هكذا
ردد المؤمنون
الخلص الذين
التفوا حول الرسول
صلى الله عليه
وسلم في غزوة
الخندق يوم رماهم
المشركون
واليهود من
جزيرة العرب
عن قوس واحدة،
وحاصروهم
لمدة قاربت
الشهر، فأحاطوا
بـهم إحاطة
السوار
بالمعصم
فرأوا في تلك النازلة
رأي العين شدة
البلاء
وانقطاع
الناصر والمعين
من البشر ما
اهتزت له
الأفئدة،
وبلغت به
القلوب
الحناجر: ((إذ جاءوكم
من فوقكم ومن
أسفل منكم وإذ
زاغت الأبصار
وبلغت القلوب
الحناجر
وتظنون بالله
الظنونا،
هنالك ابتلي
المؤمنون
وزلزلوا
زلزالاً
شديداً)) [الأحزاب:
10 - 11]، لما رأى
المؤمنون هذا
المشهد، وهذه
الشدة
والبلاء
قالوا في ثقة
وثبات:
((هذا ما وعدنا
الله ورسوله
وصدق الله
ورسوله وما
زادهم إلا
إيمانا
وتسليماً)).
فما هذا
الذي وعدهم
الله به
ورسوله؟ يقول
ابن عباس رضي
الله عنه: "هو
قول الحق جل
وعلا في سورة
البقرة:
((أم حسبتم أن
تدخلوا الجنة
ولما يأتكم مثل
الذين خلوا من
قبلكم مستهم
البأساء والضراء
وزلزلوا حتى
يقول الرسول
والذين آمنوا
معه متى نصر
الله ألا إن
نصر الله
قريب)) وهكذا تلخص
هذه الآية
الأطوار التي
يمر بـها حملة
الحق وهم
يواجهون أهل
الباطل في
معركتهم
الطويلة التي
يرومون من
جراء البلاء
الحسن فيها مرضاة
الله والفوز
بالجنة، وما
يلحق ذلك من
الظفر
بالأعداء
والنكاية
بـهم أو
السقوط في ساحات
الوغى من غير
قبول لمذلة أو
مهانة: ((قل هل
تربصون بنا
إلا إحدى
الحسنيين
ونحن نتربص
بكم أن يصيبكم
الله بعذاب من
عنده أو
بأيدينا
فتربصوا إنا
معكم
متربصون))،
فدون الجنة
والنصر تبعات
وتبعات، تبلغ
فيها القلوب
الحناجر،
وتزلزل فيها
النفوس زلزلة
شديدة.
وهذا ما
حصل للمسلمين
في غزوة
الأحزاب لما
اجتمع عليهم
ما يزيد عن
العشرة آلاف
من مشركي العرب
مع اليهود
الذين نقضوا
العهد -
كعادتـهم - وحرضوا
أشراف قريش
وألبوهم على
حرب النبي صلى
الله عليه
وسلم كما
يفعلون اليوم
من تحريض غير
عادي في إطار
ما أطلق عليه
حرب
"الإرهاب"،
بل وحرب إبادة
يباشرونـها
بأنفسهم على
المسلمين في
فلسطين. فجاءت
جنود الأحزاب
في تلك الواقعة
من أعلى
الوادي، ومن
أسفل
المدينة،
فأطبقوا
عليهم
الحصار،
وأرادوا
استئصال
شأفتهم، والقضاء
عليهم، حتى
تسمع العرب أن
قريشاً قد وضعت
حداً لهذا
"التمرد"
الذي انطلق من
عقر دارها.
ولما اشتدت
الوطأة على
النبي صلى
الله عليه
وسلم وصحبه
وبلغ بـهم
الجهد والضيق
مبلغه الذي
وصل فيه الأمر
إلى طلب النبي
صلى الله عليه
وسلم من الصحب
الكرام من
يذهب ليستقصي
خبر القوم -
العدو - ويكون
معه يوم
القيامة - أي
في الجنة -
فيرددها
ثلاثاً ولا من
مجيب، فوقع
بعد ذلك
اختيار
الرسول صلى
الله عليه
وسلم على حذيفة
بن اليمان،
الذي يقول بعد
أن تم تكليفه
بذلك: "فمضيت
كأنما أمشي في
حمام"، ثم رجع
كأنما يمشي في
حمام كذلك،
ولما وصل وفرغ
من المهمة
أصابه البرد
الذي كان
شديداً في ذلك
الوقت[1]. قلت:
لما وقع ذلك
انكشفت معادن
الناس
واختلفت
ظنونـهم،
فالمنافقون
قالوا: كيف نوعد
بكنوز كسرى
وقيصر وأحدنا
لا يستطيع الذهاب
لقضاء حاجته!!
وبدأوا
يتحججون للتفلت
بمعاذير شتى؛
بيوتنا عورة،
ما وعدنا الله
ورسوله إلا
غروراً... الخ،
أما الثابتون
المخلصون
فاطمأنوا
لوعد الله
ووعيده؛ وعده
بنصر المؤمنين،
ووعيده
بـهلاك
الكفرة
والمجرمين،
فكان ما أراد
الله من رد
الذين كفروا
بغيظهم، لم
ينالوا خيراً
وكفى الله
المؤمنين
القتال.
هل كان
حادثاً
فريداً؟
هذا
الذي حصل
للمسلمين
أيام الرسول
صلى الله عليه
وسلم أكد ما
قرره الله
سبحانه
وتعالى عن قافلة
الحق في
معركتها
الطويلة مع
الباطل، قبل
بعثته صلى
الله عليه
وسلم، وها هي
تتأكد بعد
مجيئه بما
ناله ونال
أصحابه
الكرام قبل أن
يمكن لهم في
الأرض، فهل
كان هذا الذي
ألم بـهم في
تلك الواقعة
أمراً
معزولاً،
وحادثاً
منقطعاً عما
سيصيب هذه
الأمة من
بعده؟ لم يكن
الأمر كذلك،
فلقد مرت على
الأمة ظروف
كالحة اشتد
فيها البلاء
وعظمت فيها
المصيبة
وتكاثر فيها
الأعداء واجتمعوا،
كما تجتمع
الأسود على
فرائسها،
ليفتوا في
عضدها،
وليثنوها عن
دينها لتختار
بين أمرين: أن
تساق إلى
المسالخ
كالأغنام، أو
تعيش بدون هدف
كالدواب
والأنعام؛
حصل ذلك في
هجمة التتار،
وفي استيلاء
الصليبيين
على بيت المقدس،
وفي الهجمة
الاستعمارية
التي أعقبت
نكبة ضعف
الخلافة
العثمانية ثم
سقوطها، فهل
حدث في أي
مصيبة من تلك
المصائب أن تم
القضاء على المسلمين
عن بكرة أبيهم
حتى لا يعود
للدين الذين
يحملونه أي
ذكر ولا تقوم
له أي قائمة؟
كلا وألف كلا،
وسنعرج في
اختصار شديد
لوصف أشد تلك المصائب
ألماً
وأعمقها
جرحاً، ألا
وهو غزو التتار،
لندرك أنه
مهما بلغ
الأعداء في نكالهم
وبطشهم،
ومهما كانت
مخططات
تدبيرهم وتدميرهم،
فإن عاقبة
مكرهم إلى
زوال، وأن
الدائرة
ستدور عليهم
طال الزمن أم
قصر، يقول ابن
الأثير رحمه
الله في
الحديث عن تلك
الفاجعة[2]: "لقد
بقيت عدة سنين
معرضاً عن ذكر
هذه الحادثة استعظاماً
لها كارهاً
لذكرها، فأنا
أقدم إليه
رجلاً وأؤخر
أخرى، فمن
الذي يسهل
عليه أن يكتب
نعي الإسلام
والمسلمين،
ومن الذي يهون
عليه ذكر ذلك،
فياليت أمي لم
تلدني، ويا
ليتني مت قبل
هذا وكنت
نسياً
منسياً، إلا
أني حثني
جماعة من
الأصدقاء على
تسطيرها،
وأنا متوقف،
ثم رأيت أن
ترك ذلك لا
يجدي نفعاً،
فنقول هذا
الفعل يتضمن
ذكر الحادثة
العظمى، والمصيبة
الكبرى التي
عقمت الأيام
والليالي عن مثلها
عمت الخلائق،
وخصت
المسلمين،
فلو قال قائل:
إن العالم مذ
خلق الله
سبحانه
وتعالى آدم
إلى الآن لم
يبتلوا
بمثلها لكان
صادقاً، فإن التواريخ
لم تتضمن ما
يقاربـها ولا
ما يدانيها.
ومن
أعظم ما
يذكرون من
الحوادث ما
فعله بختنصر
ببني إسرائيل
من القتل،
وتخريب البيت
المقدس، وما
البيت المقدس
بالنسبة إلى
ما خرب هؤلاء
الملاعين من
البلاد التي
كل مدينة منها
أضعاف البيت
المقدس، وما
بنو إسرائيل
بالنسبة إلى
من قتلوا، فإن
أهل مدينة
واحدة ممن قتلوا أكثر
من بني
إسرائيل،
ولعل الخلق لا
يرون مثل هذه
الحادثة، إلى
أن ينقرض
العالم،
وتفنى الدنيا
إلا يأجوج
ومأجوج، وأما
الدجال، فإنه
يبقي على من
اتبعه ويهلك
من خالفه،
وهؤلاء لم يبقوا
على أحد، بل
قتلوا النساء
ولا حول ولا
قوة إلا بالله
العلي العظيم
لهذه الحادثة
التي استطار
شررها، وعم
ضررها، وسارت
في البلاد
كالسحاب
استدبرته
الريح".
أما شيخ
الإسلام ابن
تيمية رحمه
الله الذي كان
له القدح
المعلى مع
إخوانه
العلماء
والمجاهدين
الصادقين في
شحذ الهمم،
وحث الناس
حكاماً
ومحكومين لرد
كيد الأعادي
في نحورهم،
ببث روح الأمل
والعمل على
وحدة الكلمة
واجتماع الصف
في مثل هذا
الخطب الجلل،
فيقول رحمه
الله مقارناً
بين ما مر به
المسلمون في
تلك الواقعة
وبين ما حدث
للمسلمين في
غزوة
الأحزاب[3]:
"فينبغي
للعقلاء أن
يعتبروا بسنة
الله وأيامه
في عباده،
ودأب الأمم
وعاداتـهم،
لاسيما في مثل
هذه الحادثة
العظيمة التي
طبق الخافقين
خبرها، واستطار
في جميع ديار
الإسلام
شررها، وأطلع فيها
النفاق ناصية
رأسه، وكشر
فيها الكفر عن
أنيابه
وأضراسه،
وكاد فيه عمود
الكتاب أن يجتث
ويخترم. وحبل
الإيمان أن
ينقطع ويصطلم،
وعقر دار
الإيمان أن
يحل بـها
البوار. وأن يزول
هذا الدين
باستيلاء
الفجرة
التتار، وظن
المنافقون
والذين في
قلوبـهم مرض
أن ما وعدهم
الله ورسوله
إلا غروراً،
وأن لن ينقلب
حزب الله ورسوله
إلى أهليهم
أبداً، وزين
ذلك في قلوبـهم،
وظنوا ظن
السوء وكانوا
قوماً بوراً،
ونزلت فتنة
تركت الحليم
فيها حيران،
وأنزلت الرجل
الصاحي
منـزلة
السكران،
وتركت الرجل
اللبيب لكثرة
الوسواس ليس
بالنائم ولا
اليقظان، وتناكرت
فيها قلوب
المعارف
والإخوان،
حتى بقي للرجل
بنفسه شغل عن
أن يغيث
اللهفان،
وميز الله
فيها أهل
البصائر
والإيقان من
الذين في قلوبـهم
مرض أو نفاق
وضعف إيمان،
ورفع بـها أقواماً
إلى الدرجات
العالية، كما
خفض بـها أقواماً
إلى المنازل
الهاوية،
وكفر بـها عن
آخرين
أعمالهم
الخاطئة،
وحدث من أنواع
البلوى ما جعلها
قيامة مختصرة
من القيامة
الكبرى.
فإن
الناس تفرقوا
فيها ما بين
شقي وسعيد،
كما يتفرقون
كذلك في اليوم
الموعود، وفر
الرجل فيها من
أخيه وأمه
وأبيه؛ إذ كان
لكل امرئ منهم
شأن يغنيه،
وكان من الناس
من أقصى همته
النجاة بنفسه،
لا يلوي على
ماله ولا ولده
ولا عرسه، كما
أن منهم من
فيه قوة على
تخليص الأهل
والمال، وآخر
فيه زيادة
معونة لمن هو
منه ببال،
وآخر منـزلته
منـزلة
الشفيع
المطاع، وهم
درجات عند
الله في
المنفعة
والدفاع، ولم
تنفع المنفعة
الخالصة من
الشكوى إلا
الإيمان
والعمل
الصالح،
والبر
والتقوى،
وبليت فيه
السرائر.
وظهرت
الخبايا التي
كانت تكنها
الضمائر، وتبين أن
البهرج من
الأقوال
والأعمال
يخون صاحبه
أحوج ما كان
إليه في
المآل، وذم
سادته وكبراءه
من أطاعهم
فأضلوه
السبيلا، كما
حمد ربه من صدق
في إيمانه
فاتخذ مع
الرسول
سبيلاً، وبان صدق
ما جاءت به
الآثار
النبوية، من
الأخبار بما
يكون،
وواطأتـها
قلوب الذين هم
في هذه الأمة
محدثون، كما
تواطأت عليه
المبشرات
التي أريها
المؤمنون،
وتبين فيها
الطائفة
المنصورة
الظاهرة على
الدين، الذين
لا يضرهم من
خالفهم ولا من
خذلهم إلى يوم
القيامة، حيث
تحزبت الناس
ثلاثة أحزاب:
حزب مجتهد في
نصر الدين، وآخر
خاذل له. وآخر
خارج عن شريعة
الإسلام".
أيام
بعضها من بعض!!:
وها هو
الزمان يدور
دورته،
فتختفي الحرب
الباردة التي
شغلت العالم
ردحاً من
الزمان،
فخففت بعضاً
من السهام التي
كان يمكن أن
توجه
للمسلمين،
وما انتهى ذكرها
وتولى أمرها،
إلا وبدأ
الإسلام
والمسلمون
يرشحون
ليكونوا
العدو الأوحد
للزعيم المنفرد
"أمريكا"
وحلفائه،
فبدأنا نلحظ
تشكل حلف غير
مقدس يجمع
خشاش الأرض من
كل ملة ونحلة يريد
تصفية
الحسابات مع
المسلمين؛
تارة تحت لافتة
النظام
العالمي
الجديد،
وأخرى - وهي
الأنكى
والأشد - تحت
مظلة محاربة
"الإرهاب"
بعد أحداث
الحادي عشر من
سبتمبر.
فاليهود
يمارسون أبشع
الأفعال
العظيمة والأعمال
المنكرة، ومع
ذلك توسم
أعمالهم
بالدفاع عن
النفس،
ويتفهم من
يمدهم بحبله
بأنـهم دعاة
سلام ومحبون
له!! وما
يقومون به من
قتل وتشريد
وتدمير ما هو
إلا خيار
اضطروا إليه
وأرغموا عليه
إرغاماً لمواجهة
"قوافل"
المدججين
بوابل
الحجارة وبسهام
"النبيطة
والمقلاع"!!
ولذا وجب أن
يوقف هؤلاء
أعمالهم
ليتسنى لرجل
"السلام"
شارون أن يفتح
هجوم
"مبادرات
السلام" التي
تعتبرها الأنظمة
العربية
الخيار
الاستراتيجي
والوحيد للحد
من غطرسة
اليهود
واعتداءاتـهم.
ولهذا فإن
الجهود ينبغي
أن تصب في هذا
الإطار، وهذا ما
يفسر لنا
لماذا بدأ
باول جولته من
الرباط وليس
القدس
"المحاصرة"،
أو تل أبيب
حاضنة الجبابرة،
لأن ما يقلق
بالفعل هو وسم
العمليات
التي تستهدف
"محبي السلم
والسلام" و
"طالبي الأمن
والأمان" من
اليهود
بالاستشهادية،
أو أن تمتد
المظاهرات
والاحتجاجات
لتؤثر في
نـهاية
المطاف على
عروش الأنظمة
المثبتة
لنظام الكيان
الصهيوني.
وبعده
نفهم لماذا
يعلق باول بعد
اجتماعاته
بشارون بأنه
لا يزال
يتبادل وجهات
النظر معه
ليتيح له
الفرصة
للانتهاء من
المهمة التي
وضع خطتها مع
سفاحيه، وعند
الحديث عن
الطرف الآخر -
عرفات وزمرته
- فإنه - أي باول -
يقول: "نريد
أفعالاً، لا
نريد أقوالاً
وكلاماً معسولاً
أو وعوداً".
بم
يمكننا بعد ذلك
أن نفسر مثل
هذه الأعمال
وتغطية هذه
التصرفات
البربرية
لليهود من قبل
"راعية
السلام" أمريكا؟،
إن لم تكن حرب
الأحزاب التي
تخاض اليوم ضد
الإسلام
والمسلمين.
وقل مثل هذا
الأمر على ما
يحدث
للمسلمين في
الشيشان
والهند وأفغانستان
والفلبين، بل
وفي بلاد
المسلمين التي
تحولت إلى
سجون
ومحتشدات
واسعة
الأرجاء تسخر
فيها جميع
الأجهزة
الفاعلة؛ من
أمن وجيش وإعلام
لا للدفاع عن
الأوطان
وحمايتها، بل
للدفاع عن
الأنظمة
وتثبيتها،
بقتل الأحرار
وتشريدهم
والتضييق
عليهم أو
تغييبهم في
غياهب السجون،
بينما
الأعداء
يوجهون
الضربة تلو الأخرى
ويلحقون
بالمسلمين
النكبة بعد
الثانية، يتم
كل هذا في وقت
تزداد فيه
عجوزات
الميزانيات،
ومستوى
المدينويات
الخارجية
بسبب تكديس الأسلحة
البالية أو
الشحوم
البادية على
الأجساد
العاتية.
إن
الخناق
والطوق يزداد
على المسلمين
يوماً بعد
آخر، ليصل إلى
حد الدندنة
حول كل ما من
شأنه أن يمدهم
بما ينفخ فيهم
روح المقاومة
والعزة
والإباء.
فمناهج
العلوم
الدينية على
قلتها في بعض
الأماكن
وضعفها في
الأخرى هي
المسؤولة عن
تخريج قوافل
"الإرهابيين"
التي تقض مضجع
الاستقرار
العالمي، لذا
وجب أن تغير!!
أما المقاومة
ورد المعتدي
بما هو متاح
فهي مفردات
يجب أن تقتلع
لأنـها تثير
الكراهية
وتلهب
العواطف
وتؤجج
المشاعر بين
"الجيران" و
"أبناء
العم"، ودفع
الزكاة
لمستحقيها ومساندة
الجمعيات
الخيرية دعم
للإرهاب لذا وجب
أن يحجر على
من يساهم
بالتبرع لها.
إن محور
"الشر"
الحقيقي قد
حزم أمره، على
ما يبدو، وجد
سيره في
معركته
الطويلة
لإحكام الطوق
على المسلمين
من كل جانب؛
من فوقهم
بالطائرات للدمار
والتخريب،
وبالأقمار
الصناعية
للمراقبة
والترصد، ومن
أسفل منهم
بملاحقتهم
ومداهمة
أعمالهم
ومشاريعهم
حتى لا يهنأ
لهم بال ولا يقر
لهم قرار، وعن
أيمانـهم
بزرع العملاء
والمنافقين،
وعن شمائلهم
بالحصار
والتضييق في
سبل العيش
وطرائق
التنمية
والازدهار
ليبقوا في
مؤخرة الركب
ولتشكل
طوابيرهم
البائسة أكبر
عدد في قافلة
اللاجئين
والمشردين
على مستوى
العالم. كل
هذا يحدث من
قبل الأعداء
الأصليين
لتزلزل
النفوس زلزلة
شديدة كما في
الهند وأفغانستان،
أما الأعداء
المستأجرون
فيقومون بإحكام
الطوق - وهذا
ما يفسر في
تقديري اطلاق
ذلك الاسم على
بعض دولهم -
حتى لا يتسلل
أبي شريف أو
تدخل رصاصة
تساهم في
زيادة مدة
مقاومة من يقف
للأعادي وقفة
الشموخ
والإباء حتى
تبلغ القلوب
الحناجر
وتنقطع جميع
سبل المدد
البشري كما
حدث في جنين
ونابلس. كل
ذلك وأشد منه
يتجرع
المسلمون
كؤوسه صباح
مساء ليرفعوا
الراية البيضاء،
ولتنطق
أفعالهم قبل
أقوالهم كفى ثم
كفى، لقد تبنا
وأنبنا وإلى
البيت الأبيض
سلمنا أمرنا
وعدنا، فهل
حدث شيءٌ من
ذلك بعد هذه
الضربات
الموجعة؟.
إن
البطولات
الباسلة التي
سطرها
ويسطرها
إخواننا في
أرض الإسراء والمعراج،
والنكايات
التي يلحقها
الرجال بالأوغاد
الروس في
الشيشان
وغيرهما من
مواطن الصمود
في كل مكان
تقول لهؤلاء
المتغطرسين
لا تزال هذه
الأمة حية،
وهي قادرة على
اتيانكم من
حيث لم
تحتسبوا ليس
بمددها
المادي الذي
يضع في
الحسبان قوى
البشر لا غير،
بل بالمدد
الذي لا ينقطع
مهما أحكم
المحكمون في
خططهم
وأوصدوا من
الأبواب في
وجه
المقاومين في
جميع بقعهم وثغورهم،
فما دامت
النفوس قد
تحررت من كل
خور وجبن، ومن
كل مذلة
ومهانة،
وحسمت خيارها
في إحدى
الحسنيين،
فلن يقف
أمامها أية
قوة في الأرض،
لأنـها تردد،
كما ردد
أسلافها من
قبل: ((هذا ما
وعدنا الله
ورسوله))، فهي
محنة وبلاء، مع
صبر ويقين لا
يخالطه أدنى
شك بأن الأيام
دول، وأنه لو
دامت لأي
طاغية فرداً
كان أم أمة لما
وصلت لخلفه من
الطغاة
المغرورين.
وما هذا
الذي يصيب
المسلمين هنا
وهناك إلا جزء
من الرحلة
الشاقة التي
لا بد منها
لتحقيق الغايات
العظام؛
الفوز بالجنة
والظفر بالأعداء،
فهي رحلة
"البأساء" أي
الحاجة
والفاقة،
و"الضراء"
وهي الوجع
والمرض،
و"الزلزال" وهي
زلزلة
العدو[4]، وعدة
الصبر على
البلاء، والتسليم
بالقضاء،
والتصديق
بتحقيق ما كان
الله وعد به
ورسوله:
((ألا إن نصر
الله قريب))[5].
فلينذر
الطغاة
بمصيرهم
المشؤوم
وليستعرضوا -
إن شاؤوا -
عاقبة الذين
حلوا ديارهم،
واعتلوا سلم
الغطرسة
والكبرياء
مكانـهم،
وليستبشر
المقهورون
المظلومون
بأن الله منجز
وعده، وإن
كلمته قد سبقت
أن الأرض له
يورثها من يشاء
من عباده
والعاقبة
للمتقين، فما
أشرنا له في هذا
المقام يدل
دلالة قاطعة
على أن الذي
نذكره ليس
رجماً بالغيب
وإنما هو
تصديق لما جاء
في الكتاب
الذي لا يأتيه
الباطل من بين
يديه، ولا من
خلفه، لأن هذا
هو الطريق:
إيمان وجهاد ..
ومحنة
وابتلاء،
وصبر وثبات ..
وتوجه إلى
الله وحده، ثم
يجيء النصر،
ثم يجيء
النعيم..."[6]، هذا من
جهة.
ومن جهة
أخرى فإن هذا
المخاض الذي
تمر به أمة الإسلام
فيه شبه
وتقاطع كبير
مع تلك
الملمات التي
مر بـها
المسلمون من
قبل، ولا
غرابة في ذلك،
فالناس قد
ظنوا ظنوناً
مختلفة - على
سبيل المثال -
أيام الرسول
صلى الله عليه
وسلم وكذلك
حالهم هذه الأيام.
فلقد رفع أهل
النفاق
عقيرتـهم،
فوسموا المسلمين
الصادقين
بشتى النعوت
والأوصاف، من
"تطرف" و
"إرهاب" و
"أصولية"،
وإلقاء بالنفس
إلى التهلكة،
ثم راحوا
يوزعون
تباشير القضاء
على ذلك،
ليفسح المجال
أمام
"الحداثة" و "الخنا"
وليخلوا لهم
الجو ليشيعوا
الفاحشة في الذين
آمنوا، بينما
كان موقف
الخلص من
المؤمنين أن
من وراء الشدة
فرجاً، وأن
بعد العسر يسراً،
وأن ما يفعله
الأعداء من
التضييق على
المسلمين
تحقيق لوعد
الله ووعيده،
بأن تضيق عليهم
السبل وينقطع
حبل الرجاء
إلا من الله،
فيتوجهون له
بكل صدق
وإخبات، ثم
يعمدون إلى ما
لديهم من
إمكانات
ليعملوها
فيأتوا بما لا
تتمكن عقول
بعض البشر من
إدراكه - خاصة
أهل الطغيان -
كما يفعل
أهلنا في
فلسطين،
فتتضاعف بعد
ذلك، بإذن
الله، ثم بفضل
مرابطة أهل
الثغور مثل هذه
الأعمال حتى
يأذن الله
بالفرج والمخرج
من عنده.
فلا
يظنن بعد هذا
ظان بأن الذي
تمر به أمة
الإسلام من
محنة معزولٌ
أو منقطعٌ بل
إن هذه المصيبة،
كما قال شيخ
الإسلام أيام
زمانه وكما نقول
نحن اليوم،
التي ابتلي
بـها
المسلمون قد جرى
فيها شبيه بما
جرى للمسلمين
مع عدوهم على
عهد رسول الله
صلى الله عليه
وسلم في
المغازي التي
أنزل الله
فيها كتابه،
وابتلى بـها
نبيه
والمؤمنين:
مما هو أسوة
لمن كان يرجو
الله واليوم
الآخر، وذكر
الله كثيراً
إلى يوم
القيامة؛ فإن
نصوص الكتاب
والسنة،
اللذين هما
دعوة محمد صلى
الله عليه
وسلم، يتناولان
عموم الخلق
بالعموم
اللفظي والمعنوي،
أو بالعموم
المعنوي.
وعهود الله في
كتابه وسنة
رسوله تنال
آخر هذه
الأمة، كما
نالت أولها،
وإنما قص الله
علينا قصص من
قبلنا من الأمم
لتكون عبرة
لنا، فنشبه
حالنا
بحالهم، ونقيس
أواخر الأمم
بأوائلها
فيكون للمؤمن
من المتأخرين
شبه بما كان
للمؤمن من
المتقدمين، ويكون
للكافر
والمنافق من
المتأخرين
شبه بما كان
للكافر
والمنافق من
المتقدمين".
ولذا
وجب توطين
النفس على
الشدائد
والأخذ بـها
إلى أن تنحاز
إلى الحق، إذ
الحياد لا
يجوز في مثل
هذه المواطن،
ثم العمل على
دفع هذا البلاء
بما هو مقدور
كل منا حسب
مقامه
ومكانه؛ فالدعاء،
والجود
بالمال،
والتعبير عن
رفض هذا الواقع
الآسن بكل
الوسائل
المشروعة [من
مقاطعة ومقاومة
للتطبيع
وغيرهما]، ثم
العمل على غرس
معاني
المقاومة
والوقوف إلى
جانب الحق في
صدور
الناشئة، بل
وإرضاعها لهم
حتى تخالط
دمهم ولحمهم
من أوجب
الواجبات ..
ولابد فوق ذلك
من بث الأمل
وروح
التفاؤل، كما
كان دأب النبي
صلى الله عليه
وسلم في مثل
هذه الملمات، فالنفوس
اليائسة
والأرواح
الخاوية لا
تزيد الأمة
إلاّ وهناً
وضعفا.
وفي
الختام أقول:
فالله [أسأل]
أن يتم النعمة
بجمع قلوب أهل
الإيمان على
جهاد أهل
الطغيان، ويجعل
هذه [المصائب]
الجسيمة مبدأ
لكل منحة
كريمة،
وأساساً
لإقامة الدعوة
النبوية
القويمة،
ويشفي صدور
المؤمنين من
أعاديهم،
ويمكنهم من
دانيهم
وقاصيهم[7]. اللهم
آمين.
الهوامش:
[1] - حديث
حذيفة بن
اليمان رواه
الإمام مسلم
في صحيحه، وقد
اخترنا بعض
المقتطفات
منه خشية الاطالة،
يمكن العودة
لتفسير ابن
كثير للاطلاع
على الحديث
بتمامه في
تفسير الآيات
المتعلقة
بغزوة الخندق
من سورة
الاحزاب.
[2] - الكامل في
التاريخ، 11/399.
[3] - مجموع
الفتاوى، 28/190 - 192.
[4] - الفتاوى
لابن تيمية: 28/206.
[5] - مقولة
يزيد بن
رومان، نقلها
ابن جرير في تفسيره
رحمه الله: 10/278.
[6] - في ظلال
القرآن: 1/219.
[7] - هذه
الكلمات ختم
بـها شيخ
الإسلام ابن
تيمية حديثه
عن هجمة
التتار عندما
قارنـها بما
حل للمسلمين
يوم الأحزاب،
28/208 .