تثير هنات بوش اللغوية وسقطاته الفكرية
الكثير من السخرية بين كل من يتابع أخباره. وأظنه يتمنى الآن لو أن الكوريين
الشماليين لديهم ملكة الضحك على المقولات السمجة. فينغمسوا في الابتسام والأفضل لو
يغرقوا في القهقهة على مقولة محور الشر، بدل التكشير عن الأنياب، وتقطيب الجبين
الذي كان شأنهم منذ ظن بوش أنه يقول حكمة حينما أطلق مقولته. فلم تستلطف كوريا
الشمالية تلك الدعابة السمجة، وشرع الكوريون الشماليون يكيلون لبوش بمكياله. وكانت
دعابتهم قبل ثلاثة أشهر من أكثر ما
يخطر على باله سماجة، فقد أبلغوه أن بلادهم لديها برنامج نووي. وحينما أراد بوش أن
يثني الكوريين الشماليين عن المضي في هذا المزاح الثقيل عمد بعد أن أقنع كوريا
الجنوبية واليابان إلى قطع إمدادات النفط التي يزودون ثلاثتهم كوريا الشمالية بها
لقاء أن تكف عن بناء قدراتها النووية. ولقد حاولت كلا من اليابان وكوريا الجنوبية
ثنيه عن عزمه بإقناعه أن كوريا الشمالية لا تقع في العالم العربي، لكن الدلال
والغنج الذي اعتاده في العالم العربي أفسد أخلاقه، وجعله يظن أن طلباته لم ترفض
أبدا فلم سترفض من بلد ليس كثيرا أقوى ممن يتسابقون على إرضاء أهوائه.
لكن خيبته كانت كبيرة، فما انتظرت كوريا
الشمالية بدء قطع الإمدادات بل سارعت إلى رفع أختام وكالة الطاقة الدولية عن
مفاعلها النووي، ثم بدأت نقل الوقود النووي خلافا لمتطلبات الشرعية الدولية، ثم
طلبت من مفتشي وكالة الطاقة الدولية مغادرة البلاد بعد أن لم يبق لديهم عمل
يستطيعون القيام به. وحينما نسي رمسفيلد من يخاطب، ظنا منه أنه يخاطب بلدا عربيا،
ولمح أن بإمكان الولايات المتحدة أن تخوض حربين وتربحهما، هاجت كوريا الشمالية
وماجت، ولم تهدأ حتى الآن. فهي تقول أن خطوتها القادمة ستكون الانسحاب من وكالة
الطاقة الدولية. وهذه كناية عن قرب الإعلان على غرار ما فعلت الهند والباكستان من
قبل عن امتلاكها للأسلحة النووية. وصعق بوش وصقوره من فقدان روح المزاح لدى
الكوريين الشماليين، فسارعوا لإخفاء رمسفيلد ومعه الصقور الأخرى، وأطلقوا الحمامة
باول من قفصها. وحينما ظهر باول على البرامج الأمريكية التلفزيونية المبرمجة وسأله
مدير البرنامج عن الحل العسكري، أجاب متعجبا حل عسكري ! لا توجد هذه الكلمة في
القاموس السياسي الأمريكي. لكنه أراد أن يقول شيئا كممثل للبلد الأعظم في العالم
الذي يواجه شقاوة لم تعتد عليها إدارته من بلد صغير، فاستعجل بالقول أن في جعبة
بلاده عقوبات كثيرة اقتصادية. ولم تمض ساعات طويلة حتى جاءت الإجابة هذه المرة من
كوريا الجنوبية. ولو ترجمت اللغة الدبلوماسية الكورية الجنوبية إلى اللغة
المتداولة لكانت ما يشبه ما هذه السخافة! وما هذا الطيش! يا باول، هل تريد أن تحول
شبه القارة الكورية إلى جحيم وتخسر كل مصالحك فيها.
وفكر بوش في الأمر، وهو الظنين بهجرانه
للفكر، وخرج بتعليل يرشح العقل والمنطق منه رشحا. فقال تصحيحا على ما يبدو لهفوة
حمامة السلام، حينما سئل عن الفرق بين الحالين، حالة كوريا الشمالية وحالة العراق.
فقال بكل الحكمة التي لا تفارقه أن المشكلة الكورية الشمالية سياسية، أما المشكلة
العراقية فعسكرية. وبطبيعة الحال لم يفض بوش كثيرا في تبيان البين وتوضيح الواضح.
فكل الناس على دراية بالوقائع، وكل الناس على معرفة بالمرامي، وكل الناس على بينة
بحال البيئتين. فالعراق معروف أمر امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، لكنه منذ أن فرضت
عليه العقوبات، ومنذ أن بدأت فرق المفتشين بتنقيب العراق طولا وعرضا ودمرت له كل
ما يشتم منه أنه يمس السلاح ، وهو يراوغ ويماطل ويأبى أن يعترف أين خبأ قنابله
النووية. وحينما قبل بعودة المفتشين فإنما ليسخر من المجتمع الدولي بأنه لا يستطيع
بمفتشيه أن يعثر عليها. والعراق يريد بذلك أن يجبر الولايات المتحدة حتى تخبر
المفتشين أين مخابئ هذه الأسلحة. ولن تقوم الولايات المتحدة بذلك لسببين مبدأي
وأمني. فالعراق قبل بقرارات الأمم المتحدة التي تفرض عليه الإعلام عن أسلحته، وهو
يريد أن يهرب من هذه المسؤولية ويضعها على الآخرين. والولايات المتحدة لن تسمح
بخرق الشرعية الدولية. كما أن العراق يريد أن يعرف مصادر المعلومات الأمريكية، فلو
أشارت الولايات المتحدة إلى تلك المخابئ لعرف العراق على الفور أن حراسها قاموا
بتزويد المعلومات ولقام على الفور بإعدامهم. وهذا مخالف للمبادئ الأخلاقية التي
تقاتل الولايات المتحدة حتى تسود في العالم. فالكرة الآن هي في الملعب العراقي.
وإذا خرج المفتشون من العراق دون أن يعثروا على أسلحة الدمار الشامل فسيؤثر هذا
على مصداقية وسمعة الأمم المتحدة، وأمريكا لا يمكن أن تقبل أن تكون الشرعية
الدولية موضع استهزاء ومحط سخرية، بل ستقاتل دفاعا عن شرف الشرعية الدولية.
أما كوريا الشمالية، فلسان حال بوش يقول، فقد
كانت أكثر صدقا من العراق فحينما اعترفت بوجود برنامج نووي، عقدنا معها اتفاقا
نبني لها مفاعلات نووية حديثة ونعطيها حتى حين بنائها الوقود والغذاء مقابل أن
تتخلى عن مفاعلاتها النووية القديمة. وحينما غضبنا على كوريا الشمالية لأنها تبيع
تقانة الصواريخ للآخرين، كان رد فعلها غير متوازن. صحيح أن بيع الصواريخ ليس من
شروط الصفقة معها، لكننا نريد منها أن تكف عن هذه العادة السيئة لأنها تقوي
أعدائنا. فكل المشكلة مع كوريا الشمالية أنها تقوم بكل هذه الحركات حتى نتفاوض
معها، ونحن لا نخضع للابتزاز. فكما تلاحظون الفرق بين الحالين. حال بلد لا يريد
الاعتراف بأن لديه برامج أسلحة الدمار الشامل، وحال بلد يعترف بوجودها. فالحال
الأول خطر ولا بد من معالجته عسكريا، أما الثاني، فقد ولده سوء الفهم ويمكن اللجوء
إلى الطرق الدبلوماسية لحله.
أما تخريج بوش للمرامي فهو من أيضا من نبع
الحكمة، فهو يرى أن العراق يملك النفط. وهذا المصدر مهم لصحة الاقتصاد العالمي.
فلو ترك العراق على حاله فهو سيضاعف قوته، وسيصبح بما يملك من إمكانيات نفطية أن
يبتز العالم الحر حتى يستجيب لشروطه. والولايات المتحدة لا يمكن لها أن تقبل أن
يكون مصير العالم في أيدي مستبدين يحوزون أعز مصدر طبيعي فيه. صحيح أن الآخرين
الذين يحوزون على هذا المصدر مستبدون أيضا، لكنهم، كما يقول،أصدقائه وتحت حمايته.
ولذلك، فليس هناك من مخاطر في الوقت الحاضر. أما في المدى البعيد، فهو يرى أن
القواعد العسكرية التي ستنتشر في المنطقة بعد عودة العراق إلى حظيرة الأمم
المتمدنة كفيلة بحماية تدفق النفط إلى كل القادرين على شرائه من الشركات النفطية.
بينما كوريا الشمالية بلد فقير ليس فيه نفطا ولا أي مصدر طبيعي أخر مهم، وهو حتى
لو امتلك السلاح النووي فماذا يفعل به. فليس هناك شيء لديه كالنفط حتى يبتز العالم
به. وهكذا فالفرق واضح بين الاثنين. أحدهما يريد امتلاك أسلحة الدمار الشامل حتى
يمنع العالم الحر من نفطه، بينما الآخر يريد امتلاكها ظنا منه أنه في خطر. وحينما
تقنعه أمريكا بأنه ليس هناك ما يهدده فسيتخلى عن سلاحه. ويمكن التدليل له على ذلك
بأن تعقد معه اتفاقية عدم اعتداء وكذلك بالمضي في بناء المفاعلات النووية الحديثة
له.
أما الفرق البين الآخر كما يراه بوش، فهو أن
جيران العراق يرون فيه خطرا عليهم، ويتنافسون لتسهيل مهمة الولايات المتحدة
لتجريده من سلاحه. بل لقد بلغت الغيرة بالبعض منهم لتخليص العالم من أسلحة دماره
الشامل أنهم يتنازعون على من سيكون له شرف تسهيل حركة جيوش الولايات المتحدة
وقصفها للعراق. ولقد بلغوا في حرصهم
على الأمن العالمي ذروة الإيثار. إذ أنهم يعلمون أن القذائف الذكية قد تصبح غبية
في الطريق وتذيب الآلاف من أبناء عمومتهم، لكن حرصهم على الملايين في العالم يجعلهم
مستعدين للتضحية بعشرات الآلاف من أبنائهم. وهم غير قلقين من أسلحة الدمار الشامل
التي في جوارهم فقد أعطتهم أمريكا كلمة الشرف أنها لن تستخدم ضدهم ما دامت روابط
الصداقة تجمع بينهما. غير أن جيران كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية واليابان، فلا
يرون فيها خطرا، بل أن أصحاب رأس المال في كوريا الجنوبية عملوا لانتخاب من يرغب
في زيادة الاستثمار في كوريا الشمالية وتعميق العلاقات الاقتصادية معها. فإذا كانت
كوريا الشمالية لا تملك نفطا وجيرانها لا يرون فيها خطرا، فأمريكا لا تريد سفك
الدماء البريئة لمجرد أنها تملك أسلحة الدمار الشامل.
وبعد هذا البيان فليس لأحد أن ينكر على
الولايات المتحدة ما تقوم به. فهي بما تقوله لسان صدق، وما تقوم به مبني على
موازين العدل والنصفة. بل وتقوم البينة على صدق ما تقول وما تفعل في سرور العرب
وتسابقهم على إعلان الرضا والولاء.