بقلم
: محمد
عمارة
ان
ثنائية
المقابلة
والتناقض بين
«العقل» وبين
«النقل» هي
خصيصة من
خصائص
المسيرة
الحضارية
الغربية، ولا
أثر لها ولا
نظير في
الإسلام وتاريخه
الفكري
والحضاري.
ففي
الحقبة
اليونانية،
كان الاحتكام الى
برهان العقل
وحده، ولم يكن
هناك وحي ولا
نقل يزاحم
العقل، الذي
كان سلطانه
فوق كل سلطان..
وعندما حكمت
الكنيسة في
العصور
الوسطى الأوربية،
وتحكم
اللاهوت
اللاعقلاني،
وادعت الكهانة
الكنسية
اشتمال
الإنجيل على
كل علوم الدنيا
مع كل علوم
الدين، جاءت
العقلانية الوضعية
ـ عقلانية
فلسفة
الأنوار ـ رد
فعل لهذه اللاعقلانية
الكنسية،
فكانت
عقلانية
النهضة
الأوربية
الحديثة ثورة
على اللاهوت
والدين
والكنيسة،
فقررت تأليه
العقل ـ وأنه
لا سلطان على
العقل إلا
للعقل وحده ـ
أي جعلته
«مطلقا»، لا
نسبيا، ككل
ملكات
الانسان،
وأحلته مع العلم
والفلسفة ـ
كثالوث جديد ـ
لحل الكنيسة
والدين
واللاهوت!
تلك هي
قضية
الثنائية
والتناقض
والمقابلة بين
«العقل»
و«النقل» في
التاريخ
الفكري
للحضارة
الغربية.
أما في
النموذج
الإسلامي
والمسيرة
الحضارية
الإسلامية،
فانها لم تعرف
ـ إذا
استثنينا الغلو
النصوصي
والغلو
الباطني ـ أية
مقابلة ، فضلا
عن ثنائية
التناقض بين
«العقل..
والحكمة» وبين
«الشرع..
والوحي».. فالشرع
هو الدين جعل
العقل مناط
التكليف، أي جوهر
إنسانية
الانسان..
والقرآن ـ وهو
المعجز ـ لم
يأت ليدهش
العقل، فيشله
عن التفكير ـ
كحال
المعجزات
المادية ـ
وإنما جاء ـ
القرآن ـ
معجزة عقلية،
تحتكم إلى
العقل في فهمه
وتديره أو
استنباط
الأحكام من
نصوصه، والتمييز
بين المحكم
والمتشابه في
آياته.. بل لقد
جعل القرآن من
البراهين
العقلية
السبيل للبرهنة
على وجود
الخالق، وعلى
الخلق في هذا
الوجود..
فالمنهاج
القرآني يقدم
الإيمان
بوجود الخالق
الواحد على
الايمان
بالنقل
وبالرسالة
التي حملت الى
الناس هذا
النقل، وذلك
لأن الايمان
بصدق النقل
متوقف على
الايمان بصدق
الرسول،
والايمان
بصدق الرسول
متوقف على الايمان
بوجود من ارسل
هذا الرسول،
فلا بد من الايمان
أولا بوجود
الخالق، الذي
بعث الرسول، وأنزل
عليه الكتاب..
وطريق ذلك هو
العقل، الذي
يتدبر
المصنوعات
فيؤمن
بالصانع
القدير لهذه المصنوعات..
فربنا عرفوه
بالعقل.. كما
يقول الناس
أجمعون..
ولقد
عبر حجة
الإسلام أبو
حامد الغزالي
(450 ـ 505 هـ 1058 ـ 1111 م) عن
تميز هذه
المؤاخاة بين
العقل والشرع
في الإسلام
عندما قال: «..
فمثال العقل:
البصر السليم
من الآفات
والأذى،
ومثال القرآن:
الشمس
المنتشرة الضياء،
فأخلق ان يكون
طالب
الاهتداء
المستغنى إذا
استغنى
بأحدهما عن
الآخر في غمار
الاغبياء.
فالمعرض عن
العقل،
مكتفيا بنور
القرآن،
مثاله:
المتعرض لنور
الشمس مغمضا
للأجفان، فلا
فرق بينه وبين
العميان.
فالعقل مع
الشرع نور على
نور».
وعلى
هذا الدرب ـ
درب المؤاخاة
بين العقل والنقل
ـ سارت مواكب
«العقلانية
المؤمنة» طوال
تاريخ
الإسلام.