحكومات التي تخاصم الإسلام -بطريق مباشر وغير مباشر- أن تراجع أجندتها وتحالفاتها واستراتيجياتها وتعيد ترتيب أوراقها؟ فالحملة الغربية الدائرة لن تبقي ولن تذر إلا من ينبطح أرضاً ويسلم بكل شيء.. الحملة الدائرة تستهدف تغييراً دموياً وجذرياً لبلادنا سياسياً وثقافياً وحضارياً، وسيغيب الكثير من اللاعبين عن الساحة وأولهم أولئك الذين خدموا المشاريع الغربية.

ليس المطلوب قصف أقلام التيار العلماني ولا «قصل» رقابهم.. ولكن المطلوب حوار يغمد فيه الجميع حرابهم ويفكرون بعقولهم وصولاً إلى أرضية مشتركة وصلبة تشكلها الهوية والحضارة والوطنية والحرص على مستقبل الأجيال في مواجهة الطوفان القادم.