رؤية فرنسا للإسلام.. حلم أم كابوس؟

 

بقلم :أمير طاهري

يبدو أن وزير الداخلية الفرنسي نيكولاس ساركوزي على عجلة من أمره، فهو يدرك أن أمامه أقل من خمسة أعوام لكي يحقق مكانة بارزة تمكنه من السعي لرئاسة فرنسا بعد تقاعد جاك شيراك. وقد لا يندهش البعض إذا ما علموا ان ما فعله ساركوزي منذ توليه مقاليد السلطة في مقر وزارة الداخلية جاء متوافقا مع ذلك الجدول الزمني.

وهكذا يبدو ان رغبة الرجل عاجلة في إقامة ما يصفه بـ"كنيسة فرنسا الإسلامية"، وهو مشروع وضع في بادئ الأمر خلال أوائل الثمانينات، لكن ستة وزراء ينتمون لليسار واليمين تعاقبوا على وزارة الداخلية، قرروا عدم تنفيذه. وخلال عام 1987 وصف وزير يدعى تشارلز باسكوا، الإسلام بأنه "العدو الأول" لفرنسا.

يهدف المشروع إلى إيجاد سلطة رسمية معترف بها قادرة على تمثيل مسلمي فرنسا، مع العلم ان سلطات مشابهة تتوفر لدى الكاثوليك والبروتستانت وجماعات المسيحيين الأرثوذكس إضافة إلى اليهود. وسيتسنى لما يسمى بـ"كنيسة فرنسا الإسلامية" تقرير من سيحضر الفعاليات الرسمية، ومن يتوجب استشارته بشأن القضايا المتعلقة بالعقيدة، والتي تخص الجالية الإسلامية.

خلال الثمانينات كان كاتب السطور قد تلقى دعوة من قبل باسكوا لتقديم رأي حول الموضوع، وكان الرد على المشروع حينها انه قد يكون غير قابل للتنفيذ، أو أنه إذا ما نفذ فسيؤدي إلى تجزئة الجالية المسلمة في فرنسا، ويشجع الأصوليين المتطرفين، واليوم لا يوجد ما يدفع المرء لتبني وجهة نظر مختلفة.

فساركوزي، كسابقيه من الوزراء، لم يتمكن من فهم الطبيعة الدقيقة للاسلام كديانة. فمعظم سكان فرنسا من الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس مواطنون فرنسيون ترعرعوا في ظل ثقافة تستند الى فصل الدين عن الدولة، ويمكن التفريق بينهم وبين غيرهم من المواطنين الفرنسيين فقط من خلال ديانتهم. كما يمكن تمييز جالية فرنسا اليهودية لأن الديانة اليهودية تجمع بين الدين والعرق والهوية الثقافية إلى حد ما.

والأهم من ذلك، ان اليهود لا يطمحون في إقناع الآخرين باعتناق ديانتهم. أما الإسلام فهو مختلف. وفي البداية لا بد من الإشارة إلى أن ما يقدر بنصف عدد المسلمين المقيمين في فرنسا، ومجموعهم 5 ملايين ونصف المليون، مواطنون فرنسيون. وحتى معظم أولئك الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية يتمسكون بالحفاظ على جنسياتهم الإسلامية السابقة، (خاصة أولئك الذين ينتمون لشمال أفريقيا).

وهناك علامات عرقية ولغوية وثقافية واضحة تفصل بين معظم مسلمي فرنسا عن بقية المجتمع. والأهم من ذلك ان المسلمين الذين يعيشون في فرنسا منقسمون إلى جماعات ومذاهب دينية. وبطبيعة الحال، هناك تلك الاختلافات المعتادة بين السنة والشيعة.

لكن هناك حركات صوفية عديدة، خاصة في أوساط من ينتمون لخلفيات تركية وكردية. وطبقا لما أوردته دراسات أجريت مؤخرا فإن مسلمي فرنسا ينتمون لـ 53 بلدا مختلفا، ويتحدثون 21 لغة مختلفة، ويمثلون العديد من الثقافات الآسيوية والشرق أوسطية والأفريقية والأوروبية. كل هذه الجماعات والحركات ستقاوم بعمق أية محاولة من قبل الحكومة الفرنسية لفرض سلطة واحدة عليهم.

وبخلاف الكاثوليك الذين ينظرون إلى الفاتيكان والبابا لحسم القضايا المتعلقة بالعقيدة، وبخلاف اليهود المتدينين الذين يدينون بالولاء لحاخامية إسرائيل، فإنه لا تتوفر لدى المسلمين سلطة منفردة يمكن العودة اليها بهذا الخصوص. فبإمكان المسلم أن يستشير من أراد من الناس، لكنه غير ملزم باتباع أي رأي بشأن قضايا العقيدة.

لقد جاء في الدراسات التي أجراها المركز القومي للبحوث العلمية في باريس ان ما لا يقل عن 13 في المائة من مسلمي فرنسا ملتزمون بدينهم. فيما أكد الجميع على اعتبار الإسلام جزءا من هويتهم الأكثر تشابكا.

وقد يبدو في الأمر تناقض، لكن الحقيقة انه حتى أولئك الذين لم يعودوا متدينين ونشأوا في مجتمع إسلامي، يعتبرون أنفسهم في الغالب مسلمين، على الأقل من ناحية ثقافية. يصر مؤيدو مشروع ساركوزي على إن إسلام فرنسا سيكون "تقدميا ومتحررا ومتطورا"، وستكون "الفتاوى" الصادرة عن مفتي باريس أقل "رجعية" من تلك التي تأتي على سبيل المثال من قم أو من باماكو. وفي وقت ما، قد تصبح باريس مركزا رئيسيا للعلوم والفكر الإسلامي، وربما تقود الإسلام نحو رؤيتها للسلام المعتدل.

وفي نقطة ما إلى الأمام، لن يصعب تخيل قيام بعثات تبشير إسلامية فرنسية بالانتشار في أنحاء العالم وعرض رؤيتها للاسلام "التقدمي". ويبدو ان كل هذا، على أية حال، بات يمضي قدما بالفعل، وبدون تدخل حكومي.

فقد أحدث ما فعله دارسو فرنسا أثرا في الفكر الإسلامي الحديث منذ ما لا يقل عن الخمسينات من القرن الماضي، حيث أدى التواصل بين المسلمين في فرنسا ونظرائهم من أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا إلى عملية تنوير شملت عددا من الدول بما فيها الجزائر وتركيا وإيران.

وإذا ما وضعنا طابعا رسميا على كل ذلك فإن الأمر سيثير الشبهات في عيون العديد من المسلمين، خاصة في شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط حيث ينتشر بقوة الإيمان بنظرية المؤامرة. لقد ظل الإسلام يواجه دائما محنة الاختيار بين الوحدة والتنوع. ومتى ما اختار التوحد توفر له القوة العسكرية والسياسية، لكن على حساب فقدان حيويتها الروحية والعلمية والثقافية، وذلك ناتج عن أن الأمر ينتهي دائما بالخلط بين الوحدة الواحدة وبين التقليد.

قد يفرض مشروع ساركوزي إجراء بتوحيد مسلمي فرنسا، وبالتالي منحهم بعض الشكل السياسي، لكنه قد يلحق ضررا بتنوعهم الثري، وقد يعزز موقف الأصوليين الذين ظلوا دائما يؤكدون أهمية الشكل الواحد. كما ان مشروع ساركوزي يحمل في طياته أيضا ملامح أمنية ثانوية، وهي مسألة غير مرغوبة. فمنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت نيويورك وواشنطن، يعتقد العديد من السياسيين في الغرب إنه يجب إخضاع "البعد الإسلامي" للإرهاب للسيطرة.

لا يوجد شك بأن العديد من التنظيمات الإرهابية، خاصة تلك العاملة في الجزائر، ظلت قادرة على استغلال الجالية الإسلامية في فرنسا، وفي عدد من دول الاتحاد الأوروبي، من أجل جمع التبرعات والحملات الدعائية والدعم المادي.

وهذه الأنشطة يجب مراقبتها من قبل أجهزة الشرطة، وأن يوضع حد لها وفقا للقانون. أما إقامة "كنيسة للإسلام" في فرنسا بأسلوب مصطنع تقرره الحكومة، فمن غير المحتمل أن يؤدي الغرض.