عدم معرفة بالقضية الفلسطينية أم استهانة... أم ماذا ؟

   

 

بقلم : د.خالد عبدالله*

 

نشرت اللوموند دبلوماتيك في عدد نيسان ( إبريل ) مقالا مشتركا لياسر عبد ربه ويوسي بيلين تحت عنوان " الحل الذي نصنعه بأنفسنا ". وقد قرأته عدة مرات، كل مرة لأنفي ما تبادر إلى الذهن من معانيه المباشرة ودلالاته البعيدة. وفي كل مرة أدقق في سطوره يترسخ في العقل ما تبادر إليه من الوهلة الأولى، وتتداعى في نفس الوقت صور مسرحية أوسلو، حينما كان الجانب الإسرائيلي يعد الوثائق والطرف الفلسطيني يمضيها. ولعل أسخى وصف يمكن لي به أن أعبر عن تلك الحالة، أوسلو، وعن حالة المقال، أن بعض المفاوضين الفلسطينيين يستهينون بالكلمة بل يمتهنون اللغة حينما يمضون وثائق أو مقالات مشتركة مع الإسرائيليين. وقد طردت عن بالي التفسير الذي حاول أن يوسوس به الشيطان في صدري، أن هذا البعض في عجلة من أمره، يريد حلا ، أيا كان شكله، لكن على ما يبدو أن الرياح المواتية تبتعد دائما تاركة سفينتهم في عرض البحر لأعاصير الرفض الشعبي.

وبادئ ذي بدئ، أجد لزاما أن أسلط النظر على مسألة عرضية، وهي ذلك الإصرار العجيب للمسؤولين في السلطة الفلسطينية أن يفاوضوا الإسرائيليين الذين خارج السلطة، بل خارج التيار الأساسي لصنع القرار. فالمشارك الفلسطيني في المقال وزير في السلطة مقرب من رئيسها مما يعطي، على الأقل، الانطباع أن ما يقوله يمثل السلطة الفلسطينية، بينما المشارك الإسرائيلي خارج الحكومة الإسرائيلية، ومشهور لدى الغرب أنه يختلف كثيرا عن شارون. ومع أنه يبقى في قلب التوجهات الصهيونية الأساسية، لكن لا يمكن لمراقب أن يظن أنه يعبر عن آراء شارون وتوجهاته.

لكن الملاحظة السابقة على أهميتها تبقى صورية، أما الذي يؤرق النفس ويثير الغضب ويستدعي التساؤل فهو جوهر المقال الذي يقوم على مجموعة من القناعات. الأولى، أن المقال لا يعترف بوجود احتلال إسرائيلي للأرض الفلسطينية، بل أن كلمة الاحتلال لم ترد مرة واحدة فيه. فالمقال يشخص الصراع على الطريقة الإسرائيلية الشارونية لا أظن أن عضوا حقيقيا في معسكر " السلام " الإسرائيلي يقبل به. فأول جملة يبتدئ بها المقال " يسأل الإسرائيليون لماذا اندلعت الانتفاضة حينما كان يبدو أننا على وشك عقد اتفاقية ". ثم تأتي الجملة الثانية " ويسأل الفلسطينيون لماذا ردت إسرائيل بمثل هذه القوة المتطرفة على الانتفاضة، مستخدمة الطائرات والدبابات ضد شعب عموما يخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية ". هذا ما تقوله فعلا طلائع شارون الإعلامية في الغرب، ثم يأتي وزير الإعلام الفلسطيني ليصادق على هذه المقولة. فالجملة الأولى تضع اللوم على الشعب الفلسطيني، أما الجملة الثانية، التي هي من المفترض رد عليها، فتقبل بهذه الفرضية لكنها تستهجن استخدام القوة المفرطة ضد الانتفاضة. ويمكن للقارئ الغربي أن يستنتج من باب مفهوم المخالفة أن استخدام القوة سيكون مقبولا إن كان معتدلا. وتستقبح الجملة الثانية استخدام القوة المتطرفة ضد شعب يخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية. تماما كما يمكن أن يستقبح استخدام الجيش التركي القوة المفرطة ضد الأكراد في بلده والذين هم تحت سيطرته الأمنية. وهذا على ما يبدو حال الفلسطينيين، فهم ليسوا تحت الاحتلال الإسرائيلي ولكنهم على أرضه إنما تمردوا طلبا لتحسين أحوالهم أو لنيل حقوقهم. وكما نعلم فإن الاحتلال يولد المقاومة المشروعة. وأدوات المقاومة العنيفة مشروعة لأنها متجانسة مع الاحتلال، فالاحتلال بحكم التعريف عنيف ومقاومته يباح فيها استخدام العنف. لكن ذلك لا يجوز في نطاق البلد الواحد، وتدان في هذه الحالة استخدام وسائل العنف. فعلة استخدام العنف حسب القانون الدولي هو وجود المعلول أي الاحتلال، ولذلك فهي تدور معه إن وجد وجدت وإن انعدم انعدمت. فإذا لا يوجد احتلال إسرائيلي فكيف يمكن تبرير استخدام العنف ضده. هذا ما أمضاه وزير الإعلام الفلسطيني ليعلن إلى الرأي العام الغربي.

الثانية، أن الكاتبين يعتبران سلوك الطرفين وأعمالهما واحدة لا تستحق إلا الاستنكار. فالجملة الأخيرة من الفقرة الأولى تؤكد " لو يمكنك خلال عامين أن تعرض فيلما يصور سلوك الجانبين، فإنهما لا يمكن أن يصدقا أنهما كانا جزءا  من هذا الغباء ". ولعل الغباء تصوير الصراع الجاري كأنه خلاف بين أحمقين. ففي هذا القول تبخيس لهول المشكلة وخطورتها، من حيث أنها احتلال واغتصاب لمقدرات شعب بكامله، كما أنه إهانة بحق نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال من حيث تصويره بالغباء. والأخطر أن هذا القول يشي بأن الشعب الفلسطيني كان لديه بديلا آخر للحصول على حقوقه لكن من غبائه لم يطلبه. فهذا هو ديدن الإعلام المؤيد لإسرائيل الذي يحاول أن ينقل الصراع من صورته الحقيقية إلى هذه الصورة الزائفة. ولذلك لا غرابة أن يسمع من يعيش في الغرب التساؤل المتواصل من المواطنين العاديين عن السبب في أننا لا نستطيع أن نتعايش مع اليهود، إذ أن الكثير يتخيل الصراع على شاكلة ما يجري في إيرلندا. ويأتي هذا المقال ليكرس هذه الصورة الزائفة.

ثالثا، مع أن المقال يزعم في مقدمته أن الكاتبين يقترحان بديلا إلى الأمام، فما جاء فيه ليس إلا تضليلا للقارئ الغربي. فما يقترحه الكاتبان لا يعدو أن يكون تشكيل تحالف فلسطيني إسرائيلي للسلام من أجل تقوية العلاقات بين الجانبين وإصدار الردود المشتركة إلى الإعلام ومقابلة الزائرين إلى المنطقة. وفي هذا الاقتراح استخفاف بالشعب الفلسطيني، بل وهزل جارح في ظل ما يتعرض له. فهل سينتظر الشعب الفلسطيني حتى يتم تثقيف كل الزائرين؟ وإذا اقتنع كل الزائرين بعدالة القضية الفلسطينية فهل سيرد هذا الاقتناع له أرضا أو سيعيد له لاجئا؟ وهل استطاعت أوروبا أن تزور رئيس السلطة بالرغم من  قناعتها بزيارته إلا بعد أن أهينت ثم سمح لها بالزيارة؟ ثم ماذا ستكون الردود المشتركة إلى الإعلام وفحوى المقابلات المشتركة مع الزوار الذين يفدون إلى المنطقة، حينما يسمح لهم، إلا على غرار ما سطر في هذا المقال من وضع اللوم على الانتفاضة أو في أفضل الأحوال المساواة بين الطرفين.

رابعا، ولكن المسألة الخطيرة التي ينبغي التوقف عندها، أن المقال يدعو إلى العودة إلى المفاوضات " بالاستفادة الكاملة من الاتفاقيات القائمة فيما يتعلق بوقف إطلاق النار( وثيقة بينيت )، وإعادة الثقة المشتركة( تقرير ميتشيل )، واتفاقية الحل النهائي( خطة كلينتون والمحادثات التي جرت قبلها والتي نتجت عن الخطة). ونحن نعرف أن خطة كلينتون لا تتجاوز ما ورد في مذكرة واي، التي لا تعطي أكثر من 50-70% من الأراضي المحتلة عام 1967، كما تضم المستوطنات إلى إسرائيل، وتهدي الفلسطينيين خمس دويلات منفصلة عن بعضها البعض، وتبقي القدس تحت السيادة الإسرائيلية، وتضع الحدود تحت السيادة الإسرائيلية إلى أجل غير مسمى، وتلقي الوداع على حق العودة. فهل هذا أسف على ما فات؟ وإذا كنا لا نقبل اتفاقيات تنتقص حقوقنا، كما يقول الوزير ياسر عبد ربه للإذاعات العربية، فلماذا نكتب مقالات مشتركة لا تؤكد على المرجعيات الأساسية، ولماذا نستبدل مرجعية مدريد بمرجعية كلينتون؟

ويأبى المقال إلا أن ينهي قرب خاتمته على نحو ما استهل به بدايته، حيث يناشد " قادة الطرفين إلى إنهاء عناقهما المميت والعودة إلى المفاوضات واقتلاع العنف من العملية المشتركة....". ومرة أخرى نضيع في الخبث الإسرائيلي وتصبح القضية لا تعدو أن تكون إلا أعمالا ثأرية يجري الحوار " المتمدن " حول أي عمل سبق الآخر. لكن ألا يجدر بالحصافة الإعلامية أن ترى المقاومة في مواجهة الاحتلال، حينذاك سترى أن المفاوضات يمكن أن تجري والعنف جار ما دام الاحتلال باق، وإن انتهاء المقاومة رهن بانتهاء الاحتلال.

وتبقى مسألة هامة وهي أن نفصل بين الوظائف فمن يريد أن يكون نشطا في العمل الأهلي لا ينبغي له أن يجمعه مع العمل الحكومي لأنهما لا يستقيمان.

 

  * الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن