إعداداً للجولة المقبلة

 

 

بقلم : فهمي هويدي 

 

 

لنا ان نأسى ونكتئب، اذا كنا قد راهنّا على ان انتفاضة الاقصى سوف تحرر فلسطين وتعيد الحق المغصوب الى اهله. ولأن ذلك ليس صحيحا، فإننا سوف نستوعب جيدا ما جرى، ونعطيه حجمه الحقيقي، اذا وضعناه في سياقه التاريخي، واعتبرناه جولة في الصراع الممتد، لها ما بعدها، الذي ينبغي ان يعد الجميع أنفسهم وعدتهم له، بعد ان ينفضوا عن أنفسهم أحزان الجولة الراهنة.

نعم، تلقت المقاومة ضربة موجعة في حملة <<السور الواقي>> التي شنتها الحكومة الاسرائيلية ومنيت بخسائر شديدة الوطأة، تحتاج الى سنوات لتعويضها، وما أصابها أضعاف أضعاف ما لحق بالسلطة الفلسطينية، ذلك ان خسائر السلطة في حدها الاقصى كانت معنوية ومادية، ولم تلحق بقياداتها ورموزها اية خسائر بشرية حتى الآن. بينما خسائر المقاومة كانت بشرية بالدرجة الاولى. وذلك أمر مفهوم لأن اسرائيل استهدفت تطويع السلطة وتركيعها، وكان بوسعها ان تتخلص منها بطبيعة الحال، لكنها لم تفعل وحرصت على الابقاء عليها، لكي تنتزع منها ما تصبو إليه من تنازلات. أما المقاومة فإن اسرائيل أرادت استئصالها تماما، لأنها أصبحت تمثل التحدي الحقيقي والمطلق لها، وهذا الفرق بين الموقفين يتضح بشكل جلي اذا ما قارنا بين تعامل اسرائيل مع الرئيس عرفات في رام الله وتعاملها مع المقاومة في جنين، اذ بينما مُحي من الوجود مخيم جنين الذي كان أحد معاقل المقاومة، وهدمت مبانيه على سكانها، فإن ما تعرض له ابو عمار لم يتجاوز الحصار والتخويف والإذلال.

وقد عمدت اسرائيل ايضا الى خنق المقاومة، من طريق القضاء مؤقتا على الاقل على <<الملاذ الآمن>> الذي توافر لرجال المقاومة طيلة أشهر الانتفاضة. وهو ما نبه إليه الكاتب الاردني ياسر الزعاترة، أحد خبراء الشأن الفلسطيني، اذ أشار في ما كتبه بصحيفة <<الحياة>> اللندنية (عدد 24/4) الى انه خلال الانتفاضة، وبسبب توقف التعاون الامني بين أجهزة السلطة والاسرائيليين، ولو بصورة نسبية، فقد توافر للمقاومة <<ملاذ آمن>> في الضفة الغربية، الامر الذي مكنها من تنشيط عملها العسكري ومراكمة خبراتها وإمكاناتها. وهو ما كانت له نتائجه المشهودة في ساحة المواجهة منذ شهر فبراير/ شباط الماضي.

لا نريد ان نقع في محظور تعداد الخسائر، لأن تقييم النضال لا يتم بهذه الصورة، حيث الاهم ليس مقدار ما دفع، وإنما سلامة الاتجاه من ناحية، ثم ما اذا كان الذي جرى يمثل تقدما صوب الهدف النهائي أم لا، من ناحية اخرى.

ما جرى في جنين كان مشهدا <<كربلائيا>> بامتياز، اذا جاز التعبير. كانوا حوالى مئتين من رجال المقاومة، في مواجهة اكثر من 35 ألف جندي صهيوني مسلحين بأكثر الاسلحة فتكا وتطورا في العالم، تظللهم أسراب طائرات <<أف 16>> وال<<آباتشي>>، وتحمي ظهورهم نحو 150 آلية، ما بين دبابات ومدرعات وناقلات جنود.

المئتا فلسطيني ظلوا يقاتلون طيلة تسعة أيام بلياليها، ولم يستطع الاسرائيليون ان يقتحموا المخيم إلا بعدما نفدت ذخيرة رجال المقاومة البواسل.

هذه القدرة على التصدي، أوصلت للإسرائيليين رسائل عدة، بينها رسالة نبهت الجيش الى انه في هذه الجولة يواجه نوعية جديدة من المقاتلين، مختلفين تماما عن فلسطينيي اعوام 36 أو 48 أو 67، اذ بدا المقاتلون هذه المرة أكثر جرأة وأشد ثقة وأعلى كفاءة وأفضل تنظيما. الامر الذي يحذر الاسرائيليين ضمنا من احتمالات الجولات المقبلة، التي لن تكون سهلة بأي حال، ما دام مؤشر المقاومة محتفظاً بوتيرته الراهنة في التطور.

ولقد وعت القيادة الاسرائيلية درس جنين، وأدركت أن ثمة جديدا في المقاومة الفلسطينية يتعين التحسب له. وكان أول رد فعل لها ان ارجأت الى حين محاولة اجتياح قطاع غزة، لاعتقادها ان رجال المقاومة هناك استفادوا مما جرى في جنين، ومن ثم رجحت ان يكون لهم هناك ترتيب آخر. وقد اعترف عامور جلعاد منسق شؤون المناطق بأن الاسرائيليين لم يقدروا جيدا حجم وقدرات المقاومة الفلسطينية، وأضيف ان بعض قادتهم تحدثوا ايضا عن ان عملية الاجتياح، برغم كل ما جرى فيها من وحشية وبطش، لن تقضي على المقاومة، ويتعذر عليها ان تحقق هدف <<الاستئصال>> الذي ابتغته. فهذا وزير الخارجية شيمون بيريز يقول: اننا نعرف ان عمليتنا العسكرية لن تحل المشاكل. وقد نشرت <<هآرتس>> تعليقا لوزير الدفاع بنيامين بن أليعازر قال فيه: <<لا يمكن اقتلاع البنية الارهابية، فهذا أمر غير وارد، بل اننا اذا لم نتوصل في خطوتنا الاخيرة الى حل سياسي، فسنعود خلال اربعة أشهر الى النقطة التي انطلقنا منها للحرب.

لا قلق على البطولة والتصميم الفلسطينيين، فنحن واثقون منهما وضامنون لهما. لكننا لا نستطيع ان نخفي قلقاً من احتمالات ضعف بعض الرموز الذين دب اليأس في قلوبهم، وأنهكهم مشوار النضال وأعباؤه، فتعبوا، لكنهم لم يخلوا مواقعهم لغيرهم كي يحملوا الراية ويكملوا المشوار.

وإذا وضعنا الخسائر في البشر والعتاد في مكانها الطبيعي من حركة النضال وتاريخها، فسنجد ان المشهد النضالي يستدعي في الوعي مجموعة من الخلاصات والدروس في مقدمتها ما يأتي:

 انتصرت فكرة المقاومة التي أيقن الجميع أنها خيارهم الوحيد للدفاع عن حقهم المغصوب، وفي الوقت نفسه احتلت قيمة <<الشهادة>> مقدمة منظومة المقاومة، باعتبارها السلاح الامضى.

 أيقن الجميع ايضا ان كل الرهانات على السلام كانت بمثابة تسويق للوهم وقع في فخه كثيرون، وأن الرهانات على التنازلات أثبتت عقمها، وقد سقط الرهان على الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وبات ضروريا ان يلتفت الجميع الى أهمية المراهنة على الأمة العربية وشعوبها اولا، وقبل اي شيء آخر. وبينت التجربة أهمية تطهير الصفوف من <<المتعاونين>>، بقدر ما أكدت اهمية وفاعلية الوحدة الوطنية الفلسطينية. وثبت ايضا ان الشعب الاسرائيلي ليس مهيأً بعد للسلام او للتعايش مع الفلسطينيين، وليس أدل على ذلك من ان المجازر الوحشية التي قام بها الجيش الاسرائيلي، لقيت ترحيبا واسع النطاق من المجتمع الاسرائيلي الذي اعطى لشارون تأييدا لم يبلغه أحد من حكام إسرائيل منذ تأسيس الدولة في العام 1948.