غدًا ... ندفع الثمن

 

بقلـم : محمود شنب

 

يقبض الحكام أتعابهم مقدماً ، وتسدد الشعوب فواتيرهم لاحقاً ، ولا أحد يتعلم من دروس الماضي أو يأخذ من التاريخ عِبرة ، لذلك نرى الأخطاء تتكرر ولا شئ يتغير ، والخطأ الذي نراه اليوم صغيراً يصبح بعد جيل واحد شجرة أخطاء كبيرة تترامى وتغطي أطرافها كل البلاد .

اليوم ندفع ثمن الأخطاء القديمة للحكام .. مثلما ستدفع الأجيال القادمة ثمن سكوتنا الآن وصبرنا على الحكام .

ما فائدة أن يكتشف المرء أنه قد سُرق ؟!

ما فائدة أن يكتشف المريض أنه في المراحل الأخيرة من المرض ؟!

ما فائدة أن يعرف الانسان قاتله في النظرة الأخيرة وهو يودع الحياة ؟!

ما فائدة أن نلعن اليوم بذخ الخديوي توفيق وخيانة السادات ؟!  ولماذا لم يحاسبوا في الحال على إجرامهم وتـُغل أيديهم وأرجلهم عن المواصلة ؟!

لماذا نترك الحكام يزرعون الغدر بأصابع الخيانة ، وعند الحصاد نلعنهم ونلعن أيامهم وأيامنا ؟!

لقد سَبَـقـنا الحكام في تجهيز كل أدوات القهر والبطش والتعذيب ووضع خطط السيطرة على الشعوب والقدرة على الردع ، وقد شاهدنا كل معالم المؤامرة ولم نقاوم !!!

ألم نشاهد جراد الأمن المركزي يتكاثر بالآلاف ولم نتصرف ؟؟  هل كنا نتصور أنهم ملائكة رحمة أو سواعد إنتاج ؟!

ألم نشاهد السجون تبنى وتتطور ، ولم نتحرك ؟؟  هل تصورنا أنها دور علم أو أماكن للعبادة ؟؟

ألم يقبضوا على خيرة شباب الوطن ولم نعترض ؟؟

ألم نشاهد المصانع تـُخرب عن عمد وتباع بثمن بخس لا يساوي حتى ثمن التراب المقامة عليه ؟؟

ألم نشاهد اللصوص والخونة في كل مواقع السلطة ولم نرفض أو نقاوم ؟؟

ألم نشاهد بوار الاعلام وانحرافه وفساده ـ حتى في شهر الصيام ـ ولم نعترض ؟؟

ألم تذهب قواتنا المسلحة لضرب العراق ومُنعت عن نجدة الاخوة في فلسطين ـ وكله بأمر النظام ، ولم نثور أو نعترض ؟؟

ألم نشاهد علم إسرائيل يرفرف في سماء مصـر ولم نحرقه ونحرق كل من جلبه إلينا ؟؟

ألم يعلم القاصي والداني أن يوسف والي قد أطعمنا السموم والهرمونات وجلب إلينا الأمراض التي أفنت أجيال عديدة ، ولم يحاسبه أحد ؟؟   وما زال يجلس على قلوبنا حتى الآن !!

كل هذا وأكثر ـ وما خفى كان أعظم ـ يعتبر بذور هلاك للأجيال القادمة إن كان هناك أجيال قادمة .

لقد صبر الشعب كثيراً ، وسيكون الثمن فادحاً إن صبرنا أكثر من ذلك ، وقد اطمئن النظام لثبات أركانه فأصبح يجاهر بالمعاصي ويعلن موالاته للكفار جهاراً نهاراً دون مواربة ، وهدمه لكل الثوابت الدينية والوطنية والاخلاقية .

لقد تجبرت أمريكا بقوتها على حكامنا وتجبر حكامنا بقوتهم علينا ، وأمريكا تحدثهم بكبرياء وحكامنا يحدثوننا بصلف .. ويُحدث القوي فينا الضعيف بنفس اللغة ... وما حكامنا إلا وسطاء لا يعصون بوش ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون !!

إننا في حاجة لتحطيم كل الأصنام التي خلقها الإعلام .. في حاجة لأن نثبت للعالم كله أننا خير أمة أخرجت للناس .. وما هوان الشعب واغتصاب حقوقه إلا نتائج صبره وخوفه من الحكام .

إن اليهود يُسَمون مصـر في التوارة "بيت العبودية" وقد عمل اليهود على ذلك واجتهدوا كثيراً من أجل أن نصبح حقاً "بيتاً للعبودية" وأن يرى فينا كل حاكم ضالته المنشودة ... ولقد إستمر شعب مصـر في عبودية الحاكم منذ عهد فرعون حتى الآن .. ولم يرفع الشعب رأسه طيلة تلك الفترة إلا بعد الفتح الإسلامي .. ولم يخفضها إلا بعد الفتح الإعلامي وموالاة الكفار والاشادة بتمدنهم وتحررهم إلى أن عدنا من جديد "بيتاً للعبودية" .

إن القيادة الآن في عالمنا العربي لا تخضع لمفاهيم الإسلام وقوانينه وأحكامه ، لكنها تخضع لرغبة اللصوص واختيار ما يناسبهم ويوافقهم على قبول نهبهم واستمرار بغيهم .

حكامنا اليوم غير مؤهلين للقيادة ، وليست فيهم تلك السمات الواجب توافرها من شجاعة وخلق وإيمان وإقدام وزهد وتقشف وجلد وتحمل .. إنهم من الطراز الذي يزرع الوهن في الشعوب ويفقدها الثقة في قدرتها على التحدي والصمود وحسن المواجهة ، ولذلك نراهم يرتعدون خوفاً إذا سمعوا كلمة "قتال" ويتمسحوا كذباً في الخوف على الشعوب وخطط التنمية ، والحقيقة أنهم يخافون على ملكهم وملك حاشيتهم وأولادهم من الزوال .

إن كل "هلفوت" في الحاشية يتصور أنه حاكم البلاد وحامي الحمى ، وكل واحد منهم في موقعه يتصور أنه رئيس البلاد ...

أنظر مثلاً لمجلس الشعب وتأمل جلساته ومناقشاته .. وتأمل تلك الفئة القليلة المجاهدة التي تريد الحق وتطلبه وانظر الى مدى ما تعانيه من تهديد وتحجيم ومماطلة وتسويف على يد فئة باغية جاءت عن طريق الزور والبهتان ، تلك الفئة التي يجلس في مقدمتها سلطان باغي يتصرف وكأنه الدولة ، وكل من يستمع لكلماته ويطالع حركاته يتأكد أنه لا يحمل أي فكر ولا يعرف إلا لغة التشويش والتضليل والكذب والتعالي ، وليس له قبول لدى الشعب ، وكل من يشاهده يتحسر على كل شئ .. على الوطن والمواطن .. على الشرف والكرامة .. على الأدب والالتزام .. على الأمانة وحسن الخلق ... يتحسر على كل شئ .. حتى على هذا الفرعون وقد ارتضى لنفسه أن يظل مربوطاً في سلسلة طويلة أولها في يد رئيس المجلس وآخرها في عنقه ، وبمجرد هز السلسلة والنطق بكلمة السر "حكومة" تراه منتفضاً منتفخاً متفحصاً فريسته ، ثم يبدأ سيلاً من السخرية والاستهزاء والسباب والبهتان دون أن يقدم أو يؤخر ، ودون أن يثرى حوار الأدب أو يدعم أصول الديمقراطية .. إلى أن تحولت معالم وجهه مع الأيام إلى ملامح غضب خالية من الرحمة أو الراحة أو القبول ، وكأن ما بها من غضب وسواد لا يمكن اصلاحه وتقويمه ..

أنظر أيضاً ليوسف والي .. تراه رئيساً آخر للبلاد لكنه على عكس النموذج الأول ، حيث يعمل في صمت يتناسب مع مهامه الخاصة التي لا يصلح لها إلا العمل في السر والظل والظلام ، ورغم أن بسمته لا تـنصفه وعيناه دائماً تفضحه إلا انه يعيش كالمندوب السامي في الحكومة ، حيث تتغير الحكومات عليه وهو لا يتغير ، ويظل دائماً في الموقع الذي يبعده عن الظهور ويقربه من التأثير وبسط النفوذ .

... نموذج آخر يمثله وزير الثقافة المتهم في كل شئ ـ حتى في شرفه ، وقد كُتب عنه وعلى صفحات الجرائد أنه شاذ ، ولم يغضب أو يُعقب وكأن السطور جاءته بمثابة الإعلان أو الدعاية التي تجلب إليه المزيد من الزبائن !!   وفي نفس الوقت تعطيه من المؤهلات والمواصفات ما يجعله مرغوباً عالمياً ـ شأن كلينتون .

إنهم لا شئ ولا شئ بالمرة ، وهذا هو المطلوب ليستمروا ويستمر النظام معهم ... فهل بهؤلاء يمكن أن نقاتل إسرائيل وندافع عن كرامتـنا ؟!!

إنهم يشكلون عصابة تتساند فيما بينها ، وأصبح لهم مُلك مصـر والأنهار التي تجري من تحتهم ، فكيف نحارب بهم ـ وفاقد الشئ لا يعطيه ـ حيث لا يحملون إلا فكر الملذات والاستراحات والقصور والمنتجعات .

لقد فشلنا سياسياً أكثر مما فشلنا عسكرياً وهذا يوضح أننا لم ننجح في أي شئ ، وأن صمت الحكام لم يكن تعقل مثلما يدعوا ، ولا ضعف مثلما نتصور ـ لكنه كان جزءً من المؤامرة الدنيئة التي استهدفت فلسطين ، واليوم وبعد مرور أكثر من شهر على المذابح الاسرائيلية أروني عملاً واحداً قام به حاكم عربي ـ إذا استثـنينا في ذلك الرئيس العراقي صدام حسين الذي أوقف إنتاج النفط وتصديره ، وللأسف تعهدت السعودية والكويت بتعويض النقص حتى تجعل القرار بلا جدوى .

إن شارون نجح في تحقيق أهدافه الاجرامية بنسبة فاقت المائة في المائة ، وعلى الطرف الآخر شاهدنا رسوب القادة العرب بنسبة تدنت إلى ما تحت الصفر ، وإلى درجة بلغت حد الفضائح والاتهام بالخيانة والعمالة ، ولم تنفعهم أصوات الكلاب المسعورة من كتبة الصحف المأجورة المليئة بأعضاء الطابور الخامس ممن يتغنوا صباح مساء بانشودة القيادة الحكيمة والنظرة المتعقلة .

والواضح أن المخطط الذي نعيشه الآن لن يكتفي بفلسطين أو العراق ـ إنه أكبر من ذلك بكثير وأكبر مما نتخيل ونتصور ، وأن المخطط ما زال في أوله ، والله أعلم كيف يكون آخره وقد تـنازل الحكام عن كل الثوابت بصورة مجنونة وغير مسبوقة ـ تنازلوا حتى عن الدين والشرف والفضيلة من أجل كرسي الحكم !!

والتـنازلات لا تأتي بخير أبداً ، ودائماً ما يكون الحوار ما بين اللص والضحية حوار القوة والضعف ـ بمعنى أنه قد يطلب اللص منك "ساعة يدك" فان وافقته يقول : والمحفظة ، وان وافقته يقول : والجلباب أو البدلة التي عليك حتى يصل إلى السروال وبعد كل ذلك قد يقتـلك لأنه وجد فيك ضالته والنموذج المثالي لكل فريسة خائبة ، أما إن وجد المقاومة فإن ذلك يربك تفكيره ، ويفسد خططه ، ويوقف أطماعه عند الحد الذي تقاومه فيه ولم تـنفذه له مطالبه .

كيف تكون في بيتك بين أولادك وزوجتك رجلاً وأنت لا تستطيع حمايتهم ؟؟

كيف تكون رجلاً وفي كل حين يقتحم عليك اللص مسكنك ويأخذ ما يشاء ويخرج دون مقاومة ؟؟

يقول أحمد مطر في "حكاية عباس" :

"عباس" وراء المِتراس

يقظ .. منتبه .. حساس

منذ سنين الفتح .. يُلمّع سيفه

ويلمع شاربه أيضاً ..

منتظراً .. محتضاً دُفة !

     *      *

بَلعَ السارق ضَفه

قَلبَ عباس القرطاس

ضرب الأخماس لأسداس :

بقيت ضفه ..

لملم عباس ذخيرته والمتراس

ومضى يصقل سيفه !

     *      *

عبر اللص إليه .. وَحَل ببيته

أصَبحَ ضيفه

قدم عباس لهُ القهوه

ومضى يصقل سيفـَه

      *     *

صرخت زوجته : عباس

أبناؤك قتلى .. عباس

ضيفك راودني عباس

قـُم أنقذني يا عباس

    *       *

عباس وراء المتراس

منـتبه .. لم يسمع شيئاً

زوجته تغتبه الناس !

    *     *

صرخت زوجته : عباس

الضيف سيسرق نعجتـنا

عباس اليقظ الحساس

قلب أوراق القرطاس

ضرب الأخماس لأسداس :

أرسل برقية تهديد !

      *     *

ـ فلمن تصقل سيفك يا عباس ؟!

ـ لوقت الشده

ـ أصقل سيفك يا عباس !

إن الكرامة لا يشعر بها غير الأحرار ، ومن سقطت عنه كرامته سقط عنه كل شئ ، ويتمنى في قرارة نفسه سقوطها عن الآخرين ، ومن ينصح بقبول الذل أشبه بالديوث السياسي الذي يقبل التفريط في عرضه ووطنه مقابل ملذاته حتى لو طلب منه الخِصم أن يفعل به الفحشاء لقال بسيطة "غزة وراحت" مثلما يقول الحشاشين .

لقد جرب الزعماء العرب كل أنواع الفشل للدرجة التي أصبحت فيها حياتهم موسوعة للفشل ـ فما الذي يخيفهم لو أضافوا فشلاً جديداً بمحاولة أن يكونوا رجالاً وبمحاولة أن تكون لديهم كرامة .. وبمحاولة أن يدخلوا حرباً من أجل ماء الوجه ؟!    ما الذي يخيفهم من الحرب إلى هذه الدرجة ؟؟

إننا لم نُخلق لنعيش في رفاهية وخنوع ، ولأن يعيش الحر في كهف أسامه بن لادن أحب إليه من أن يعيش في قصر من قصور الحكام العرب .

لقد جرب الحكام العرب كل شرائع الأرض رافضين شرع السماء فلم ينتصفوا ، وإحترموا كل قرارات الأمم المتحدة فانخفضوا وداستها إسرائيل بالنعال فارتفعت ، يهبطون بالخوف إلى تراب الذل ، وإسرائيل ترقى بالقتال إلى مراتب السيادة والريادة .. إسرائيل تعد لنا من رباط الخيل وتأخذ بالأسباب ، وحكامنا يقيمون لنا السجون ويعيشون بالجبن كالديدان تحت التراب .

وهل حقاً ستـتركنا إسرائيل ؟؟

لقد وقـفنا على الحياد ، ولم نبادلها العداء ، ولم نقطع البترول ، ولم نطرد السفير ـ فهل ستتركنا حقاً ؟؟

لقد فعلنا "عجين الفلاحة" وتقوقعنا في أنفسنا وتبرأنا من كل العرب وقضاياهم .. فهل ستـتركنا إسرائيل ؟؟

يقول المشير أبو غزالة : ( إن إسرائيل تشكل التهديد الحقيقي لأمن مصـر ، وانه لا سلام حقيقي معها دون نزع سلاحها النووي ) .

إذاً لن تتركنا إسرائيل .... وغداً .. ندفع الثمن .