أين مصـر ؟!

 

 

بقلـم : محمـود شنب

mahmoud.sh@islamway.net

mahmoudshanap@yahoo.com

 

 

فى الليلة الظلماء يفتقد البدر ..

أين مصـر ؟!

لم يعرف التاريخ عن مصـر فى تعاملها معه مثل هذا الجحود والنكران !!

لم يُخنق لها صوت بقدر ما هو مخنوق الآن !!

لم يُضام لها حاكم ولا سلطان بمثل ما هو حادث الآن !!

أين مصـر ؟!

سؤال بات يتردد على كل لسان ..

كيف أخفاها النظام ولم يترك لها عنوان ؟!

وهل بهذه السهولة يمكن أن تختفى دولة ولا يبقى منها غير أبو الهول وبعض الآثار ؟!

... حتى الآثار تم سرقتها ولم يبق منها غير ما صعب حمله !!

من يوم أن غابت مصـر عن الساحة الدولية فاز الباطل بكل جوله ولم يعد للحق دولة .. وظهر الضيم والهوان .. وظهر الذل والإنكسار ..

أين إختفت مصـر ... وكيف إحتواها الأشرار ؟!

سؤال يسأله كل عربى وكل افريقى وكل مسلم وكل إنسان ... أين مصـر الآن ؟!

وإذا بقى الحال على ما هو عليه الآن ... فلمن تشرق الشمس .. ولمن يجرى النيل وتبتسم الأزهار ؟!

لمن ينبض القلب ويصفو الليل ويرتفع النهار ؟!

لمن تدق أجراس المدارس والكنائس وتهطل الأمطار ؟!

لمن تعلو المآذن وتـُضاء المساجد ويُرتل القرآن ؟!

إن مصـر أكبر من أن تؤسر ، وأعز من أن تـُنهر ، وأعظم من أن تـُقهر ..

إنها كنانة الله فى أرضه ... وأهلها خير جند الأرض ..

إنها أزهر الماضى وغليان الحاضر وأمل المستقبل ..

إنها أحق منا من الإبن والزوج والأخ والحبيب ..

مصـر تحتاج لمن يزيل الغبار عنها ويرد البصر إليها لترى ما نحن فيه الآن ..

مصـر فى حاجة لمن يأخذ بيدها ويناصر بها أصحاب الحق والمبادئ وأتقياء الأمة وأصحاب الضمير ..

مصـر فى حاجة لمن يرفع عرشها ويعلى صوتها ليرتفع قدر الإنسانية جمعاء ..

مصـر فى حاجة لمن يعيدها واقفة ... أقدامها على الأرض ورأسها فى السماء ليلتف الجميع من حولها من جديد ..

لن يقنعنى أفاق ـ مثل الذى تلى بيان الحكومة وصفق له اللصوص ـ ان مصـر بخير ..

إن من يتحددثوا باسم مصـر الآن وهم فى السلطة ليسوا من أهلها .. إنهم عمل غير صالح .. إنهم استنساخ للشر الكامن فى كرومر وزويمر ودنلوب ، وكل رموز الغرب الفاسد .. الغرب الذى يحتفل بميلاد المسيح بالزنا والخمر والشذوذ وكل أفعال المنكر ..

الغرب الذى تلوث حتى النخاع ولم يعد يصلح إلا لنشر الروائح النتنة والفضائح القذرة ونحن نمضى من خلفه تاركين أعز دين ..

الغرب الذى زوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة وأقام لهم طقوس ومراسم الزواج علانية وفى دور العبادة ..

الغرب الذى ينقل للعالم كله تفاصيل العلاقات الجنسية الشاذة بوجوه تتغير كل يوم ـ وكأنه مزرعة للبغاء ..

الغرب الذى يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ، ونحن له سندًا وعوان ..

أبدًا لن يقنعنى إنسان بأن بلادى الآن واقفة على أقدامها وليست فى غرفة الانعاش يلتف من حولها اللصوص ..

ليس هذا صوتها ولا تلك أخلاقها ولا هذا نبلها .. إنه صوت من اختطفوها وأخفوها على أنغام نشيدنا القومى بلادى بلادى بلادى لكى حبى وفؤادى ..

إنه صوت من أكل خيرها وبال عليها ..

صوت من شد وثاق تخلفها وساعد فى تكبيلها وتكميمها ..

صوت من غدر وسرق وخان وفسق ..

صوت أوركسترا كل عضو فيها يتحرك وكأنه شيطان يقهقه وعميل يزهو وخائن يتبجح ويقول "أنا ربكم الأعلى" ..

إن صوتها يكمن فى صوت الأجير الذى يئن واليتيم الذى يبكى والأزهر الذى يصْـفـُر والتعليم الذى ينهار والغذاء الذى يقتل .... وكلها آهات محبوسة تبكى مصـر ونكبتها !!

يكفى ـ ولا شئ آخر ـ إن مصـر اليوم أصبحت ظهيرة للمجرمين ..

يكفى أن يذكر التاريخ انه فى الفترة التى ساد فيها البغى الأمريكى كانت مصـر هى السند الحقيقى ومن بعدها ذباب الخليج وأذناب البقر ولصوص البترول ..

ليست تلك مصـر المعجونة بماء الكرامة والكبرياء ..

ليست تلك بلدى .. بلد العادات السوية والتقاليد الأبيه والحب والحياء ..

مصـر التى كان يدافع فيها القوى عن الضعيف ويدفع فيها الغنى للفقير ويراعى فيها القادر الأرملة والمسكين ويغاث فيها الملهوف وابن السبيل ..

مصـر التى بلغ صيطها وصوتها عنان السماء ..

وما نراه اليوم فيها ليس أكثر من اناس يفخرون بالماضى البعيد ويتباهون بتماثيل وأحجار ما زالت تصرف عليهم حتى الآن منذ سبعة آلاف عام أو يزيد ..

مصـر اليوم التى تعادى الدين من أجل الغاصبين وتمد يدها للكفرة من أجل لقمة عيش مصحوبة بكسر العين ـ ليست بلدى ..

ليست بلدى التى تتكون من شوارع كل ما فيها غريب من أسماء إلى عادات إلى إنفلات فى كل شئ ..

لقد أصبحنا ـ كشعب ـ نمثل إحدى البرامج التى تضاف لمزارات السياح ليشاهدوا فينا ما أحدثه القهر والفقر فى خير أجناد الأرض ..

لقد أصبحنا إحدى عجائب الدهر ..

فى الوقت الذى يجب أن نعلن فيه الحداد على ما أصابنا والاستعداد لما سوف يصيبنا .. نعلن فيه بكل فخر عن حفلات ليالى التليفزيون !!

فى الوقت الذى تتلون فيه أرض الإسلام بالدماء .. تتلون فيه سماء القاهرة بليالى الصخب وأنوار اللهو وأصوات الغناء !!

فى الوقت الذى نبحث فيه عن مخرج لما نحن فيه من هموم .. يبحث فيه الخونة عن مخرج فيما لو ثار الشعب إذا ما ضرب العراق !!

فى الوقت الذى يخطط فيه الغرب لإقتلاعنا من الجذور .. نخطط فيه أكثر لإعلاء شأن الفجور !!

فى الوقت الذى يجب فيه أن نستحى من أفعالنا .. يتبجح إعلامنا وينشر على الملأ فضائح دولة ما عاد لها ضابط ولا رابط !!

فى الوقت الذى يطور فيه الغرب سلاحه .. نطور نحن أشكال الهوان ، ونبتكر أساليب جديدة لفن التنازلات والتمسك بالانبطاح كخيار استراتيجى !!

قص لى عائد من شرم الشيخ عن مصائب لا حصر لها ... قص لى عن أفواج من طلبة كليات القمة يتراقصون فى صالات "الدِسكو" هناك مع مومسات أجانب ، وفى يد كل طالب زجاجة ويسكى وإمرأة لعوب ، وفى نهاية الرقص يصحبها إلى حيث يشاء ..

قص لى أيضًا عن "خليج نعمه" بشرم الشيخ مقسمًا بأنه لم يرى هناك أى آثر يشعرك بأنك على أرض مصـرية ، حتى اللغة لا تجد كلمة واحدة باللغة العربية .... وسألنى : متى انفقت كل هذه الأموال وفى بلادنا ملايين العاطلين ؟!! ... وقال فى ذهول : لما لا تهتم الدولة بالتصنيع الحربى بنفس إهتمامها بقطاع السياحة ـ مكملاً فى حسرة ـ إننا مع أول طلقة مدفع أو طلعة طيران لن نجد فى بلادنا سائح ، ولن نجد فى ديارنا سلاح .. فأى إستثمار هذا الذى يتحدثون عنه وقد تركوا إستثمار الإنسان ؟!!

المسئولون يتنقلون من الإسكندرية إلى شرم الشيخ إلى مرسى مطروح ، ونحن نتنقل من مستشفى إلى مستشفى بحثـًا عن علاج ومن بلد إلى بلد بحثـًا عن عمل !!

تعليمنا يقف على أقدام صناعية إحداهما قائمة على الدروس الخصوصية والأخرى قائمة على الغش ( من سهولة مناهج .. إلى سهولة أسئلة .. إلى سهولة تصحيح ..... إلى طوفان من عمليات الرفع والتدليس ) !!

أزهرنا فى أجازة طويلة مدفوعة الأجر وأبواب الحق فيه مغلقة ..

قضاؤنا فى غفلة وقد أصبح تحت السيطرة ..

وحكامنا ـ إن كان لنا حكام ـ فى حالة إنسجام تام مع الغرب ..

ألم تشبعى يا بلادى غناء ؟!!

ألم تشبعى لهو ورقص وبغاء ؟!!

ألم تستحى .. وأنتِ تنظرين من حولك وتشاهدى الأمم التى كانت أقذام تحت أقدامنا وقد صارت نمور فوق رؤوسنا ؟!!

ألم تشتشعرى الخطر الذى يحوطك من كل جانب وقد وصل حتى ماء النيل ؟!!

يا أمة اللهو .. متى الإنتباه ؟!!

أربع زلازل فى عشر سنوات فى بلاد عاشت العمر مستقرة وأرضها غير قلقة ... ولا نتعظ !!!

يقول تعالى : (( ففروا إلى الله )) وقد كشفتنا الزلازل ونحن "نفر من الله" ...

لمن ندق الأجراس .. وكل مسئول فى بلادى لا يملك من أمره شئ ؟!!

لمن نوجه الصرخة .. والقطار يجرى من غير سائق والسفينة دون قبطان ؟!!

فى يوم من الأيام ... ماتت لدكتور صديقى طفلة فى عمر الزهور كانت فى يده .. إغتالتها سيارة نقل أمامه بعدما غفل عنها لحظة عبرت خلالها الطريق وأثناء عودتها شاهد الحادث قبل وقوعه ولم يستطع أن يمنعه ... شاهد إبنته وهى تجرى إليه والسيارة تجرى إليها .. وقف مذهولاً .. لم يستطع أن يوقف السيارة أو إبنته .. وفى لمح البصر وقعت الكارثة .

مصـر الآن هى الطفلة البريئة التى غرر بها الغرب وأصبحت أمام كارثة لا نستطيع منعها ..

يموت الوطن أمام أعيننا .. ونصفنا فى السجون والنصف الآخر على أرصفة البطالة يشاهدون الإغتيال ..

أين مصـر ؟!

أين مصـر .. فى ظل تأبيدة الطوارئ وفكر الاعتقال ..

أين مصـر .. فى ظل أحبار سمير رجب وأخبار إبراهيم سعده وعار فاروق حسنى ودمار يوسف والى وربا سيد طنطاوى وتعليم حسين كامل وإعلام صفوت الشريف ..

إن مصـر تاهت من يوم أن قالوا مصـر السادات ومصـر مبارك ... وضاعت من يوم أن اختصرت العالم كله فى صداقة أمريكا وإسرائيل ؟!

ضاعت .. من يوم أن حَوّل قبلتها أولاد الحرام من المسجد الحرام إلى البيت الأبيض وتل أبيب ..

ضاعت .. من يوم أن كممها لجام الطاعة وأرهقها قهر الوضاعة ؟!

ضاعت .. من يوم أن باتت مروضة لأسود الشرق ، وممرضة لكلاب الغرب ، ومزرعة للنعام ، ودجاجة ترقد شاحبة على بيض السلام ؟!

ضاعت .. من يوم أن جعلنا أرض طابا منزوعة السلاح وأرض حلايب مدججة بالسلاح ؟!

ضاعت .. من يوم أن أصيب كل مسئول فيها بقرحة الفراش وسواد الوجه وهشاشة العظام ؟!

ضاعت .. من يوم أن نسينا عمرو بن العاص ، وطردنا عمرو خالد ؟!

أين مصـر ؟!

أين مصـر يا خالد بن الوليد ، ويا خالد الاسلامبولى ، ويا صلاح الدين ؟!

أين مصـر يا دمعة عار ونار فى فلسطين ؟!

أين مصـر والأجانب يدخلوها آمنين ، وأهلها خلف قضبان الزنازين ؟!

هل أجدك يا مصـر فى حكم قاضى ترك خلف القضبان ستون ألف برئ ولم ينصفهم ؟!! .. أم فى قول كاتب ترك كلمة الحق رياءً للسلاطين ولم يفضحهم ؟!! .. أم فى شعب قادر قبل المرض والبطالة وجمع قوته من أكوام الزبالة ؟!

هدانى قلبى وقال :

أنظر فى عيون الغلابة والأتقياء ... ستجد مصـر ..

أنظر إلى الناظرين إلى السماء ... ستجد مصـر ..

أنظر إلى من يزرعوا الحُب والحَب بدمع الشقاء ... ستجد مصـر ..

أنظر إلى من يعلقوا الصبر بأهداب الرجاء ... ستجد مصـر ..

أنظر إلى من يستنبتوا الأمل من بين زنازين السجون ... ستجد مصـر ..

أنظر إلى كل أم سطرت : إبنى فداء دينى ..... لتجد مصـر ..