معضلة حزب «العدالة والتنمية»

 

 

 

بقلم : منير شفيق

 

الطيب رجب اردوغان زعيم حزب «العدالة والتنمية» اعلن، وبالفم الملآن، ان الحزب الجديد هو حزب علماني وليس حزباً اسلامياً، ولا يحمل مشروعاً اسلامياً من قريب أو بعيد، عدا ان اعضاءه متدينون ونساءهم متحجبات. ولكن ذلك لم يكن مقنعاً لكثير من الاسلاميين الذين أصروا على انه ما زال اسلامياً، وان النصر الانتخابي الذي حققه هو نصر للاسلاميين، وان كانت هذه النقطة الاخيرة تحمل وجاهة اذ لا شك ان كثيراً من ناخبيه عاملوه كحزب اسلامي غير اسمه تحت ضغط السلطة. ولكن الناخبين هنا ليسوا حجة في تقويم حقيقة وضع حزب «العدالة والتنمية» من حيث المشروع الذي يحمله.

 

وأخذ كثيرون من العلمانيين الموقف نفسه اذ اعتبروه ما زال اسلامياً او هو اسلامي يخفي حقيقته حتى يتمكن. وبالطبع قد يكون هدف بعضهم الضغط عليه اكثر ليعلن براءته من تلك التهمة، بالافعال ليطمئنوا الى حقيقة ما عبر عنه من تغيير في موقفه.

 

الطيب رجب اردوغان يقول لاقرب من كانوا من أصدقائه العرب في المرحلة السابقة «يا جماعة نحن غيرنا موقفنا فلماذا لا تريدون ان تقتنعوا». فبعض هؤلاء ساورته الشكوك، ثم مال الى تصديقه ومعاملته كما هو في مرحلته الجديدة، والبعض الآخر ما زال يغلب الاماني ويأبى أن يصدق ما يسمع وما يرى، ولديه تأويل سهل «الرجل يناور».

 

وبالمناسبة ان تجربة قيادة فتح ذات الاصول الاسلامية عرفت مثل هذه الحالة، مع الفارق شكلاً ومضموناً. وقد بقيت متهمة من خصومها بانها «حركة اخوان مسلمين» مستخفية، ومن بعض محبيها من الاسلاميين بانها مستخفية كذلك. وقد استمرت هذه الحالة اكثر من عشرين عاماً وهي تحاول ان تقول، وتثبت «نحن غيرنا فلماذا لا تريدون ان تقتنعوا؟».

 

يبدو ان اول من صدق هذا التغير في موقف اردوغان وحزبه الجديد هي الادارة الامريكية، فمن جهة تحدث بعض المقربين منها عن «اسلام معتدل» من طراز حزب «العدالة والتنمية» ومن جهة أخرى قابل الرئيس الامريكي بوش الطيب رجب اردوغان شخصياً، ولهذا دلالة ما، كما فتحت مفاوضات بين الادارة وحكومة العدالة والتنمية حول الحرب ضد العراق ودور تركيا فيها، وثمة تصريح لوزير الخارجية اثر محادثات مع بول ولفوفتيز نائب وزير الدفاع الامريكي حول اتفاق عسكري بين الطرفين يحمل دلالة بالرغم من أنه نفي في اليوم التالي او عدل.

 

يمكن للمرء ان يتفهم ان يكون لحزب العدالة والتنمية مشروع داخلي يتعلق باخراج تركيا من أزمتها الاقتصادية واجراء اصلاحات داخلية في مصلحة الشعب التركي، مثلاً ان يحقق اردوغان على نطاق تركيا ما حققه من نجاح على مستوى اسطنبول يوم تولى رئيساً لبلديتها، حيث حقق انجازات كبرى اعترف له بها خصومه قبل المحايدين. فلا شك بان شباب حزب العدالة والتنمية الآتين من خلفية اسلامية رعاها اربكان يتسمون بالاستقامة ونظافة اليد والذكاء والنشاط والحيوية، وهي مؤهلات تفتقر اليها الاحزاب التركية التقليدية. ومن ثم يحق لهم ان يحلموا، أو يأملوا بتحقيق ما لم تحققه الاحزاب التركية الأخرى. ولكن النجاح في هذا الامتحان لن يكون سهلاً أبداً امام الضغوط الخارجية والداخلية المضادة له، كما ازاء مخاطر ان تفسدهم السلطة بدلاً من يخلصوها من الفساد. وان كنا نسأل الله الا يحدث هذا.

 

على ان المعضلة الأكبر التي تواجه الطيب رجب اردوغان وحزبه تأتي من المشكلة السياسية من جهة العلاقة بأمريكا واستراتيجيتها في المنطقة، ومن ثم العلاقة بالدولة العبرية، هذا من دون الاشارة الى العلاقة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهنا ستكون المحرقة الاشد ناراً من محرقة السلطة الفاسدة المفسدة، او اشكالات التنمية والبطالة والركود الاقتصادي والازمة المعيشية الخانقة.

 

وبكلمة، يمكن القول هذا ما يجب ان يشغلنا اكثر مما شغلنا التغير في موقف الحزب من المشروع الاسلامي والعلمانية، لانه قد يكون اخطر بكثير مما حدث على مستوى المرجعية، اي الموقف السياسي من امريكا والصهيونية واستراتيجيتها في المنطقة من قضية فلسطين وقضايا العرب والمسلمين، فان ذهب شططاً من الخير ان يفصل بينه وبين المرجعية الاسلامية.