سؤال في هذه اللحظة التاريخية يبدو ساذجاً للوهلة الأولى ، إلاّ
أنه ضروري لمن أراد أن يشخص الحالة بنظرة ثاقبة وعميقة تخترق قشرة القوة التي
يتغلف بها هذا الكيان الطارىء المشابه في بنيته للكثير من أمثاله من الكيانات
الاستيطانية الغازية الراحلة . ولأن الإجابة على السؤال لها علاقة حتمية بنهاية
الصراع موضوعياً ، ولكونها وقوداً نفسياً شاحناً للأطراف المتناقضة مع هذا المشروع
السرطاني والطامحة باقتلاعه .
ولئن كانت قشرة القوة هي الحائل الوحيد دون
استكشاف حقيقة ضعف (إسرائيل) فإن حل هذه الشفرة يكمن في ما نقله المحلل السياسي
البريطاني درابيشير عن الرئيس الأمريكي الأسبق الذي قال لأحد مقربيه وهو بات
بوكنان ، وفي مقولته تفكيك للصورة المركبة التي تجمع بين قوة (إسرائيل) وقابليتها
للسقوط ، إذ يقول نيكسون : [ إن نهاية إسرائيل ستكون مثل الإمبراطورية الرومانية
صعوداً ثم .. سقوطاً للهاوية !!] . وتأكيداً لهذه الحقيقة يستشهد ذلك المحلل
البريطاني بأقوال لمفكرين يهود من بينهم رون ينز الذي يتوقع سقوطاًً لـ(إسرائيل)
مشابهاً لزوال الممالك الصليبية من بلاد الشام وفلسطين .
وقراءة جغرافية فاحصة لتقلص مساحة هذا الكيان
في عمره القصير يلمس المراقب مدى مأزق المشروع الصهيوني وانحساره حتى في أوج قوته
برغم تنوع الظروف السياسية التي أحاطت بكل مرحلة ، ومنذ حرب أكتوبر 1973م يمكن
إدراج ثلاثة محطات للانحسار : الأولى : الانسحاب من سيناء ، والثانية : التراجع عن
جنوب لبنان ، والثالثة : بناء الجدار الأمني على حدود عام 1967م . وقد التقط
الإشارة الأخيرة بمعناها الجيوسياسي العديد من الكتاب والعسكريين الصهايتة وغيرهم
، إذ قال أحدهم في لقاء له مع
التلفزيون الصهيوني : ( على الحكومة أن تكون صادقة ولتصارح الشعب بحقيقة أننا غير
قادرين على حماية أنفسنا إلا في هذا الإطار الجغرافي فقط) . وفي نفس السياق يعلق
المفكر الاستراتيجي الأمريكي أستاذ التاريخ بول كنيدي - صاحب كتاب (صعود وسقوط
القوى العظمى) الذي تنبأ فيه بسقوط الولايات المتحدة - على الجدار الأمني الذي
يبنيه شارون حالياً قائلاً: ( تشييد مثل هذه الأسوار لا يدل إلا على كونها رمزا
للعجز والخوف الدائم من الآخر ... ولك أن تتخيل كم سيكون مؤلماً بالنسبة للشباب
الإسرائيليين أن يقضوا جل حياتهم بين الأسوار ، ومدى الإستفزاز الذي تمثله تلك
الأسوار بالنسبة للشباب الفلسطينيين ) .
ومن مؤشرات ونويّات السقوط التي يمكن تلمسها
في المشهد العام داخل الكيان الصهيوني مدى انتشار حمى القلق الوجودي في الأدبيات
الصهيونية وحتى في الشارع الصهيوني وهو ما يسميه المحلل الصهيوني مئير شتجلتس
بالرعب من تدمير البيت الثالث ، وبمعنى آخر فإن العقل اليهودي في فلسطين يستبطن
حقيقة كامنة هي أن فرصة البقاء السانحة قصيرة ومعرضة للانقطاع المفاجىء ، وترجمة
لذلك يقول شتجليتش : (إذا لم نستفق فمصيرنا بين خيارين : خيار هورودوس (أي
الإستناد لحماية قوة عظمى) أو خيار شمشون (عليّ وعلى أعدائي : ويعبر عنه الخيار
النووي) والخيارات لا يصلحان للمدى
البعيد .
وفي إطار تحليلي فالمشروع الصهيوني رغم ضغط
الواقع الذي يجسده ترهل الوضع العربي والاسلامي الراهن لحظة تاريخية عابرة كَمَثَل
الغزوة الصليبية ، ولو قابلنا الحالتين في صيغة مقارنة ، فيذكر فلاسفة التاريخ حول
أسباب أفول الوجود الصليبي إذ يختزلها بعضهم بثلاثة عناصر :
- التغيرات في الجوار المحيط التي كانت
محصناً وإرهاصات لميلاد ظاهرة صلاح الدين
- تباطىء إمدادات الجسر - عبر المتوسط من
أوروبا - الذي كان يمد شريان البقاء للوجود الصليبي
- تآكل الأيدلوجية المتمثل بانحسار الفكرة
الصليبية في أوساط الصليبيين في المشرق العربي وكذلك في أوروبا
وإسقاطاً للعناصر المذكورة على الحالة
الصهيونية الراهنة ، فيمكن للدارس أن يلمس تآكل الفكرة الصهيونية وبداية انحسارها
داخلياً والشاهد الكبير على هذه الظاهرة بروز تيار المؤرخين الجدد الداعين لمرحلة
ما بعد الصهيونية والراغبين بالانتقال الى دولة متحررة من إسار الفكرة الصهيونية ،
وما يرافق ذلك من تعقيدات أزمة الهوية التي يعاني الكيان منها ويتحسس خطرها على
مستقبله .
أما المحيط المجاور في الظرف الراهن ، فبرغم
ترهل الحالة العامة إلاّ أن تنامي المد الإسلامي الذي يعبر عن نفسه بأشكال مختلفة
في المحيطين العربي والإسلامي يرمز لحالة التغيير ويمكن إدراجه في السياق التاريخي
كمقدمة للتحول المقبل . ويمكن قراءة الهجمة الغربية الحالية على العالم الإسلامي
المغلفة بدعوى حرب الإرهاب كمحاولة لاعتصار رحم التغيير رغبة في قتل جنين التحول
المنتظر ، لكن هذه الهجمة ستنتج آثاراً بعكس ما استهدفته إذ أنها ستكون المحفز
الأكبر على استنهاض مكامن القوة لدى الأمة وفق قانون التحدي الذي يعرفه
التاريخ . وفي محصلة هذا التحليل
فلم يتبق للكيان الصهيوني من مقومات البقاء غير الجسر الغربي وسنن التاريخ تحدثنا
بأن ذلك الجسر غير دائم ولديه القابلية للإنهيار .