ثورة
يوليو: خمسون
عاماً
السؤال
الأول: هل
كانت الثورة
لازمة؟
تحالف
ضد الملك!
فبراير
1942 1944
بصرف
النظر عن
الوقائع
والتفاصيل،
والأحكام
والآراء، فإن
تلك الأيام
الثلاثة التي
هزت كيان مصر
والتي بلغت
ذروتها مساء 4
فبراير 1942 جاءت
تأكيدا قاطعا
لصحة
المعادلة
التي حكمت
الحياة السياسية
في مصر قبل
ثورة يوليو 1952،
ومجملها باختصار
أن السلطة في
مصر موزعة بين
ثلاثة أطراف:
العرش وهو
الرمز الرسمي
لفكرة
السيادة.
والوفد وهو
الممثل
الفعلي
للأغلبية
الشعبية.
والسفارة
البريطانية
وهي مالكة القول
الفصل
والكلمة
النهائية في
الشأن المصري.
يلحق
بذلك ويترتب
عليه أن أحداث
4 فبراير كانت
بالنسبة لكل
طرف من
الأطراف
الثلاثة في
المعادلة
الحاكمة،
درسا مفيدا،
وخبرة مضافة،
تساوي أن توضع
في أساليب
التعامل
وحساب النتائج!
وكانت
الطريقة التي
جرت بها
الحوادث مساء
4 فبراير
إنسانية
ومباشرة في
إنسانيتها حتى
لقد جعلت لعبة
السلطة
الثلاثية
الأطراف تبدو
على السطح
كأنها اشتباك
وعراك بين
ثلاثة رجال.
وكانت هذه
الإنسانية
المباشرة
ثقيلة إلى
درجة تواري
الواقع خلف
أقنعتها،
فأصبحت ملامحه
<<فاروق>>
و<<النحاس>>
و<<لامبسون>>
أكثر مما هي
القصر والوفد
والإنجليز،
وحركتهم جميعا
على أرض وطن
محتل في أحوال
عالم مضطرب!
وكذلك
على السطح وفي
الظاهر فإن
السياسة في مصر
لم تعد حقائق
صراع وطني
وإقليمي
وعالمي، وإنما
أصبحت
تعبيرات
مشاعر فيها
الحب والكره،
وفيها
الإقبال
والصد، وفيها
العطاء والحرمان،
وفيها
النصيحة
والنميمة، بل
ودخل فيها الحب
والقتل!
وفي
الممارسة
العملية
لعلاقات كل
يوم فإن كل رجل
من الرجال
الثلاثة خرج
من أزمة 4
فبراير ومعه
<<خلاصة>>
و<<عبرة
تجربة>> ملكت
عليه نفسه،
وتولت صياغة
مواقفه،
ووجهت ردود
فعله (بأسلوب
طلقات النار
أحيانا!).
كانت
الخلاصة التي
توصل إليها
<<فاروق>>
وعبرة تجربته
أنه أُهين في
قصره واعتُدي
عليه كملك،
ورجل، ورأس
أسرة وراءها
في مصر تاريخ
قرن ونصف قرن.
ومع أنه مجروح
في هيبته
وكبريائه وكرامته
فإنه غير قادر
على قبول ما
جرى، بحيث يسكت
ويترك أمره
للمقادير،
تجيء له بحقه
وتضعه على
عتبة قصر
عابدين. وفي
ذلك فإن الملك
كان يدرك أنه
لا يقدر على
تحريك ساكن ضد
الوفد إلا إذا
وصل إلى نقطة
ضمن فيها سكوت
الإنجليز على
أقل تقدير،
وكان شبه يائس
من بلوغ هذه
النقطة؛ لأن
<<لامبسون>>
بتصرفه يوم 4
فبراير وضع كل
أرصدته في
رهان على رئيس
الوفد، ومعنى
ذلك أن ما
يصيب
<<النحاس>>
يصيبه هو
أيضا!
والخلاصة
التي توصل
إليها <<مصطفى
النحاس>>
وعبرة تجربته
أن التوجس
التقليدي بين
القصر والوفد
أصبح الآن على
المكشوف،
وأنه وقد وصلت
الأمور إلى ما
وصلت إليه،
فهو لا يحتاج
لأن يداري،
لأن الملك
مهما كان أو
يكن <<خارج
لاصطياده>>.
وإذا كان هو
لا يستطيع
اصطياد الملك
(لأنه لا يملك
حق عزله بمثل
ما يملك فاروق
حق إقالته)
فهو على الأقل
يستطيع
حصاره، وبالتالي
حصر عداوته.
وفي المبتدأ
والمنتهى فهو
لا يستطيع
ممارسة
سياسته إلا
إذا تأكد أن
الإنجليز لن
يخذلوه.
والخلاصة
التي توصل
إليها <<مايلز
لامبسون>>
وعبرة تجربته
أن ما وقع
مساء 4 فبراير
يصعب تكراره،
فليس ممكنا كل
يوم أو كل
أزمة أن تقوم
الدبابات
البريطانية
بحصار قصر
عابدين لكي
تفرض على ملك
مصر وزارة حتى
لو كانت وزارة
أغلبية. وإذا
كان ذلك، فإن
حكمة السياسة
أقنعت السفير
البريطاني
بأن عليه
الابتعاد إلى
مؤخرة الصورة
(كذلك قال
بنفسه للنحاس
باشا) وبهذا
الابتعاد فهو
يستعيد لنفسه
دور الحكم في
العلاقة بين
القصر والوفد.
ومع أنه
بمشاعره مع
رئيس الوزراء
الذي فرضه
بالقوة
المسلحة على
الملك، فإنه
لا يحق له
نسيان أن
الملك ما زال
جالسا على
العرش، وأكثر
من ذلك فإن
هذا الملك
الجالس على
العرش مجروح
في كرامته
وكبريائه
وحتى
<<شبابه>>!
وهو
مهما كان
نفوره من
<<الولد>> كما
كان يسمي ملك
مصر الذي كان
بدوره يسميه
<<جاموس
باشا>> ليس
حرا في نسيان
أنه ممثل
إمبراطورية
تخوض حربا هي
بالنسبة لها
مسألة موت أو
حياة!
وفي
المحصلة فإن
الخلاصات
وعبر التجارب
التي توصل
إليها كل واحد
من الأطراف
الثلاثة مع وجودهم
في ظرف
استثنائي
جميعا هو ظرف
حرب عالمية
لها
أولوياتها
الحاكمة
عليهم وعلى
غيرهم، فرضت
مهما كانت
مشاعرهم حياة
مشتركة حتى أجل
غير منظور
داخل إطار لا
يرضيهم بل سجن
لا يهتم
بأمزجتهم.
وذلك جعل
الساحة
السياسية المصرية
تلك الفترة
أشبه ما تكون
بغرفة مغلقة تسربت
إليها غازات
قابلة
للاشتعال أي
إنه احتكاك
عود كبريت
بسطح خشن،
وشرارة،
وحريق!.
1
الدروس التي
تعلمها
القصر
الملكي
ومارسها
صباح
يوم 5 فبراير
كان الشعور في
القصر الملكي مزيجا
من الغيظ
والإحباط
والإحساس
بالذل والانكسار،
وظهرت مشاهد
قادت إليها
انفعالات عاطفية
مأزومة،
والسبب أن
سرعة الحوادث
أخذت أصحاب
هذه المشاهد
ولم تنتظرهم
حتى يقرروا كيف
يتصرفون في
اللحظة
المناسبة، ثم
أفاق هؤلاء من
الصدمة وأصبح
مطلبهم تعويض
ما ظنوه قصورا
من جانبهم،
وهكذا جاءت
انفعالاتهم
فالتة في مظاهرها.
وكان
أول هذه
المظاهر أن
عددا من ضباط
الحرس الملكي
قصدوا إلى
عملهم في
ثكنات
عابدين، وفي داخل
القصر (مكاتب
الياوران
والحاشية)
وعرفوا
بتفاصيل ما
جرى، ثم هرول
بعضهم إلى
مكتب الملك
وكان
<<فاروق>> قد
جاء إليه بعد
ليلة من الأرق
المشوب
بالعذاب
منتظرا أن تجيء
إليه مراسيم
تشكيل
الوزارة،
وبعض تحفزه أنه
من بين
الأسماء سوف
يكتشف
اتجاهات.
وسمع
<<فاروق>> وهو
في مكتبه صراخ
وبكاء بعض الضباط
الذين وصلوا
إلى بابه، وفي
أصواتهم لوعة
سؤال: <<كيف أن
أحدا لم يفكر
في دعوتهم وقد
لاحت نذر أزمة
تهدد
<<سلامة>>
الملك الذي
أقسموا أن
يدافعوا عنه
حتى
<<الموت>>؟>>.
(وكان بين هؤلاء
الضباط
<<اليوزباشي>>
<<محمد أحمد
صادق>>، الفريق
<<محمد أحمد
صادق>> وزير
الدفاع في ما بعد
زمن الرئيس
<<أنور
السادات>>).
وعلى
مائدة الغداء
ذلك اليوم
وقعت نصف
مشادة بين
الملكتين:
<<فريدة>>
و<<نازلي>>.
فقد تساءلت
الملكة
الشابة:
<<إنها حقيقة
لا تعرف أين
كان الحرس
الملكي؟>>
وردت الملكة
<<نازلي>>
بتؤدة تقول:
<<الحمد لله
أنهم لم
يكونوا
موجودين، وإلا
لحدثت
مصيبة>>. وحين
حاولت الملكة
<<فريدة>>
تأكيد وجهة
نظرها قائلة
<<على الأقل
كان يمكن لهم
رمزيا أن
يظهروا
استعدادهم
للدفاع عن
ملكهم، ويكون
الملك هو الذي
يأمرهم
بالانحناء
للعاصفة!>>،
واحتدت
الملكة <<نازلي>>
ورأيها <<أنه
لم يكن في
مقدور أحد أن
يكتب
<<السيناريو>>
على هذا
النحو، خصوصا
أن <<المجانين
كتار>> وليس
في صالح الملك
أن تقع مذبحة
في مكتبه، لأن
هناك قوة أكبر
من حرسه تحاصر
القصر>>.
ولم
يكمل الملك
<<فاروق>>
غداءه، وقام
عائدا إلى
مكتبه، وهناك
جاء إليه
<<أحمد
حسنين>> (باشا)
ومعه خطاب
استقالة، مهد
له باعتراف
<<انه فشل في
توقعاته
لمسار
الأزمة،
وبسبب ذلك
الفشل <<جرى
في مكتب
مولانا بالأمس
ما جرى>>،
وأقر
<<حسنين>>
بأنه لم يكن يتوقع
أن السير
<<مايلز
لامبسون>> سوف
يمضي في الشوط
إلى نهايته
حتى حصار
القصر
بالدبابات،
ولو كان توقع،
لما اقترح على
الملك دعوة
زعماء
الأحزاب على
هيئة جبهة
وطنية لرفض
التدخل البريطاني
في الشؤون
المصرية>>.
وبقي <<حسنين>>
والملك
<<فاروق>>
وحدهما في
المكتب أكثر
من نصف ساعة،
ثم عرف بعدها
أن <<فاروق>>
<<جدد ثقته
برئيس
ديوانه>>، وأن
رئيس الديوان
نزل على أمر
<<مولاه>>،
وسوف يبقى في
القصر لأن هناك
الكثير مما هو
لازم الآن
وممكن وضروري!
وفي
ظرف أسابيع
قليلة بعد 4
فبراير 1942، كان
<<أحمد
حسنين>> (باشا)
رئيس الديوان
الملكي قد رسم
الخطوط
العريضة لهذا
اللازم والممكن
والضروري في
شكل خطة تنفذ
على مرحلتين:
المرحلة
الأولى: عملية
انتقام ملكي
مما جرى (وقد
سماها الملك
فاروق باسم
<<الكونت دي
مونت كريستو>>
أمير
الانتقام في
قصة ألكسندر
دوما
الشهيرة،
ويظهر أنه
قرأها أو شاهد
فيلما عنها).
والمرحلة
الثانية:
البدء بإعداد
<<ملف الإقالة>>
المقبلة
لحكومة
<<النحاس>>
(باشا)، وذلك بمراقبة
تصرفاتها وعد
أخطائها
والإمساك بأدلتها
وترتيب عريضة
اتهام قوية
تقنع الإنجليز
وتقنع الشعب
أيضا بأن حزب
الوفد فقد
صلاحيته،
وضيّع سمعته،
وبدد شعبيته.
وأصبحت
<<خطة
الانتقام>>
عماد سياسة
القصر ومرجعيته،
خصوصا أنها
خطة يمكن
البدء
بتنفيذها على
الفور ودون
رجوع لأحد
(السفارة
البريطانية)،
وذلك على عكس
خطة إعداد
<<ملف
الإقالة>> لأنها
تقتضي انتظار
وترصد
ممارسات
حكومة الوفد،
فضلا عن أنه
لا يمكن السير
فيها إلى آخر
الشوط إلا
بموافقة طرف
ثالث (السفارة
البريطانية).
كانت
أجواء خطة
الانتقام كما
وضعها <<أحمد
حسنين>> (باشا)
وأقرها
الملك، قريبة
الشبه مما عرفه
التاريخ
الفرنسي قبل
قرون، حين كان
الكرادلة
الكبار (مثل
ريشيليو
وماتزيني) يقومون
بالوصاية على
ملوك آلت
العروش إليهم
في سن الصبا
(مثل لويس
الثالث عشر
ولويس الرابع
عشر)، ويكون
الكرادلة هم
الذين يتولون
مسؤوليات
الحكم باسم
الملوك
الصبيان،
وأكثر من ذلك
يعشقون
أمهاتهم (ماري
لويز وكاثرين
دي مديتشي).
وكانت
خطة <<أمير
الانتقام
المصري>> (الكونت
دي مونت
كريستو كما
سماها
<<فاروق>>) تجري
على عدة خطوط:
العمل
على كسر حزب
الوفد بتعميق
<<الفلق>> الذي
ظهر على سطحه،
وبان في توتر
العلاقات بين
<<مكرم عبيد>>
(باشا)
و<<مصطفى
النحاس>>
(باشا)، أو بمعنى
أصح قرينة
<<النحاس>> (باشا).
وذلك التوتر
لم يكن خفيا،
ففي قصور
الريف شمال
الدلتا لم تكن
السيدة <<زينب
الوكيل>> تخفي
أنها لا تحب
ما يراه الناس
من سيطرة
<<مكرم>> على
<<رفعة
الباشا>>. ومن
ناحية أخرى
فإن <<مكرم
عبيد>> (باشا)
لم يخف <<أنه
ليس راضيا عن
نفوذ قرينة
رئيس الوفد
عليه، وكلامه
(صريحا بغير
إبهام) أن
نفوذها ظاهرة
طارئة لم
يعرفها الحزب
من قبل>>. ثم
يخفف <<مكرم
عبيد>> (باشا)
من صدمة القول
على سامعيه
فيضيف <<انه المسؤول
عن ذلك لسوء
الحظ، فهو
الذي خطب
لزعيم الوفد
عروسا كان
يمكن
<<بالراحة>>
أن تكون ابنته
وليست
زوجته!>>.
ومن
ناحية ثانية
فإن <<مكرم
عبيد>> (باشا)
لم يكن راضيا
عن زيادة وجود
<<فؤاد سراج
الدين>> في
الدائرة الألصق
بالنحاس
(باشا)، وكان
قوله <<إن
<<فؤاد>> يقوم
بعملية
<<أكبر>> منه
وقد لعبها على
أرضه (في قصور
الريف شمال
الدلتا) لكن
عقلية
الأعيان من ملاك
الأرض لا تصلح
للعمل السياسي
في العاصمة
وتياراتها
المتشابكة.
زيادة
على ذلك فإن
<<مكرم عبيد>>
كان مع كل زيارة
لقصور شمال
الريف يحس
أكثر وأكثر
بميل <<النحاس>>
(باشا) إلى
صفقة يعود بها
الوفد إلى الحكم،
إما بدعوة من
السراي،
(بشاهد زيارة
وحيدة قام بها
<<عبد الوهاب
طلعت>> (باشا)
وكيل الديوان
الملكي وقتها
للنحاس (باشا).
أو بدعوة من
السفارة
البريطانية،
بشاهد
الزيارات المتكررة
التي يقوم بها
<<أمين
عثمان>>
(باشا)، وكان
إحساس <<مكرم
عبيد>> (باشا)
أن هناك
<<طبخة>> من
نوع جديد على
الوفد يجري
تحضيرها.
وقد
لمح رئيس
الديوان
<<أحمد محمد
حسنين>> حالة
<<مكرم
عبيد>>، ولأنه
يعرف أن الرجل
كتلة أعصاب
مشدودة
باستمرار،
فقد حدد خط
الانفلاق
وركز عليه.
وهنا
كانت دعوة
<<مكرم عبيد>>
ظهر 4 فبراير
لمقابلة
الملك (قبل
النحاس) وهنا
أيضا كانت
مفاجأة <<مكرم
عبيد>> عندما
عرف بالإنذار
البريطاني
بتكليف
<<النحاس>>
برئاسة وزارة
وفدية، وهنا
كذلك ومؤخرا
أيقن <<مكرم عبيد>>
أنها صفقة
مستوفية
الأركان (عرضا
وقبولا وسعرا)
وكان تقديره
أن الثمن فادح
على الوفد،
(وأنه إذا
كانت هناك
ضرورة لصفقة،
فقد كان الأولى
أن تكون مع
القصر) ولذلك
كان إصراره على
<<النحاس>>
(باشا) لتوضيح
الأصول والمبادئ
بخطابات
متبادلة بين
<<النحاس>>
و<<مايلز
لامبسون>>
بحيث تتعهد
الحكومة
البريطانية
باحترام
قاعدة أن
تكليف
الوزارات
وصرفها سلطة
ملك مصر وحده.
(كانت
تلك كلها
مفاجآت لم
يستطع <<مكرم
عبيد>> (باشا)
قبولها، على
أنه وهذا رأي
فؤاد سراج الدين
(باشا) وهو
وارد أن أكثر
ما ضايق
<<مكرم عبيد>>
أن المسألة
تمت من وراء
ظهره ودون
علمه، وذلك
وضع جديد عليه
وعلى علاقته
بالنحاس، وقد
تبدى له
<<نذير شؤم>>).
والواضح
أن <<مكرم
عبيد>> دخل
الوزارة في
حالة توتر
شديد، وكانت
حالته
انكشافا
خطيرا في أوضاع
الوفد.
الخط
الثاني: الجيش
والملك
كان
الخط الثاني
على اتصال
بالتداعي من
السؤال الذي
طرحته الملكة
<<فريدة>> على
مائدة الغداء
يوم 5 فبراير،
<<أين كان
الحرس
الملكي؟>>، وكان
هذا السؤال
بداية خط
تمادى بأكثر
مما كان
متصورا في
الخطة
الأصلية. كان
الخط الأصلي لأحمد
حسنين يتعلق
بالجيش
المصري، وأهمية
أن يصبح
بالكامل حرسا
ملكيا. ومع أن
الجيش
تقليديا <<جيش
العرش>>،
باعتبار
الملك هو القائد
الأعلى فإن
الجيش المصري
بدا رقما مجهولا
في معادلة
القوة
الداخلية،
وسؤالا معلقا.
..................
..................
والشاهد
أن الجيش
المصري
الحديث واجه
ظروفا متغيرة
أدت مرات إلى
ظهوره
بالمصادفة
ومرات إلى
اختفائه
بالحل.
وابتداءً فإن
قوات
المماليك
يصعب اعتبارها
جيشا مصريا،
ولذلك فإن
الجيش المصري
الأول في
العصر الحديث
كان جيش
<<محمد علي>>.
وكان <<محمد
علي>> في
الأساس يريد
لجيشه أن يكون
تركيا، ثم خطر
له أن يكون
سودانيا،
واستقر بعد
تردد على أن
يكون جيشه مصريا،
لكنه تعامل مع
هذا الجيش
المصري بقسوة مروّعة
لا تصنع ولاءً
وطنياً (ويمكن
في هذه الجزئية
مراجعة كتاب
<<كل رجال
الباشا>> وهو
رسالة
دكتوراه من
جامعة
أوكسفورد
للمؤرخ المصري
الدكتور
<<خالد فهمي>>).
والحقيقة أن
ضباط هذا
الجيش كانوا
من الأجانب
فرنسيين أو أتراكا،
وأما جنوده
فقد كانوا
فلاحين
خطفتهم السخرة
خطفا من قراهم
وانتزعتهم
قسرا من عائلاتهم.
ومع أن جيش
<<محمد علي>>
كان جيشا قويا
في وقت من
الأوقات فإن
هذا الجيش
أصبح مأزقا
أكثر منه
مخرجا، ذلك أن
هذا الجيش لم
يحارب دفاعا
عن وطن ينتمي
إليه، ولا ضد
عدو يهدد هذا
الوطن، وإنما
استعمل هذا
الجيش لهدفين:
إما
فرض طاعة
الخليفة
العثماني على
أقاليم جنحت
إلى الخروج
عليه (كما حدث
في شبه
الجزيرة العربية).
أو
عصيان هذا
الخليفة
العثماني
نفسه عندما جمحت
الأحلام
بوالي مصر
وزحف نحو عاصمة
الخلافة يحلم
بعمامتها (كما
حدث في حروب الشام)
وفي الحالتين
فإن هذا الجيش
حارب ضد عرب
ومسلمين،
وذلك ارتباك
يصل إلى حد
الأزمة في عقيدة
جيش مصري. وفي
نهاية الأمر
فإن جيش <<محمد
علي>> جرى حله
بمعاهدة لندن
سنة 1840.
ثم حاول
الخديوي
<<إسماعيل>>
بعد <<محمد
علي>> أن ينشئ
جيشا مصريا
حديثا، وكان
هدفه استكمال
فتوحات
السودان،
متصورا أنها
توسعة لملكه
بطريقة
تقبلها القوى
الأوروبية،
باعتبار هذه
الفتوحات
نفاذا
<<حضاريا>> في
عمق أفريقيا
(شرقها خصوصا)
على أن ضباط
هذا الجيش في الغالب
كانوا من
الأوروبيين،
وكبار قادته من
الشركس وكذلك
كان الجيش
شرساً في
تصرفاته لأن
قياداته شبه
مرتزقة، حتى
وإن حملوا
رتباً مصرية،
وانتهى أمر
هذا الجيش
بقياداته
الأجنبية
ومقاتليه
المصريين إلى
الحل مرة
ثانية بعد فشل
الثورة
العرابية.
كانت هناك
محاولة ثالثة
لإنشاء جيش
مصري حديث
(محدود في
عدده وعدته
بحيث لا يهدد
خليفة أو يفتح
إقليما حتى ولو
من باب الكشف
الجغرافي)،
وكان ذلك في
عهد الخديوي
<<محمد
توفيق>> (باشا)
وولي عهده
<<عباس حلمي
الثاني>> وقد
بقي هذا الجيش
شبه حلية أميرية
تظهر في
المناسبات
وتؤدي
مراسمها.
وفي
المرات التي
تحولت فيها
وحدات هذا الجيش
إلى شبه
تشكيلات، فإن
وحداته آلاف
المجندين
بالسخرة
أرسلوا فيالق
بعد فيالق
هدايا من خديوي
مصر إلى ملوك
وأمراء في
أوروبا
وأميركا
الجنوبية (لكي
يحاربوا
دفاعا عن عروش
تركتها القوي
الاستعمارية
وراءها (في
البرازيل مثلاً)،
والداعي أن
هذه العروش
احتاجت إلى
مدافعين عنها
بغير أجر (غير
تكاليف
الطعام
والملبس) وكان
ولاة مصر على
علاقة بهذه
العروش
ويريدون
مجاملتها ولو
بأرواح
وأجساد
رعاياهم.
وتشير
كل التقديرات
التي يمكن
الوثوق بها إلى
عشرات ألوف
حملتهم السفن
ولم تعد بهم،
لأن الغربة
ووحشتها
استهلكت
الأرواح
والأجساد!
زاد على ذلك
أثناء الحرب
العالمية
الأولى أن السلطان
<<حسين
كامل>>، وبعده
الملك
<<فؤاد>> وافقا
على تزويد
المجهود
الحربي
البريطاني بمئات
ألوف من
الرجال،
يعملون على
الخطوط الخلفية
للإمداد
والتموين،
وتمهيد
الطرق، ومد خطوط
السكك
الحديدية،
وحفر
الخنادق،
وتهيئة المواقع
الدفاعية
لعرقلة تقدم
تركي محتمل في
اتجاه قناة
السويس،
وتشير نفس
التقديرات
الموثوق بها
إلى أن قرابة
مئة وأربعين
ألف شاب من هؤلاء
المجندين
بالسخرة
لخدمة
<<السلطة>> (وفق
التعبير الذي
شاع أيامها)
ذهبوا ولم
يعودوا.
ثم جدت بعد
ذلك مرحلة ما
بعد معاهدة
سنة 1936، وفيها
(بمقتضى
المعاهدة) ان
أبواب الجيش
المصري فتحت
لضباط مصريين
من كل
الطبقات،
وذلك سمح لأول
مرة بدخول
عناصر وطنية
طلبت شرف الخدمة
في صفوفه، وقد
تخرجت
الدفعات
الأولى من هذه
العناصر مع
قيام الحرب
العالمية
الثانية، وفي
ظروف تلك
الحرب قام عدد
من ضباط هذا
الجيش ببعض
المسؤوليات
في الخطط
الإمبراطورية
في مصر وكانت
مسؤوليات
محدودة
ولكنها موجودة.
والآن
بعد 4 فبراير
كان <<أحمد
حسنين>> يطلب
التفاف الجيش
حول الملك،
ولكن التساؤل
الذي طرح في
القصر: أي
جيش؟ فقد كان
في الاعتبار
بالطبع أن
العناصر
الوطنية
الجديدة التي
دخلت صفوف
الجيش دخلت
بالفرصة التي
أتاحتها
معاهدة 1936،
التي وقعها
<<مصطفى
النحاس>> زعيم
الوفد، لكن
<<حسنين>>
(باشا) طمأن
نفسه (ولم يكن مخطئا)
ب: أن الجيش
مؤسسة ثبات
واستقرار لا
تخضع لحزب أو
لوزارة
والجيش يؤدي
يمين الولاء للملك
(بعد الله
والوطن) ولا
يؤديه لزعيم
أو لسياسي.
ومؤدى
ذلك أنه جيش
الملك وإن كان
التعامل معه يقتضي
الحذر. بمعنى
أن القصر
يستطيع أن
يعتمد على
الجيش بصفة
عامة، وأن
يربط علاقته
بالملك
مباشرة دون
وساطة، وأن
يبني على
تقاليد سابقة
دون داع
للتردد شريطة
أن تظل
العلاقة بين القصر
الملكي
والوطنية
المصرية بغير
تعارض أو
تناقض.
الخط
الثالث: الحرس
الملكي
وتجربة ملك
رومانيا
ومن
داخل
الاهتمام
بالجيش وهذا
هو الخط الثالث
في سياسة
<<أحمد
حسنين>>
الجديدة فإن
الحرس الملكي
يجب أن يحظى
بمعاملة خاصة
تجعل الولاء
موصولا
ومباشرا. وهنا
جرى اختيار
مجموعة من أكثر
العناصر في
الجيش جرأة
واندفاعا مع
مراعاة انتمائهم
إلى الشريحة
الاجتماعية
المتوسطة وما
فوقها. وكانت
تلك مهمة عُهد
بها إلى
اللواء <<عمر
فتحي>> (باشا)
(قائد الحرس
الملكي) مع
صدور تعليمات
إلى أفراد
الأسرة
المالكة بأن
يكون تعاملهم
مع ضباط الحرس
<<باعتبارهم>>
النطاق
الخارجي من
تركيبة
عائلة،
والهدف خلق
<<ولاء>>
مباشر بين
العرش
والضباط
المحيطين به والمدافعين
عنه، وبحيث لا
ينشأ ظرف تسأل
فيه الملكة
<<أين كان حرس
الملك؟>>، كما
فعلت <<فريدة>>
على مائدة
غداء يوم 5
فبراير 1942.
ثم
حدث ولم يكن
ذلك في
التخطيط
الأصلي لأحمد حسنين
(باشا) أن زادت
على ضرورة
العناية
بالحرس فكرة
مستعارة من
رومانيا، ومن
تجربة ملكها <<كارول>>
الذي أنشأ
داخل حرسه
الكبير نواة
صلبة ومحدودة
أطلق عليها
وصف <<الحرس
الفولاذي>>
تعبيرا عن كون
أفراده جدارا
من الفولاذ
حول <<كارول>>
يحميه ويصد
عنه ويرتبط به
شخصيا، وكذلك
بدأت فكرة
<<الحرس
الحديدي>> حول
الملك
<<فاروق>>!
لكن
نقلة خطيرة
حدثت عندما
التحق
الدكتور <<يوسف
رشاد>> بخدمة
القصر طبيبا
خاصا للملك،
واقترب بسرعة
من <<فاروق>>،
وتحول بعد
قليل إلى صديق
مؤتمن،
وأصبحت
قرينته
السيدة <<ناهد
رشاد>> نجمة
لامعة في
البلاط
الملكي. ثم
راح <<يوسف
رشاد>> يفكر
بأن الحرس الحديدي
المحيط
بالملك كي
يدافع عنه
يستطيع من
الآن أن يتحول
إلى قوة هجوم
ضد أعداء
الملك
(باعتبار أن
الهجوم خير
وسيلة
للدفاع)!
وفي
حين أن <<أحمد
حسنين>> اعتمد
العمل السياسي
(أو المؤامرة
السياسية)
أسلوبا
للانتقام من
خصوم الملك
(مثل فلق حزب
الوفد مثلا
واستغلال
التوتر بين
رئيسه
وسكرتيره
العام) فإن <<يوسف
رشاد>>
(مستجيبا
لغرائز <<أمير
الانتقام الملكي>>
الملك
<<فاروق>>)،
أخذ منطق
الهجوم إلى
نهايته
الدموية،
وكذلك جرى وضع
قائمة بمن يتحتم
عقابهم على
المشاركة في
إهانة الملك
يوم 4 فبراير 1942،
وكان <<مصطفى
النحاس>> زعيم
الوفد أول
القائمة. وكان
<<أمين
عثمان>>
المهندس
المصري لدور
الوفد
و<<النحاس>>
في 4 فبراير 1942 هو
الرجل الثاني
في القائمة.
والقائمة
بعد ذلك
مفتوحة
لإضافات
تمليها مستجدات
الظروف.
وتكشف
الوثائق
البريطانية
(والأميركية)
عن محاولات
تصل إلى درجة
الحماقة مما
جرى التفكير
فيه والتخطيط
له من جانب
القصر. وفي
برقية من
السفير
البريطاني
السير <<مايلز
لامبسون>> تحت
رقم 878 (تاريخ
أبريل 1944) تجيء
رسالة معنونة
بأنها سرية
جدا وذات
حساسية خاصة،
إلى جانب
إشارة بأن
الشفرة
المستعملة
فيها مزدوجة
لتأكيد
سريتها،
وبداية النص
بعد ذلك على
النحو التالي:
مهم:
هناك أنباء عن
مؤامرة يقوم
بها عشرون ضابطا
من الجيش
لتصفية
<<النحاس>>
ومجلس وزرائه.
وقد سمع رئيس
البعثة
العسكرية
البريطانية في
مصر بذلك من
وزير الدفاع
المصري <<حمدي
سيف النصر>>
(باشا) الذي
ذكر للجنرال
<<ستون>> أن
رئيس أركان
الحرب
<<إبراهيم عطا
الله>> (باشا)،
وهو رجل القصر
ضالع في
العملية. وقال
وزير الدفاع
(الوفدي) إنه
تقرر اتخاذ
إجراءات
عنيفة، أولها
نقل عدد من
وحدات الجيش
المصري إلى
خارج العاصمة.
ويقول
الجنرال
<<ستون>>
<<إنني طلبت
من وزير
الدفاع
المصري عن
طريق رئيس
البعثة العسكرية
البريطانية
أهمية التصرف
بحذر في الموضوع،
وضرورة تحديد
المسؤولية
حتى يمكن حصر المسألة
في أضيق نطاق،
مع ضرورة
التحقق الكامل
من الوقائع
والأشخاص>>.
لكن لم تكد تمضي على ذلك أسابيع حتى طرأ جديد يتصل به، فقد ظهرت في ملفات لجنة التنسيق العسكري البريطاني الأميركي في واشنطن وثيقة تنذر بالخطر، وكانت على شكل مذكرة طرحها الجانب الأميركي للمناقشة، ملخصها <<أن القصر الملكي في القاهرة طلب شراء صفقة أسلحة أميركية للحرس الشخصي للملك <<فاروق>>، والمطلوب في هذه الصفقة 200 مدفع ماكينة، ومئة ألف دورة من ال