بقلم : الشيخ
راشد الغنوشي
لقد غدا
المشكل
الاقتصادي ـ
نتيجة عوامل
كثيرة ـ على
رأس مشكلات
الإنسان
المعاصر
والحكومات
المعاصرة. بل
غدا يمثل
التحدي
الأساسي لكل
نظام ولكل
أيديولوجيا.
ولأن الإسلام
معني بمشكلات
الإنسان لأنه
إنما جاء من
أجل سعادة
الانسان في
الدنيا
والأخرى كان
على الحركة
الإسلامية أن
تظهرحجة
الاسلام
ومعجزته في حل
المشكل
الاقتصادي
على نحو يضمن
فعالية الإنسان
المنتج
وامتلاكه
لقيمة عمله
كما يضمن التوزيع
العادل
للمنتوج
وتوفير
الحاجة للجميع.
ويحفظ
التوازن في
الكون.
الإطار:
إنه لا
سبيل لحل
المشكلات
الإنسانية
الكبرى بغير
وضعها في إطار
إيدولوجي
باعتبار
الانسان
كائنا
ميتافيزيقيا،
أي يطرح على
نفسه أسئلة عن
الأصل
والوجود
والمصير
والقيم،
تتجاوز نطاق
حاجته
المادية.
ويتكون
إطارالمشكل
المطروح من
عنصرين
أساسيين:
- عنصر عقائدي
ثقافي
- عنصر جغرافي
سكاني
الإطار
العقائدي:
إن
المشكل
الاقتصادي
الذي تعيشه
البشرية اليوم
رغم طغيان
جانب الأرقام
والمخططات في
الحديث عنه هو
في الأساس
مشكل قيمي
حضاري قبل كل
شيء، يتمثل
أساسا في
الفلسفة
المادية،
فلسفة
السيطرة،
والقوة،
واللذة،
والمنفعة
التي تشكل
الأساس
النظري
للحضارة
المسيطرة على
العالم، حضارة
الغرب .. تلك
الفلسفة التي
لم تعترف- في خطها
المهيمن- بأي
معنى للإنسان
يتجاوز كونه جسدا،
لا يرتفع بصره
أبعد مما في
هذه الدنيا من
فرص للذة
والسيطرة
والمجد
القومي، بما
يطلق إرادة
القوي في فرض
ما يشاء على
الضعيف
واستغلاله
دون أي ضابط
أو توجيه خلقي
أوديني ما دام
الحق ليس شيئا
غيرإرادة
الأقوى، وأن
الغاية العليا
مزيد من اللذة
والسيطرة
والاشباع؟؟
إنه على
عاتق هذه
الفلسفة تقع
مسؤولية
المآسي
الكبرى التي
يعيشها
الإنسان
المعاصر: الحرب،
والاستعمار،
والفقر،
والاستغلال، والعنف
وتدمير
البيئة..فما
لم تقع ثورة
على هذه
الفلسفة
الدهرية
{وقالوا ما هي
إلا حياتنا الدنيا
نموت ونحيا،
وما يهلكنا
إلا الدهر}
[الجاثية 22] فستظل
المشكلات
الإنسانية
ومنها
المشكلات الاقتصادية
بعيدة عن
الحل، بل
ستزداد تفاقما
ويزداد
الأثرياء
ثراء
والفقراء فقرا
والبيئة
خرابا.
والثورة
على الفلسفة
المادية لا
تعني بحال الارتماء
في أحضان
الفلسفات
الخيالية
والمثالية،
وازدراء الكل
في الدنيا
وتلبية حاجات الجسد
وما يتوق إليه
من متع كلا،
وإنما النظر إلى
الإنسان نظرة
شمولية
تستوعب الجسد
وحاجاته
والروح
وأشواقها،
والعقل ومقتضياته
وكون الإنسان
عضوا في جماعة
يتبادل معها
الحقوق
والواجبات. كل
ذلك في توازن
واعتدال لا
يخل ببعد من
هذه الأبعاد
على حساب الأبعاد
الأخرى .. وهذه
الرؤية
الايدولوجية
لا تجد –عند
التحقيق-
صيغتها
المتوارثة
إلا في الإسلام.
فما
الإسلام:
الإسلام
هو منهج
الحياة الذي
ارتضاه الله
للإنسان فردا
وجماعة
وللمجوعة
البشرية كلها
.. وتستند
مناهج الحياة
على خلفيات
فكرية وعقائدية
توجه الحياة
العملية وتمد
العاملين بحوافز
العمل
الضرورية ..
والصلة بين
المناهج وأسسها
الفلسفية
تزداد تماسكا
وتلاحما على
قدر ما في تلك
المناهج من
شمول في
الرؤية .. وقد
تكون تلك
الأسس التي
يقوم عليها
نظام ما واضحة
بارزة كما هو
الحال في
الاشتراكية
الماركسية
وقد تكون على
قدر أقل من
الوضوح كما هو
الحال في النظم
الرأسمالية
حيث تسري بشكل
خفي النظرة المادية
للإنسان
وفلسفة
المنفعة أو
اللذة ..
والفصل بين
الحياة
الروحية
والمادية..
أما
بالنسبة
للإسلام
باعتباره
رؤية شاملة للكون
والإنسان
والحياة وما
بعد الحياة،
فإن التماسك
بين أجزائه
يبلغ حدا
بعيدا لدرجة
أن تلك الرؤية
الفلسفية
تسري في الكل
ـ بشكل بارز
جدا ـ سريان
الماء من
الجذع إلى
جميع فروع
الشجرة وإن
بعدت.
فما تلك
الأسس
الفكرية
والفلسفية
التي يقوم عليها
البناء
الاجتماعي
الإسلامي
والاقتصادي
منه بشكل خاص؟
يكاد
المنظرون
الإسلاميون
الذين كتبوا
في النظام
الاقتصادي
الإسلامي
يجمعون على
اعتبار أسس
الاقتصاد
الإسلامي
تتلخص في المفاهيم
والأفكار
التالية:
مفهوم
التوحيد: وهو
جوهر العقائد
الإسلامية ويعني
رفض كل أشكال
الألوهية
المزيفة التي
تفرض استعباد
الإنسان سواء
أظهرت في صورة
صنم يتمسح
الناس على
أعتابه
ويقدمون له
القرابين أم
في صورة سلطة
سياسية
مستبدة تستذل
الناس وتفرض
عليهم الديكتاتورية
وتملك التصرف
في حاجياتهم
المادية
والمعنوية أم
في شكل شركات
رأسمالية تحتكر
الثروة وتسخر
البشر في
تنميتها
وتسرق ثمار
عملهم فلا
يأخذ العامل
من جهده إلا
القدر الذي
يتبلغ به
لمواصلة جهده
في تكديس
الثروة الرأسمالية.
إن في إقرار
عقدية "لا إله
إلا الله"
واستقرارها
في أعماق
الانسان
والنهوض بمقتضياتها
التعبدية
والأخلاقية
والاجتماعية ما
يكفل
تحريرالإنسان
من الداخل
فتطمئن نفسه
بذكر الله فلا
يخشى ولا
يتعلق بأحد
سواه، كما
تتوفر شروط
تحريره في
محيطه، فلا
تستعبده سلطة،
ولا تستذله
حاجة، بما
يجتث
الاستغلال والتسلط
من الجذور
وليس مجرد
تغير
لمواقعهما.
ملكية
الله وخلافة
الإنسان: إن
هذا الكون بكل
ما فيه ومن
فيه ملك لله
بلا شريك، قد
استخلف فيه
الانسان
وزوده
بالملكات
الضرورية
لعمارته عبر
تسخير كل
مصادر الثروة
والتصرف فيها
وفق
التوجيهات
الأخلاقية
لإرادة من
استخلفه {ءامنوا
بالله ورسوله
وانفقوا مما
جعلكم مستخلفين
فيه}.[الحديد6].
وهذا
الاستخلاف في
التصرف في
الثروات إنما
هو استخلاف من
الله
للجماعة،
فالجماعة هي
المسؤولة
أمام الله عن
تصرف أفرادها
في الثروة انتاجا
وتوزيعا، حسب
مصالح
الجماعة ضمن
مقتضيات
العدل الالهي.
وهناك نوع
آخر
للاستخلاف هو
استخلاف
الجماعة
للأفراد في
التصرف في
الثروة مما
يسمى
بالملكية الخاصة،
وهي استثمار
الأفراد
للثروات بما
يخدم مصالح
الجماعة. فكل
ملكية خاصة
تتعارض مع مصلحة
الجماعة فلا
اعتبار لها.
ومعنى ذلك أن
الفرد مسؤول
أمام الجماعة
عن نوع تصرفه
في الثروة
التي تحت يده،
فكل تصرف فيه
إضرار
بالجماعة موجب
لنزع تلك
الثروة وردها
إلى المستخلف
وهو الجماعة.
وإذا
كان التوحيد
يعني أن
المالك هو
الله دون غيره
من الآلهة
المزيفة، فإن
هذا المالك
الوحيد إنما
يتصرف وفق
العدل، غير
مؤثر فردا على
فرد، ولا يمنح
حقا لفئة على
حساب فئة بل
يستخلف
الجماعة
الأصلح.
فالخلق كلهم
عيال الله فلا
حق لفرد أن
يستأثر بثروة
والناس جياع."
فالرجل
وبلاؤه( أي
جهده)، والرجل
وحاجته" كما
نص عمر
الفاروق(رض).
إن
الأرض كلها
مائدة الله
والخلق كلهم
عباده "سواء
للسائلين"
[فصلت8] يأخذون
منها على قدر
جهودهم دون
إسراف، ولا حرمان
بسبب عجز، ولا
احتكار، ولا
ظلم ولا استغلال.
عن عائشة رضي
الله عنها
قالت قال رسول
الله صلى الله
عليه وسلم:
"العباد عباد
الله والبلاد
بلاد الله من
أحيا شيئا من
موات الأرض فهي
له. وليس لعرق
ظالم حق"
[أخرجه البيهقي
وصححه
السيوطي].
وزاد أبو داود
قال عروة: "أشهد
أن رسول الله
صلى الله عليه
وسلم قضي أن
الأرض أرض
الله والعباد
عباد الله ومن
أحيا أرضا
مواتا فهو أحق
بها".
فملكية
الإنسان لا
تعدو تمكينه
من حق الانتفاع
وفق مصلحة
الجماعة، إذ
لا يتصور في
حق العباد ملك
الرقاب، وإن
أطلق توسعا
فالملك في
الحقيقة هو
لله تعالى.
أما
الإنسان فليس
له سوى حق
الانتفاع
بإذن من الشريعة،
فإنما شرع
الملك
للانتفاع. وفق
مصلحة وحسب
خطة الجماعة
المستخلفة.
وليس في الإسلام
إذن مجال
للحديث عن حق
طبيعي
للملكية، خلافا
للتصورات
الرأسمالية
السائدة في العصر،
التي تقدس
التملك
وتعتبره حقا
طبيعيا "فرعا
لغريزة حب
البقاء أو
الأنانية"
وللتصورات
الاشتراكية(رأسمالية
الدولة) التي
ترى في
الملكية
الفردية مصدر
الشر
والاستغلال فتلغيها
لتجعل من
الأفراد
عبيدا عند
الدولة والحزب..
أما الإسلام
فلا ينظر
للملكية من
حيث هي شر،
وإنما الذي
يجعلها خيرا
أو شرا الإطار
الفلسفي الذي
توضع فيه.
وإنما تحولت
الملكية إلى مصدر
للاستغلال أو
للقهر في
المجتمعات
الغربية بسبب
التصورات
المادية
الضيقة التي
وضع المشكل في
إطارها..
للفرد في
المجتمع
الإسلامي أن
يملك ما ينتفع
به وينفع غيره
تحت رقابة من
ضميره الديني
وإشراف من
المجتمع،
فإذا لم يؤد
الوظيفة
الاجتماعية
للملكية بسبب
تعطيلها عن
الإنتاج أو
تحويلها إلى
سبب استغلال لغيره
ضرب على يده
ولو
بالانتزاع
دون مقابل.
{ولا تؤتوا
السفهاء
أموالكم التي
جعل الله لكم
قيما
وارزقوهم
فيها وأكسوهم}
[النساء 5.]
"لا حق
لمحتجز بعد
ثلاث" [رواه
أبو يوسف في
الخراج].
{والذين
يكنزون الذهب
والفضة ولا
ينفقونها في
سبيل الله
فبشرهم بعذاب
أليم} [التوبة 33].
3. الإيمان
بالحياة بعد
الموت
"المعاد": في
ظل التصورات
المادية
الجاهلية
تغدو الحياة
فرصة الفرد
الوحيدة
لاقتناص أكبر قدر
ممكن من
اللذات ..
فينمو بين
الأفراد والمجتمعات
التنافس
والصراع
لاحتياز
الثروة وكنزها
وتحقيق
الذات، فيغدو
الإشباع
المسعور هو
الثمرة
الطبيعية
لهذه الفلسفة
التي تنظر إلى
الموت على أنه
النهاية
الأبدية
للحياة، ويتصرف
الإنسان بنهم
وشره طمعا في
تحقيق ذاته
وخلودها.
فجاء
الإسلام
بنظرة مخالفة
لهذه تماما،
فهو ينظر إلى
الحياة لا على
أنها فرصة
للذة والسيطرة،
ولا على أنها
حقيرة
منبوذة،
وإنما هي مجال
النضال من أجل
تحقيق الكمال
الإنساني "الخلافة"
وتجسيد المثل
الأعلى في
سيادة الحق والعدل
والخير ودحر
الظلم والشر
والفساد،
وأنه بقدر
نضالنا في
الحياة على
هذه الجبهة
بقدر ما نضمن
سعادتنا
الأبدية بعد
الموت. والعكس
أنه بقدر
نكوصنا في هذه
المعركة
وتخلينا عن
مدافعة قوى
الشر في
أنفسنا
وواقعنا بقدر ما
نشقى في هذه
{ولعذاب
الآخرة أشد
وأبقى} [طه 127] على
نحو أن الفرد
المؤمن يشعر
أنه بقدر ما
يتنازل عن
لذاته
الخالصة في
هذه لفائدة
غيره بقدر ما
يفوز باللذات
الكبرى في
الآخرة،
والعكس أنه
بقدر ما تستبد
به أنانيته
فيرضى لنفسه
بأكبر قدر
ممكن من
اللذائذ ولو
على حساب غيره
بقدر ما يحرم
في
الأخرى."أشد
الناس شبعا في
الدنيا أشدهم
جوعا يوم
القيامة"كما
ورد في الأثر،
ومعناه في
القرآن"وكلوا
واشربوا ولا
تسرفوا"
إن ما
يتضمنه الدين
من هذه الرؤى
والتعاليم وما
وضعه من وسائل
وطرائق
ليجعلها
تتغلغل في أعماق
الإنسان
ومشاعره
وتؤثر في
حياته وعلاقاته
كالصلاة
والصيام ..
كفيل بتقديم
أسس وقواعد
لنمط آخر من
الإنسان والمجتمع
والحضارة ..
وإحداث ثورة
على مستوى
العلاقات
البشرية
اليوم، ومنها
العلاقات
الاقتصادية.
ولا يعني هذا
بحال أن
الإسلام يكل
أمر تحقيق
العدل
الاجتماعي
إلى عمل
التثقيف والتوعية
والتربية،
كلا فالإسلام
ليس مجرد دين،
إنه نظام دولة
أيضا،همها
قيام القسط
بين الناس ولو
باستعمال
الزجر {ولقد
أرسلنا رسلنا
بالبينات
وأنزلنا معهم
الكتاب
ليقوم الناس
بالقسط
وأنزلنا
الحديد فيه
بأس شديد
ومنافع للناس}
[الحديد 24] وذهب
ابن تيميه في
السياسة
الشرعية وكذا
أبو الأعلى المودودي
في تفسيره إلى
أن المقصود
بالحديد في
الآية سلطان
الدولة.
ومن جهة
أخرى فإن
الإسلام
ينطلق من
اعتبار حرية
الإنسان قيمة
أساسية لا
ينبغي
التساهل في التضحية
بها، فكيف
يمكن التوفيق
بين هذه القيمة
التي تمثل
الجوهر
الإنساني
وبين ضرورات العدل
في العلاقات
البشرية؟
الملاحظ هنا
أن الفلسفات
التي ألحت على
قيمة الحرية
ضحت من أجلها
بمبدأ العدل،
والعكس فعلت
فلسفات أخرى،
بينما
الإسلام يقدم
في رؤيته
الإنسانية حلا
لهذه
المعادلة
الصعبة على
نحو يجعل
الحرية تعمل
بوعي في خدمة
العدالة
عندما توضع
تلك الحرية في
إطار يتجاوز
المجال
الدنيوي
الضيق ليمتد
عبر حياة
الخلود بعد
الموت .. فيقبل
المسلم عن وعي
على التضحية
بلذّاته
الخاصة لصالح
الآخرين
مرضاة لله عز
وجل وضمانا
للسعادة الأخروية
.. {ويؤثرون على
أنفسهم ولو
كانت بهم خصاصة}
[الحشر8] {لا
يؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه
ما يحب لنفسه}
[مالك في
الموطإ] "ارحم
من في الأرض
يرحمك من في
السماء" ـ
فإذا عجزت التربية
في توجيه
الحرية في
خدمة
العدالة،
واتجهت
الحرية توجها
أنانيا مخربا
تدخلت الدولة لتضع
الأمور في
نصابها .. فعلى
قدر فشل
التربية وعجز
الحرية يتسع
حجم تدخل
الدولة
والعكس كذلك.
إن
معادلة
التوفيق بين
الحرية
والعدالة، بين
الذاتية
والغيرية
تمثل المعضلة
الأساسية في
الفلسفات
السياسية
والأخلاقية
والاقتصادية.
ولا حل لها
إلا في
الإسلام.
4. الأخوة:
ينطلق
الإسلام في
نظرته
للمجتمع من اعتباره
وحدة عضوية
متفاعلة
متساندة
متضامنة،
وتنطلق هذه
الوحدة من
الاشتراك في
الأصل الإنساني
{ خلقناكم من
نفس واحد ة..}
[النساء1] ومن ابتهالات
النبي عليه
السلام "أنا
شهيد أن العباد
كلهم أخوة" ثم
وحدة المعتقد
{إنما المؤمنون
اخوة} .. فليس
المجتمع بل
ليس العالم في
صورته
المبتغاة
مجموعة
تكتلات
مصلحية عرقية
أو ثقافية
تتصارع
وتتقاتل على
الكسب أو
السيطرة ..
وإنما أسرة
واحدة "الخلق
عيال الله"
تجمع بينهم
روابط الاخوة
.. وهذه الأخوة
ليست مجرد
مشاعر من
التحابب
والتوادد، بل
هي مشاركة وجدانية
واجتماعية
وحقوق شرعية
توجب على الأخ
أن يستشعر
هموم أخيه وأن
يعمل على
التخفيف من
وطأتها على
الأقل "من نفس
عن مؤمن كربة
من كرب الدنيا
نفس الله عليه
كربة من كرب
يوم القيامة"
" لا يؤمن
أحدكم حتى يحب
لأخيه ما يحب
لنفسه"
"المسلم أخو
المسلم لا
يظلمه ولا يسلمه".
يعلق أحد كبار
رواد التفكير
الاجتماعي والاقتصادي
في الإسلام
العلامة
الثائر "ابن
حزم" رحمه
الله على
الحديث
الأخير فيقول:
"متى تركه
يجوع ويعرى
وهو قادر على
إطعامه وكسوته
فقد
أسلمه"(المحلى)
ومن شأن ذلك
تعريض البنيان
الاجتماعي
كله لاختلال
التوازن
المهلك
{وأنفقوا في
سبيل الله ولا
تلقوا
بأيديكم إلى
التهلكة}
[البقرة 123]
فاحتكار
الثروة في يد
القلة جريمة
كبرى وقضاء
على المجتمع
بالتمزق والدمار.
ومقتضى
الأخوة
الدينية أو
القومية
الوطنية أو
الانسانية أن
الحد الأدنى
المطلوب بذله
لحفظ التوازن
الاجتماعي هو
الزكاة .. فإن
لم تكف الزكاة
بسبب ما حدث
من اختلال فادح
كان حد
الإنفاق بقدر
ما يعيد
التوازن إلى المجتمع
حتى وإن اقتضى
ذلك اقتسام كل
ما في المجتمع
من الثروات
بالسوية. فقد
أثنى الرسول
صلى الله عليه
وسلم على
الاشعريين
وهم قبيلة
فقيرة من جنوب
اليمن: "رحم
الله
الأشعريين كانوا
إذا أرملوا
جمعوا
أقواتهم في
كيس واحد واقتسموها
بالسوية فأنا
منهم وهم مني".
وليس
أمر إعادة
التوازن
موكولا
لمشاعر الأغنياء،
بل هو واجب
الدولة إن لم
يقوموا به من
تلقاء أنفسهم.
يقول الشيخ
الثائر "وفرض
على الأغنياء
من أهل كل بلد
أن يقوموا
بفقرائهم ويجبرهم
السلطان على
ذلك إن لم تقم
الزكوات بهم ولا
سائر
المسلمين،
فيقام لهم بما
يأكلون من القوت
الذي لا بد
منه ومن
اللباس
للشتاء والصيف
بمثل ذلك
وبمسكن يكنهم
من المطر
والشمس" (المحلي
ج 6 ص 156.).
فإذا
تخلى أصحاب
المال عن
واجبهم تجاه
إخوانهم
وتواطأت معهم
السلطة كان
على الفقراء
أن يعتمدوا
على أنفسهم في
افتكاك
حقوقهم
المغصوبة ولو
مع استعمال
القوة:
قال ابن
حزم في
"المحلي": "من
عطش فخاف
الموت فرض
عليه أن يأخذ
الماء حيث
وجده وأن
يقاتل عليه
ولا يحل لمسلم
اضطر أن يأكل
ميتة أو لحم
خنزير وهو يجد
طعاما فيه فضل
عن صاحبه، لأن
فرضا على صاحب
الطعام إطعام
الجائع، فإذا
كان ذلك كذلك
فليس بمضطر
إلى الميتة
ولا إلى لحم
الخنزير، وله
أن يقاتل عن
ذلك فإن قتل "الجائع"
فعلى قاتله
القود ـ أي
القصاص ـ وأن
قتل المانع
فإلى لعنة
الله، لأنه
منع حقا وهو طائفة
باغية .. قال
تعالى { فإن
بغت إحداهما
على الأخرى
فقاتلوا التي
تبغي حتى تفئ
إلى أمر الله}
ومانع الحق
باغ على أخيه
الذي له
الحق"(نفس
المصدر).
فالأخوة
بأبعادها
الإنسانية
والاجتماعية والعقائدية
هي أساس
المجتمع
الإسلامي
وليس الصراع.
ولا
حرمة لمال ولا
لثروة إذا غدت
هذه الأخوة مهددة.
ولا حرمة لمال
أو ثروة إذا
تعرض البناء الاجتماعي
للاختلال
وفقد خاصيته
الأساسية: التساوي
أو التقارب
والتعادل
فيتعرض
للهلاك:
{وانفقوا في
سبيل الله ولا
تلقوا
بأيديكم إلى
التهلكة}.
هذا هو
الإطار
الثقافي أو
العقائدي
الذي سنتحرك
خلاله بحثا عن
حل للمعضل
الاقتصادي في
بلادنا.
الإطار
الجغرافي
والسكاني:
ولأن
العقائد لا
تؤثر إلا من
خلال تفاعلها
مع الأرض مع الزمان
والمكان .. كان
لا بد من
تحديد للإطار
الأرضي
والجغرافي
السكاني الذي
نعتبره المجال
الملائم لحل
المعضل
الاقتصادي
وغيره.
إن من
العوامل
الرئيسية في
التخبط الذي
تعيشه بلادنا
على كل
المستويات
غياب الإطار
العقائدي
الشامل ..
الغياب الذي
أفقد العامل
كل حافز معنوي
للنتاج
والتضحية،
والذي فرض على
بلادنا أنماط
مجتمعات
الاستهلاك،
على نحو أن
النظام أوجد
في المواطنين
رغبات عجز عن
تلبيتها، فضلا عن
قيام الدولة
بالدور
المناقض
لمهمتها
الأساسية في
أنها كابح
لجموح الحرية
الفردية
وادارة
التوازن،
وتحولت إلى
أداة للاستغلال،
بل إنها تقدم
الضمانات
الأساسية
لاستمرارالاستغلال،
بل إنها تقدم
الضمانات
الأساسية لتفاقمه
"قانون 72 و74"
وتحميه
بمختلف
الوسائل، فبدل أن
يكون المسؤول
نموذجا في
التواضع والتقلل
غدا العكس هو
الحاصل وغدت
المسؤولية أقرب
طريق للإثراء.
وغدت
المسؤولية
اقرب طريق للثروة
على حين يمنع
الإسلام
الجمع بين
سلطة المال
وسلطة الحكم،
وكاد المواطن
لا يحس بالدولة
إلا من خلال
وظيفة واحدة
من وظائفها هي
الوظيفة
الأمنية.
هذا
عامل، أما
العامل الآخر
فهو الوضع
السيئ، أو
الإطار غير
المناسب الذي
وضع فيه
المشكل الاقتصادي
ببلادنا.
فذا كان
الإطار
العقائدي
الذي وضع فيه
المشكل الاقتصادي
كما هو الحال
في بقية
البلدان
الإسلامية هو
فلسفة الغرب
في اللذة
والرفاه وما
يتولد عن ذلك
من التنافس
على
الاستهلاك ..
فإن الإطار
الجغرافي هو
الوطنية
التونسية ..
فلقد اجتهد
منظروا الحزب
من زمان بعيد
في الحديث عما
أسموه مرة
بالشعب
التونسي ومرة
بالأمة التونسية
.. وبقطع النظر
عما إذا كانت
تونس شعبا أو
جزء من شعب أو
هي أمة أو جزء
من أمة .. فإن
الإطار
الجغرافي
والسكاني
الذي تحتفل
للمرة الخامسة
والعشرين بـ
"استقلاله"
ليس في وسعه
أن يكون
مستقلا .. إن
حجمه
الجغرافي والسكاني
لا يمكنه في
عالم يتجه
قدما نحو
التكتلات
الدولية
الكبرى إلا
لأن يكون ذيلا
لتكتل من تلك
التكتلات:
"السوق
الأوربية
المشتركة
مثلا" فتفرض
عليه شروطها
المجحفة في
التعامل
ويضطر هو
للقبول ..
وهكذا تحولت
بلادنا في ظل
الإطار
الجغرافي والسكاني
الذي
ارتضيناه لأنفسنا
إلى وضعية
التابع
المستغل من
طرف أوربا
..مما يجعل
الحديث عن
الاستقلال في
هذا الإطار
ضربا من
التمويه
والتغني
بالشعارات.
إن على
التونسيين إن
أرادوا أن
يعيشوا عصرهم ويفقهوا
اتجاهه أن
يتخلوا عن هذا
الوهم "الاستقلال"
ويختاروا أحد
سبيلين:
إما أن
يستمروا على
التبعية
الذليلة
لأوربا وأمريكا
والاكتفاء من
الاستقلال
بالشعارات
والنشيد
الرسمي.
أو أن
يعملوا على
تجاوزهذا
الإطار
السياسي الجغرافي
الضيق الذي
حشروا أنفسهم
فيه ليندمجوا
في إطار أرحب
لا يجعلهم في
وضع التابع بل
في وضع
الشريك. وقضية
الإطار لا
تحدد بالقرار
السياسي بل
تحدد على ضوء
معطيات
ثقافية
وتاريخية
وجغرافية.
إن
القرار
السياسي
يستطيع أن
يربطنا
بالغرب ولكنه
لن يجعلنا
غربيين لأننا
لا نريد ذلك،
ولا نستطيعه،
هذا إذا قبل
الغرب وهو لا
يريد .. إننا
كنا وسنبقى
عربا مسلمين..
إن
الإسلام لا
يقدم لنا فقط
الإطار
العقائدي لحل
مشكلاتنا، بل
يقدم لنا أيضا
الإطار
الجغرافي
والسكاني والتاريخي
على اعتبار
أننا جزء من
أمة تمثل خمس
سكان العالم
وخمس المساحة
الأرضية
وتحتوي على
اضخم الموارد
والطاقات في
العالم..
إننا
نصرّ على أن
الإطار
الطبيعي
الملائم لعقائدنا
وعصرنا ليس هو
بحال "الوطن
التونسي” ولا
الأيديولوجية
القومية أو
الوطنية التي
تفوح منها رائحة
التبعية
والتغريب،
وإنما هو
الإسلام والعالم
الإسلامي
والأمة
الإسلامية
بدءا من المغرب
العربي إلى
العالم
العربي إلى
العالم
الإسلامي،
إلى الشعوب
المستضعفة
عامة في أفريقيا
وآسيا. هذا هو
الإطار الذي
يجعل للجهود
المبذولة في
حل مشكلتنا
رصيدا ومعنى
وجدوى .. بل إن في
هذا الإطار
تجد مشكلات ما
يسمى بـ
“العالم الثالث”
عالم
المستضعفين
حلولها ..
وعندئذ يمكن
أن يقوم حوار
حقيقي بين
الشمال
والجنوب أو الشرق
والغرب .. بل إن
هذا الإطار
كفيل بأن يقدم
للغرب الغارق
في مشكلاته
الاقتصادية
خيوطا من
النور تهديه
إلى أنه ما
استمر على
تأسيس حياته
على فلسفة
اللذة
والمتعة والسيطرة
والقوة، ولم
يعزم على
القيام بثورة
كبرى على
ماديته على
غرار ثورته
السابقة على
الروحانية
الكنسية
الزائفة فلن
يجد حلا لمشكلاته
الاقتصادية
مهما رصد لها
من خبراء
اقتصاديين
لأنها مشكلات
ذات طابع
إنساني بحت.