تقرير لاطاقة لك به
حياة الحويك عطية
يسألني زميلي حائرا، كمن يفكر بصوت عال:
من أين يأتي الفلسطينيون بكل هذه المعنويات؟ لا يكاد ينهي السؤال حتى يتوقف
البرنامج لتقديم نشرة الاخبار المتلفزة. فاذا هي الجواب: لانهم يصنعون الحدث ونحن
نتلقاه، لان اقصى ما نفعله هو ان نكتب على الورق ما يفعلونه على الارض. وشتان....
هذا اذا كنا نكتب حقا!!
لا تحدثني عن الاعلام، لا تقل لي انه
سلاح اساسي في المعركة، لا تحاول ان ترضي نفسك وترضيني، بل ان تضحك علينا معا
بترداد هذا الشعار.
اجل الاعلام سلاح اساسي في المعركة وعامل
حاسم من عواملها، عندما يكون منتميا اليها، جزءا منها لا عندما تقتصر طموحاته
والتزاماته على نقل بعض ما يحصل فيها، وغالبا، عن وكالات الانباء الاجنبية
المرتبطة ارتباطا وثيقا وتاريخيا بالاستخبارت الغربية ودولها حيث يسيطر اللوبي
الصهيوني على كل شيء ويضع كل كلمة، كل صياغة، كل تسريب او حجب في خدمة المخطط
الصهيوني.
يكون الاعلام سلاحا عندما يكون المعيار
هو مصلحة المعركة والقضية لا مصلحة الجريدة او المؤسسة ومصالح القائمين عليها
والمستفيدين منها.
يكون الاعلام سلاحا عندما يكون بمقدور
الاعلامي ان يعمل كمقاتل، اي ان ينفذ قناعاته وايمانه متحديا كل القيود والسدود.
لا عندما يكون على كلمته ان تمر بانابيب التنقية ومحطات التكرير ومراجل الغلي
والتبريد حسب الحرارة المقررة.
يكون الاعلام سلاحا عندما تخرج حكوماتنا
ومن ورائها شعوبنا من متتالية الرعب والارعاب.
فلكل من يخيفه ولكل من يخافه وقليل منهم
من يخاف الله او يتقيه في الامة وقضاياها وفي الشعب ومصالحه ومستقبل اجياله
وكرامته.
في العدد الاخير من مجلة الاكسبرس
الفرنسية تقرير طويل عن زيارة وفد الخارجية الفرنسية الى الخليج العربي، تقرير
يبدأ بعبارة ان شاء الله! يستهل بها بما يشبه السخرية المرة، لا لان الكاتب الغربي
من الملحدين او الذين لا يؤمنون بارادة الله، بل لانه يوضح فيما يلي مرارته من هذه
العبارة التي سمعها الوفد مرارا في الخليج العربي خلال محادثاته التي اعتبرتها
فرنسا مهمة سلام، على حد تعبير الخارجية الفرنسية، فلقد جاء برئاسة امين عام
الخارجية ممثلا دومينيك دو فيللوبان، وزير الخارجية، جاك شيراك رئيس الجمهورية في
رسالة تنقل موقف فرنسا المعارض للحرب والرافض بشدة لأي تجاوز لدور الامم المتحدة
ولاستفراد اية قوة بالقرار الدولي سواء فيما يخص السلم او الحرب، لكنه، اي الوفد،
عاد مقتنعا بان حالة الخضوع والاستسلام التي يعيشها قادة الدول الخليجية، لا تعني
الا ان الارادة الاميركية الكلية السلطة، والتعبير له، هي التي تقرر مصير المنطقة.
التقرير الفرنسي يستعرض مواقف الحكومات
والحكام الخليجيين واحدا واحدا، ولا يجد اي حرج في الربط بين هذه المواقف، تناقضا
او توافقا مع حجم التواجد الاميركي على اراضيها، وفي مقابلة ذلك بحجم ونشاط
الاستعدادات للحرب في القواعد العسكرية المختلفة التي يسميها بالاسم ويصفها من حيث
الموقع والحجم والوظيفة. كما لايجد حرجا في تحليل قضيتين اساسيتين:
1- التأثيرات التي ستطال مختلف الدول
العربية من نتائج الحرب ضد العراق.
2- الانفصام الكبير بين موقف الحكومات
المشلولة المستسلمة وبين الرأي العام الشعبي الذي يكتنز اكثر من قنبلة موقوتة.
كذلك لا يغفل ابدا الرهان المركزي
الاساسي في الموضوع، وهو الرهان على القضية الفلسطينية حيث يورد على لسان رجل
الاعمال البحراني المعروف: محمد المؤيد، صاحب مجموعة المؤيد الدولية، وصاحب بنك
البحرين الوطني قوله: طالما ان الرئيس بوش لم يفهم ان عليه اعطاء الاولوية للقضية
الفلسطينية، وايجاد حل لها، فلن يكون هناك سلام في هذه المنطقة، ولن يتحقق اي نجاح
على صعيد جبهة الارهاب.
ويردف التقرير بملاحظة ذكية هادفة هي «ان
المؤيد رجل مثقف، يمضي معظم اجازاته في اوروبا ويعرف جميع اصناف النبيذ والاجبان
الفرنسية، اي انه لا يمكن اتهامه بالتطرف والاصولية» الاحباط الذي يستشعره كاتب
التقرير الفرنسي ينتقل الى مفاصلك انت الاعلامي العربي مضاعفا: فانت محبط لانك
مثله لا تستطيع وقف الحرب، وان تكن لكل منكما اسبابه، فهو خائف على مستقبل فرنسا
واوروبا، وانت خائف على مستقبل بلادك العربية، لكن خوفه على مصالح ونفوذ ونمو،
وخوفك على البقاء والوجود بحد ذاتهما.
وانت محبط لاحساسك بان القيادات
الاوروبية تحاول ان تفعل شيئا لمنع الحرب، اما قياداتك فلا، بل ان تلك ترسل وفدا
رسميا الى حكوماتك كي تقنعها بعدم الامتثال للانتحار.... وتعود بخفي عصر عربي
قاحل... وقبضة رمل فقد حرارته... وهلال فقد خصبه.... وواد تنكر لنيله، فقرر
الاستعاضة عن تقليد رمي ضحية في النهر العظيم اتقاء لغضبه الى ابتكار تقليد رمي
النيل في المسيسيبي للغاية ذاتها...
وأخيرا لا آخرا انت محبط لانك لا تستطيع
ان تكتب بوضوح ما كتبه الصحفي الفرنسي حتى ولو قمت بترجمته على سبيل العنعنة.