مذكرات مجدي حسين في السجن  في قضية يوسف والي - الحلقة 11

 

الداخلية تقرر معاملتنا كمساجين جنائيين

ورأيت أن ذروة التحدي أن نقبل ذلك ولا نحتج عليه

 

الأحد 9 / 4/ 2000

أيقظونا في ساعة مبكرة ربما السابعة والنصف أو الثامنة .. وأنا أقوم من النوم مضروب علقة حتى لو كنت في بيتي فما بال الحال وأنا هنا في القطا !! وأخذت أفكر في أحداث الأمس ، وكيف بتنا بدون شرب شاي، رغم أن شرب الشاي من الطقوس المقدسة في السجون .. وها نحن لانجد شايا نشربه حيث لايوجد سخان بعد.. وتذكرت المقدم قائد الترحيلة الذي حملنا من تخشيبة الخليفة الى المحكمة ومن المحكمة الى هنا .. واسترحت لأنني طيبت خاطره بكلمتين : وقلت له اوعى تكون زعلان .. بسبب المعركة التي فجرتها عند الحبس خانة .. فقال لأ مش زعلان .. وبدا صادقا ، وكان الجنود قد قالوا لنا انه أجدع ضابط .. وهو قبطي ولكني لا أتذكر اسمه .. فعندما تنتهي معركتي مع أحد .. لا أحمل له أى ضغينة ، وقد لاحظت صدقه عندما احتججت عليه قائلا : " مش كفاية الطوق الأمني اللى انت عامله علينا " فرد منفعلا بصدق : " أنا برضه اللى عامله " ؟! في اشارة الى انها أوامر مفروضة .

قال العسكري : انت سرحان في ايه يا أستاذ ، يالا ادخلوا الحمام .. احنا فتحنا لكم بدري قبل الزحمة .. فشكرته على كرم الضيافة .. وقمت أهرول بالصابونة والفوطة قبل الزحام فهذه الدورة تخدم قرابة 300 مسجون كما علمت فيما بعد ، لأن العنبر 3 أدوار .. والعنبر به ألف سجين .

ولقد وجدت الدورة نظيفة بشكل عام الا من اهمال بعض المستخدمين الذين يتركون آثارهم دون احساس بالمسئولية الجماعية !!

وبعد هذه المهمة كان علينا الانتقال الى الزنزانة التي سنستقر فيها .. وعندما عدت وجدت مجموعة من المساجين تحيط بعصام وصلاح ، ولم أكن أدرك أن زعيم الواقفين الذي يتحدث معنا ، هو أهم مسجون .. فهو المسير (وقد شرحت من قبل أن المسير هو مسجون قديم يكون هو حلقة الوصل بين المساجين والادارة)، وشعرت انني التقيت به من قبل..

وقال ان الزنزانة التي ستنتقلون اليها مطلة على الفناء .. وتشرح القلب وهناك من ينظفها الآن .. وقلت له : هيا بنا فخير البر عاجله.. قال لنذهب الى المكتب أولا .. وكان يقع على ناصية في مدخل العنبر حيث تقاطع الممرات المصممة على شكل حرف T ..

وفي غرفة المكتب لايوجد الا مكتب ، ورف به أوراق ادارية خاصة بالمساجين ، وفرشة على الأرض .. ولكن جو الغرفة كان رطبا , حيث تدور مروحة السقف ، فشعرت ببعض الانتعاش ، وقال ننتظر قليلا حتى تنظيف غرفتكم .. والحقيقة ان ادارة السجن كانت تبحث عن ثلاثة مساجين مناسبين ليشاركونا الزنزانة ( كما فهمت فيما بعد ) .. وقال المسير ولن اكتب اسمه كما أفعل في حديثي عن الجنائيين .. لأنهم لايحبون عادة ذكر أسمائهم ، وهذه المذكرات قد يقرأها أحد .. والمسير حاصل على تأبيدة في قضية مخدرات ، وهو كثير الزواج ( سابقا طبعا ) ووصل الى أربع زوجات .. تم اختزالهن الى اثنين مؤخرا .

أمضى في السجن 16 سنة ولم تبق أمامه سوى فركة كعب ( 4 سنوات ) وأمه هي راعيته الأولى .. كما هو حال الأم في كل زمان ومكان ..

وقال لقد أمضيت في أبي زعبل 12 سنة حتى مللت منه وطلبت نقلي الى سجن آخر , فكانت قرعتي هنا . وبدأ المخبرون يتوافدون للفرجة على الزبائن االجدد الذين يتسمون بالغرابة .. ماهذا صحفيون في سجن القطا الجديد ؟! انه حقا لحدث ، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم في طول العنبر وعرضه .. وأصبح المساجين يمرون ويطلون علينا بفضول .. وسألنا أحد المخبرين : لماذا حبسوكم ؟! قلت : لأننا هاجمنا أمين عام الحزن الوطني .. قال: لا نحن لانتحدث في السياسة قلت في سري : ستسمع كثيرا عن السياسة طالما نحن هنا..

 وقال المخبرون : عموما احنا لدينا صحفي هنا من الأخبار .. قلت : أو حقا ؟! لابد انه قادم في قضية جنائية  فلايوجد صحفي محبوس في قضية نشر إلا نحن الثلاثة الماثلين أمامكم .. وحاول المخبر أن يتذكراسم هذا الصحفي ولكنه فشل .. ثم عرفنا فيما بعد انهم يقصدون "المطعني"  المسكين المحبوس بتهمة انشاء نقابة صحفيين موازية .. بعد أن تخلت عنه السلطات التي دفعته الى هذا الطريق !! ورثيت لحاله من الناحية الانسانية .. فالرجل اٌستخدم ودُفع وتم التخلي عنه !! بل وتحول الى مجرم !!

وفهمت أن هناك اصرارا على أن يشاركنا 3 مساجين في الزنزانة ، على أساس انهم مساجين طيبون وآخر لطافة وسيساعدوننا في كل شئ . وانتحيت جانبا بعصام وصلاح وقلت لهما : سيكون التكتيك المتبع اننا سنخضع لأي أوامر أو أوضاع .. وكذلك لن يكون لنا أي مطالب .. فقالا موافقون .. وقال صلاح : أنت خبير سجون وتصرف كما ترى انه في الصالح ونحن معك ، واسترحت فليس مطلوبا الآن سوى وحدتنا الصلدة .. وقلت لنفسي : " سأقود معركة صامتة مبتكرة مع هؤلاء الأوغاد الذين بعثوا بنا الى هذا االسجن .. وسأجعلهم نادمين باذن الله . "

ألا يكفي انهم أرسلونا الى سجن في أطراف الصحراء ، لارهاق أهلنا وزائرينا ، ألا يكفي انهم يصنفوننا

" جنائيين " ، بل يفرضون علينا 3 جنائيين حتى لانشعر بأي حرية في ادارة حياتنا داخل الزنزانة .. وتذكرت سيدنا يعقوب وهو يقول ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون )

( سورة يوسف ).

واتجهنا الى الزنزانة الجديدة وكانت أكثر نظافة من السابقة وتبينت اننا لن نرى الفناء ولايحزنون .. فلا أحد يمكنه أن يصعد الى فتحة التهوية الصغيرة العالية ، وهي كل اتصالنا بالهواء الطلق .. كذلك فان الفناء لايوجد به أي شئ ، فهو أجرد بلا زرع وعبارة عن ملعب مبلط .. كذلك تبين ان هذه الزنزانة قبلية .. والصيف على الأبواب .. وتبين لي فيما بعد أن هذا الجناح هو جناح الأموال العامة ، وعلمت أن السجن ليس متخصصا في المخدرات ، بل في جرائم القتل وكل اللي يحبوه .

ولعل ادارة السجن رأت أن تسكيننا مع مساجين الأموال العامة أوفق لأنهم ربما مستأنسون أكثر في التعاملات . والطريف أن ادارة السجن تكتب على كل زنزانة تصنيف النزلاء .. فهناك زنازين ( القتل ) - ( السرقة ) - ( الأموال العامة ) - ( المخدرات ) ... الخ الخ

وتساءلت مع نفسي : طب لماذا لايخصصون زنزانة للسب والقذف .. خاصة ونحن المواطنون الثلاثة وحدنا من بين 65 مليون مواطن مصري .. المحبوسون بهذه التهمة .

وبدأت معركة ترتيب أوضاعنا المعيشية وفقا للأولويات المعهودة .. بداية لاحظت ان صفيحة البول لم تنتقل معنا واختفت في ظروف غامضة .. فبدأنا رحلة البحث عن صفيحة جديدة .. والبحث عن كهربائي لتركيب سخان ، ولمبة كهرباء .

وبدأ رفاق الزنزانة يتوافدون وهم في حالة شديدة من الضجر ، لان الانتقال لخبط كيانهم فهم مستقرون مع أصدقاء وأقارب ، ثم ماهى المتعة في السكن مع هؤلاء البهوات الصحفيين الخطرين على الأمن .

قلنا لهم : نحن آسفون فليس هذا طلبنا ، بل هو مفروض علينا مثلكم .. وكان الثلاثة شباب في سن أولادي .. وهم على حسب طريقتنا في عدم ذكر الأسماء ( ترزي ) - ( موظف أمن ) - ( عرباوي ) وهو من العرب وحريص على تعريف نفسه بأنه عرباوي . ولاأتذكر مهنته ، لأنه سرعان ما تركنا وحل محله شخص آخر

( ميكانيكي ) والطريف أن الثلاثة محكوم عليهم في قضايا قتل رغم اننا في جناح الأموال العامة ..وعندما أوصاهم علينا المسير تبرموا وقالوا نحن لانخدم أحدا .. فقد كان لنا نبطشي في زنازيننا ، فقلت لهم : نحن لانريد من أحد أن يخدمنا وهونوا على أنفسكم . وبدت عليهم المرارة وأنهم أصبحوا في سجن داخل سجن .. وأصبحت مهمتنا أن نهون عليهم وأن نلاطفهم .. وتحولنا في النهاية الى خدمتهم كما سيتضح فيما بعد!!

وبدا أن ( موظف الأمن ) هو الحرك اللي فيهم .. فقلت له باعتبارك خبير في هذا السجن .. فلابد قبل الاغلاق أن نركب السخان ، ونؤمن صفيحة البول , ونحصل على كنكة لعمل الشاي .. وقفت في وسط الزنزانة كأم العروسة .. ارتب الحد الأدنى من ضرورات المعيشة ، وقطع هذه الشمطة استدعاؤنا للادارة من أجل التفييش ( فيش وتشبيه ) .. وهي عملية قاسية لأنك تبصم بكل أصابعك مجتمعة ومنفردة عددا لانهائيا من الصحف الجنائية .. كم كلفت الداخلية في سجني المتكرر من أحبار ( أمريكية الصنع ) وأوراق الصحف الجنائية ؟! لأن ميزة هذا الفيش انه مجانا ولاتدفع فيه أي رسوم !!

وقادنا شاويش في اتجاه الادارة لنرى في الصباح السجن الذي رأيناه بالأمس في آخر ضوء .. وكلما اقتربت من الادارة بدأت الخضرة تظهر .. واللوحات الجميلة التي تعتمد أساسا على اللون الأزرق .. فهي تنويع من مناظر البحار والمحيطات والبحيرات .. وهذا بلا شك مطلوب في الصحراء .. ووجدنا زنازين الادارة التي رأيناها خاوية بالأمس عامرة بالضباط والاداريين وقد دبت الحياة في السجن .. وتم توجيه الشاويش لكي يصعد بنا الى الدور الأعلى ولم نكن نعرف إلى أين نذهب ؟ فوجدنا أنفسنا أمام مكتب الضابط الذي استقبلنا بالأمس .. وبمجرد دخولنا ورؤيتي لمكتب فخم ، أو هكذا بدا لمثلي القادم من زنزانة جرداء .. ولم نكن قد تعدينا البارافان الذي يخفي الجالس على المكتب عن الداخل الا قليلا .. اذا به يقول للشاويش بصورة آمرة .. " خدهم لتحت لعمل الفيش " .. وعدنا من جديد الى المكاتب.. وكانت حركة " نص كم " فقد أراد أن يشعرنا اننا مجرد مسجونين عاديين .. فكيف يمكن أن يدخلوا مكتبه العامر ؟

فهل سيرحب بهم ؟ هل يطلب لهم شايا وقهوة ؟ ليعلموا انهم مجرد مساجين ؟!.. وكأننا نحن الذين طلبنا مقابلة سموه !!

فقلت لصلاح وعصام : تجاهلا هذه الحركات .. وفقا للخطة الموضوعة المتفق عليها ..

وفي غرفة الادارة القائمة خلف قضبان حديد ، وحيث وضعنا أموالنا بالأمس ، بدأت رحلة الفيش ..

وجاء ضابط بملابس مدنيةوربما موظف مدني ، ليملأ استمارات تتضمن : الاسم - العنوان - الوظيفة .. حتى وصل الى نقطة : هل لديك علامة مميزة ؟! قلت له انظر في وجهي فاذا رأيت آثار بشلة أو سكينة فاكتبها !! قال ليس هذا هو المقصود .. فقد تكون لديك شامة أوشئ من هذا القبيل قلت له : لاأعتقد أن لدى شامة ..

ووصل الى نقطة : هل لديك أصدقاء ؟ ومن هم ؟ .. ثم عاد وقال .. لأ أنت شخص مشهور وعلاقاتك كثيرة لاداعي لهذه النقطة .. واستدرت للشاويش كى " يفيشني ".. وأراد الضابط ( أو الموظف ) أن يكون أكثر لطفا .. فقال أنا اتابع االشعب وأقرأ مقالاتك .. قلت له : الحمد لله .

وكرر نفس الأسئلة على عصام وصلاح .. والشاويش منهمك في تزفيت أصابعي بالحبر الأمريكي .. فقلت له من سخريات القدر أن الكلابشات انجليزية والحبر أمريكي .. انه نفس الحلف الأنجلوسكسوني . ولم يبدو على الشاويش انه فهم مقصدي .. وهمس في اذني : لماذا انتم هنا يا أستاذ ؟! قلت له : يبدو أن الرئيس مبارك غير راض عني ؟! قال : سمعت انك كنت تسافر معه ، قلت : حدث هذا ثلاث مرات فقط .. ويبدو انني أغضبته بشئ لاأعلمه .. فقد كان لقاؤنا الأول حميما .. وكان حريصا على التبسط معي حتى تصورت ان صداقة يمكن أن تنشأ بيننا .. صداقة متكافئة بين رئيس جمهورية ومعارض !!

ولاحظ الشاويش انه تورط معي في أحاديث لاقبل له بها .. فعاد الى الصمت ومواصلة تزفيت أصابعي بالحبر الأمريكي وطبعها على عدد لاينتهي من الأوراق .

وفي الأثناء كان صلاح يواصل عمليات غسيل المخ مع عدد من الضباط .. كنت أول من تم ( تفييشه ) ، فتم سحبي لعملية التصوير بلوحة تحمل رقمي .. صورتين من الأمام ومن الجنب .. ورأى المصور أن يصورني في الشمس ، فخرجنا الى الباحة من باب جانبي ، وصورني صورتان من الأمام ومن الجانب الأيسرفقلت له:  لماذا لاتاخذ ثالثة من الجانب الأيسر؟!.. وعدنا من جديد الى المبنى وكان رقمي 21547 وأنا عادة أنسى أرقامي .. ولكني حفظته هذه المرة . كانت المهمة قد انتهت وعدنا ادراجنا .. وفق اجراءات معقدة فعند باب العنابر هناك دفتر يتم فيه تسجيل تفصيلي للداخل والخارج ( وعلمنا فيما بعد ان السجن شهد حالة هروب منذ عدة شهور ) . وفي الطريق وجدت الكانتين في طريقنا ، فطلبت من الشاويش أن نتعرف على محتوياته لأنه سيكون ركنا أساسيا في حياتنا ، وكان مغلقا ولكن البوفيه كان مفتوحا حيث تباع فيه الخضروات والدواجن والكبد واللحوم الهندية المجمدة .. فاطمأننا على مستقبلنا .. وقلت لصلاح جاء دورك الآن في الطبيخ .. ولكننا اكتشفنا ان استخدام أموالنا بصورة فعلية سيمر باجراءات بيروقراطية معقدة وعلينا أن ننتظر لأول الأسبوع أو لأول الشهر لا أتذكر .. وواصلنا طريقنا الى العنبر ( ج ) فأشار علينا المسير وكان على باب العنبر : عزت بيه هنا لابد ان تسلموا عليه ، قلت له : من عزت بيه ؟!قال : النقيب عزت قائد العنبر .. ده أحسن قائد عنبر .. قلت : فعلا لقد قالوا عنه ذلك ، وكان عزت بيه جالسا على كرسي محاطا بعدد من المساجين ، وهو يحتكم على ألف مسجون على أقل تقدير .

صافحته ولم يقف من على الكرسي .. وأعطانا محاضرة في أن المساجين هنا متساوون في الحقوق والواجبات .. وانه يعامل الجميع معاملة طيبة على قدم المساواة .. فقلت له : نعم السياسة ، واستأذنت منه وتوجهنا الى العنبر .. وهمس عصام : هل لاحظت المحاضرة التي أعطاها لنا ؟! قلت له : لعل الرجل حسن النية ، ولعل هذه طريقته ، وهى طريقة سليمة .. كما اننا فعلا لانريد منه شيئا ، ولن نتعامل معه بل سنتعامل مع سيادة ( المسير) فقط !!

وعاودت اهتمامي بتوفير الحد الأدنى من ضرورات المعيشة .. وبدأت أفكر في وجبة الغذاء .. نحن جئنا من تخشيبة الخليفة وقد نفذ معظم ما نمتلكه من نواشف ، والآن لايمكن ان نشتري من الكانتين وسنجد حلا باذن الله بدون أى استرحامات للادارة لفك أرصدتنا المالية المجمدة !! في الصباح جاء العدس الميري .. ورأيته معقولا وبدأت آكل بنهم ، وأشجع صلاح وعصام على المشاركة ..

ولدينا وجبة غذاء ميري .. ولكنني الان يجب أن أتصرف كرب اسرة حادب على أفراد الأسرة الصحفية بالاضافة الى النزلاء الجدد .. كذلك كنت قد وعدت عصام مرارا انه " هيجي كتير مبسوط " !! وكانت خطتي قائمة على مقاطعة الضباط بكل رتبهم ، وكذلك كل صف الضباط والمخبرين .. والاقتصار في التعامل مع المسير .. وهكذا يفعل أصغر سجين جنائي .. وكانت هذه وسيلتي في الاحتجاج على ما نكابده .. وفي نفس الوقت وسيلتي في الالتحام بجموع المساجين .. عندما يرون اننا لانأنف المساواة معهم .. بل نستعذب ذلك .

 فاذا كانوا يتصورون اننا يمكن أن نتعرض للاذلال والتعب .. بمعاملتنا كمجرد مجرمين عاديين .. اذن سنعاملهم على أساس القبول بذلك .. وسنرى خطة من التي ستفوز ؟!

وذهبت الى سيادة ( المسير ) .. وقد بدأت أتأكد لماذا أشعر انني رأيته من قبل ؟!انه صورة طبق الأصل من عبد العال الباقوري زميلي في مجلس النقابة .. نفس اللون .. نفس الطول .. نفس العيون .. نفس النظارة .. نفس طريقة الكلام .. وحتى نبرة الصوت .. كان صورة كاربونية منه حتى في ضحكته .. وأخذت أضحك في كمي .. وأقول : ها أنت ياباقوري في السجن ..

قلت لسيادة ( المسير ) .. وقد بدأت أرتاح له : نحن سنأكل أكل السجن ، ولكننا لانطلب طلبا خاصا أو ترفيهيا يخرق المساواة بيننا وبين باقي النزلاء ، نحن نريد ان نشتري من البوفيه شكك .. ونحن لدينا - ثلاثتنا - أكثر من ألف جنيه في الأمانات .. وحق البوفيه لن يضيع .. فقال هذه اجراءات معقدة .. ولكني سأشتري لكم من حسابي ونتحاسب فيما بعد، قلت له : عفارم عليك هذا هو حق الزمالة وأخوة السجن .. الآن سأرسل لك صلاح بديوي .. كي يحدد لك مطالبه لأنه هو خبيرنا في الطبخ .. وبعد قليل عاد صلاح بلحم هندي مجمد ولوازم طبخه ..

في هذه الحظة استطعت لأول مرة ان أرتكن الى الحائط في الزنزانة وأشعر بارتياح فقد أديت الأمانة .. أمانة اليوم الأول ، كانت الساعة قد وصلت الى الثانية عشر ظهرا ، وفكرت في الذهاب الى العيادة لمتابعة أحوال ضغط الدم !!

*************

أنا عادة لا أهتم بصحتي - وهذه من مساوئي المعروفة - ولكنني في السجن أكون أكثر اهتماما ، ليس بدافع القلق فأنا مطمئن في السجن كما في خارجه الى أن لكل أجل كتاب ، ولكن لأني في السجن يكون لدى بحبوحة من الوقت ، فألتزم اكثر بالتوجيه الاسلامي ( ان لبدنك عليك حق )  ، كما انني كنت اتناول دواء الضغط ويجب ألا أن أتعاطاه عمال على بطال ، ووجدت الذهاب الى المستشفى سهلا عن طريق المسير - الذي يبدو انه رجع لعزت بيه فوافق على الفور - وسحبني أحد العساكر .. وهي فرصة لرؤية الحدائق الغناء ، واللوحة الجميلة التي تصور البحر .. وانا أعشق البحر .. وجدت المستشفى نظيفا ، ولم يتركني الطبيب الضابط واقفا على بابه طويلا ، فأدخلني .. كان ملازم أول ومعه مدير المستشفي .. طبيب مقدم أو عقيد ، وتعرفا علىٌ ، وتولى أمري الملازم أول .. وكان شابا لطيفا ودودا ، ووجد الضغط مايزال مرتفعا ، ونصح باستمرار الدواء ، وأعطاني علبة اضافية ، وسألني مدير المستشفى : ما سبب هذا الارتفاع الكبيرفي الضغط ؟ قلت له : أحوال البلد كما ترى ترفع الضغط .. فابتسم وخفض عينيه فهو لايريد التورط في أحاديث سياسية..

وخلال وجودي في المستشفى الذى تبين لي أنه لايوجد به نزلاء فهو لايزال غير معد لذلك لأن الأمر يحتاج لرفع عدد قوة الأطباء .. وبالتالي فان المستشفى لايزال عيادة متطورة ، خلال وجودي في (العيادة) التقيت بمسجون مدرك لكل ما نشرناه.. وأخذ يشرح لي معلومات دقيقة عن زراعة الطماطم بالهرمونات .. وان هذا الأسلوب المدمر منتشر في منطقة القطا ( الزراعية ) ، بين كبار المزارعين وذكر لي اسم أحد الوزراء كأحد ملاك هذه المزارع ، وقال لي انهم يزرعون الطماطم حسب أسعار السوق .. فاذا ارتفعت أسعار الطماطم زرعوها  فورا بالهرمونات ، وهى تنضج بذلك في خلال أيام قليلة .. وهكذا فان الجشع وراء هذه الحملة لتدمير صحة الشعب االمصري بهرمونات اسرائيل السرطانية ( هرمون تومست المحظور دوليا ) .. وكان ارتياحي كبيرا .. فيكفي أن أجد واحدا في هذا القفر البعيد ، يفهم بالدقة مغزى حملتنا وعدالتها .. ثم عدت للحديث مع الضابطين .. الذين دعواني للجلوس قليلا .. وخلال ذلك جاء عزت بيه .. ولاأعتقد أن مجيئه كان مصادفة ، وواصل حديثه معي حول اهتمامه بالمساجين وأخرج لي طلبات من جيبه ليوضح لي كيف يتفانى في خدمة الجميع ، وقلت له : أنت تقوم بواجبك على خير وجه، وفي الأساس فأنت مأجور من الله عز وجل.. قال لي : تصور المساجين يقدمون طلبات ليعرفوا موعد خروجهم - وهم يعرفونه- ومع ذلك أحقق في طلباتهم .. فقلت له : صبرا .. فنحن أيضا سنقدم بعد أيام طلبا مماثلا .. وانت تعلم أن المسجون يكون قلقا ، فأحيانا تظهر له في اللحظة الخيرة أحكام جديدة .

شعرت انني أخذت من وقتهم كثيرا ، فطلبت الانصراف ، ولكنني قبل ان أنصرف قلت لعزت بيه : في اطار المساواة التي تتحدث عنها .. فان المساجين مصنفون على أساس الجرائم .. فهذه زنزانة القتل وتلك زنزانة السرقة .. الخ فلماذا بمفهوم المساواة لاتخصص زنزاننة لجريمة السب والقذف .. فقال والله بسبب زحام السجن أنت تعلم أن الأودة يصل عدد من فيها الى 12 سجين هنا ، قلت له : أنا لاأتحدث عن سجن القطا .. أنا أتحدث عن سجون الداخلية كلها .. ألا تجد وزارة االداخلية زنزانة منفردة لنا في أي سجن حتى لانختلط بمجرمين من نوع مختلف عنا ، أو لتحمي المجرمين الآخرين منا فلعل جريمة السب والقذف أخطر بما لايقاس ..

فابتسم عزت بيه وأسقط يده .. وكنت أعلم انه ليس له من الأمر شئ ، وقلت لهم : سلام عليكم .. وسحبت الشاويش معي الى العنبر !

وخلال العودة تساءلت هل خرجت عن السيناريو ؟! لماذا شكوت لعزت بيه ؟ أنا لم أسع اليه بل هو الذي جاء الى المستشفى ، كذلك هو الذي فتح الأحاديث معي ، وكنت مضطرا لاسكاته في حديثه عن المساواة .. وااضطررت أن أقول له ما معناه : انه لايقو على مساواتنا بباقي الجنائيين .. وأننا في وضع أدنى منهم!

 وعلى أى حال فانا لم أطلب أى شئ خاص أو ميزة ، ففي كل السجون تقريبا توافق الادارة عادة على تلبية رغبات المساجين في التسكين قدر الامكان ، لأن هذا يجنبها كثيرا من وجع الدماغ .. كما أن كثيرا من المساجين يملكون وسائل غير شرعية لتحقيق رغبتهم في السكن مع فلان أو علان من أصدقائهم ..

وفي طريق العودة وجدت أحد المساجين ينظم ويهندس في الحديقة ، فقلت في سري : هل سيأتي حبيب العادلي لزيارتنا ؟! وألقيت عليه بالسلام .. فرد علىٌ مرحبا .. وعندما تجاوزته مع الشاويش  الممرافق لي .. اذا به يصيح علىَ : إزي أخبار د . محمد عباس .. قلت له كويس جدا أنت تقرأ له اذن .. قال طبعا ..

وقلت لنفسي : عندما ألتقي د. محمد عباس فسأبلغه بهذا النبأ الذي سيسعده جدا ، ان سجينا طاعنا في السن في سجن لايسمع به أحد في قلب الصحراء .. يحبه ويقرأ له ، ( وقد علمت فيما بعد أن الاشتراك في جريدة الشعب عن طريق ادارة السجن غير ممكن .. ولكنها تدخل فقط مع الزيارات ) .

 وعندما عدت الى الزنزانة واصلت ترتيب أحوالنا المعيشية ، وقام صلاح وعصام بأول جولة استكشافية بين المساجين .. وكانت المؤشرات الأولى كلها ايجابية .. فهناك ترحيب كبير بنا .

قلت لموظف الأمن شريكنا في الزنزانة : أسوأ شئ في السجن حكاية القفل الساعة الخامسة بدون دورة مياه .. قال : خمسة ؟! من قال هذا ان القفل يكون الساعة الثانية والنصف .. قلت له : هذا أمر غير انساني . 17 ساعة بدون دورة مياه .. قال لي : لقد تعودنا على ذلك .

 وأخيرا جاء المسير وأكد لنا أن الباب يمكن أن يكون مفتوحا لنا حتى الرابعة والنصف أو الخامسة .. ولكنني رغبة مني في عدم التمييز بيننا وبين باقي المساجين .. وفي حوالي الثالثة والنصف .. قلت لعصام وصلاح : لننهي مهمتنا في دورة المياه .. حتى نستلقي ونستريح ونتعود على هذه المواعيد .. ( والحقيقة أن القفل يبدأ في الثانية ونصف ويستمر لمدة ساعة أو ساعة ونصف .. ويبدأ بالضعفاء أولا وهكذا فان ذهابنا الى الدورة في الثالثة والنصف يعني اننا في حالة متوسطة بين الضعفاء والأقوياء !!

وتم الاغلاق الساعة الرابعة ، وكان مع الميكانيكي بعض الأكل المطبوخ من انتاج زنزانته السابقة .. وكان معنا أكل السجن ( ربما لوبيه ) . ولكن بديوي كان لابد أن يستعرض فنون الطبخ فبدأ في صناعة الشوربة باللحم الهندي والذي طالما هاجمناه باعتباره لحما موبوءا ، ولكننا كالمضطر يأكل الميتة وكذلك قدم لنا السجن مع اللوبيه لحما هنديا أيضا !! أقوى من كاوتشوك ماركة النسر، وقلت لنفسي : لماذا لايقدمون لنا كاوتشوكا يابانيا أو كوريا فلربما كان أسهل قضما وأيسر هضما ؟! فقد حاولنا انضاجه ولكن هيهات !! لأن الغليان لايزيده الا صلابة وعنادا! وتعلقت بالآمال - كل الآمال - بشوربة بديوي ، وكنت واثقا منه وقد خبرته على مدار 4 شهور في سجن مزرعة طرة .. وأخذت أطمئن الجميع بأنهم سيأكلون أصابعهم وراء اللحم الهندي

( وكانت يدي في الحقيقة على قلبي ) ..

المهم لقد ثبت منذ اللحظة الأولى أن النزلاء الجدد الذين جاءوا بهم بزعم انهم سيخدموننا، اذا بهم غضة أصابعهم ، واذا بنا سنرعى شئونهم.. وحقيقة فانهم لن يفعلوا شيئا الا ( الشاى ) طوال فترة اقامتهم معنا .

وانتهى بديوي من اختراعاته وكنا أمام وليمة بمعنى الكلمة .. ( أكل السجن - أكل بديوي - أكل الأخ الميكانيكي ) وقلت هذا أكثر من قدرتنا ولا أعتقد اننا سنستطيع ابادته .. أنا شخصيا اكتفيت بشوربة بديوي .. وقد شعرت انها رائعة .. وكلت نصيبي من اللحم الهندي بنهم وسعادة .. ولعله جوع الأيام الماضية ..

وبدأنا نصلي جماعة ، وهكذا كتب علىٌ أن أكون اماما لخمسة مصليين .. فأنا دائما أهرب من هذه المسئولية الثقيلة .. وعندما وجدت ( الترزي ) تظهر على ملامحه الورع .. وفي جبهته زبيبة كبيرة .. قلت له : يبدو انك حافظ القرآن كله فلماذا لا تأمنا رحمنا ورحمك الله ؟! ودهشت عندما علمت انه لايجيد القراءة ولا الكتابة .. ولايحفظ الا اليسير من القرآن ..

****************************

 كنت شديد القلق على صلاح وعصام فهما لأول مرة يعيشان بدون دورة مياه أما أنا فقد خبرت هذا الموقف مرتين : مرة في سجن الاستئناف عام 1985 لمدة اسبوع واحد .. حيث لاتوجد دورات في الزنازين .. ومرة اخرى في سجن طرة المحكوم لمدة اسبوع عام 1991 أثناء حرب الخليج ، ولقد اجتزت التجربتين بنجاح ساحق .. ولكن هل جسدي يملك نفس الكفاءة عام 2000 ؟! وتذكرت الاجراءات الدفاعية في مثل هذه الأحوال .. فيجب عدم الاكثار من الأكل مساءا .. وان تكون الوجبة الرئيسية في الافطار ( فول أو عدس )..

كذلك فان الانتوسيد هو خط الدفاع الأخير !!

وبصورة متقطعة .. كنت أؤكد لهما ان بقاءنا هنا وضع مؤقت ولن يستمر طويلا .. فلنتحلى بالصبر .. قلت: ان هذا لن يستمر أكثر من اسبوع أو عشرة أيام ، أو على سبيل الاحتياط يمكن أن أقول أنه لايمكن ان يستمر أكثر من اسبوعين ، وحاسبوني فيما بعد على هذا الكلام.. وسيساعد  على ذلك الالتزام بالخطة الموضوعة فليس لنا أى مطالب ، كذلك لايتحدث أحد مع الادارة سواي .. اذا استدعى الأمر أى شئ .. واذا حدثكم أي ضابط أو مخبر فلا تطلبوا شيئا أو تشكو من شئ .. والحقيقة انه لولا صلابة عصام وصلاح ماكان لخطتي أن تنجح ، وهى صلابة غير مفاجئة لي وقد خبرتهما طويلا .. ولولاها ما خاضا كل هذه المعارك بالقلم والريشة .

وبدأ صلاح بجهود شاقة تطييب خاطر الضيوف الثلاثة .. الذين كانوا متكدرين على الآخر ففي زنازينهم الأصلية .. يهرجون ويغنون ويرقصون ويلعبون الدومينو..أما هنا فماذا يفعلون مع هؤلاء المثقفين الكشرية؟! وشرح لهم صلاح قضيتنا وكان عصام متعبا بعض الشئ .. من آثار الاضراب .. ولانه كان في بداية طريقه لتنظيم جهازه الهضمي ، وكانت لديه بوادر برد .. أما أنا فحاولت رغم الندوة المقامة أن أواصل مشوار القراءة ، فأنهيت كتاب " فلسطين والحقائق القرآنية " الذي يركز على شرح العلو الأول والثاني لبني اسرائيل ، ورغم أن الدراسة حلت في ذهني ألغازا .. واستراح قلبي لبعض ما فيها إلا انني لم أر أن هذه الدراسة على أهميتها قد حلت بصورة جازمة مشكلة تفسير الآيات الأولى من سورة الاسراء ، ولطالما شغلتني هذه الآيات إلا انني لم أجد أي فرصة لدراستها ..

هذه الآيات نموذج لاحتياج تفسير القرآن لجهد الجبابرة في بعض مواقعه على الأقل .. ان هذه الآيات تحتاج لما يوازي عدة رسائل دكتوراه لحل معضلاتها . فلا أفهم ان يتصدى لتفسيرها أحد دون أعمق دراسة لتاريخ بني اسرائيل .. طبعا توجد دراسات لم أقرأها .. وبعضها في مكتبي بمنزلنا .. وقد تشفي غليلي .. ولكنني وفقا للأولويات لن أقوم بهذه المهمة في السجن .

بعد انتهائي من الكتاب حدثت حلقة نقاش ثلاثية حول الكتاب الذي قرأناه جميعا وكان صلاح متحمسا تماما للكتاب .. وأنا لست ضده ولكنني أقول انه لايكفي .. وكان عصام أقرب الى وجهة نظري .. وهو مصمم غلافه وهو من أحسن الأغلفة التي يمكن أن تكون لكتاب .

ولم أرد ان أتعرف على زملائنا الجدد فالوقت مايزال طويلا أمامنا .. ولابد أن نعودهم على هذه الكارثة

( احترام بعض الأوقات للقراءة ) !!

كانت السيطرة قد تمت على الموقف مع الصراصير إلا أن الجبهة ما تزال مليئة بالثغرات .. ولابد من تطوير الهجوم في الأيام القادمة ..

**************************

بعد اغلاق الزنزانة وجدنا من يفتحها .. وهذا عادة لايحدث الا اذا كان هناك حدث جلل .. ودخل علينا ضابط برتبة رائد حاملا حلة وأطباق وملاعق بلاستيك .. وقال هذه لكم .. فسألته : هل هذه عهدة يجب تسليمها عند الخروج ؟ قال: لاتعتبرها كذلك .. هل تريدون أى شئ آخر ؟ قلت له : بعد هذه الهدية لم يعد ينقصنا شئ والحمد لله .. ، وخرج الرائد المهذب الوسيم . وساعتها نظرت لعصام وقلت له : ألم أقل لك انك " هتيجي كتير مبسوط " !!

وكنا قد تسلمنا كل منا بدلة سجن زرقاء .. وطاقية ذات رفرف .. وعندما أرخى الليل سدوله .. قلت للأخ (الترزي ) الآن جاء دورك يابطل .. فلابد ان نستفيد من وجودك معنا دون أن تأخذ أتعابا ، فوافق ، وعندما قمت بقياس البدلة كانت مضبوطة إلا أن العراوي كانت مغلقة ، ولدهشتي وجدت انه لايحمل أى أدوات لأنه لا يعمل ترزيا في السجن وانه سيحل هذه المشكلة غدا .

وكان نومنا هذه الليلة أفضل من سابقتها .. فالحمد لله من قبل ومن بعد .

                                                                                يتبع