هل شاخت الديمقراطية الفرنسية؟

 

بقلم : عبد الكريم غلاب

كانت نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية في دورها الاول أمس الاول مفاجئة لجميع الملاحظين الاجانب والفرنسيين علي الاخص. فلم يكن منتظرا أن ينحي الناخبون الزعيم الاشتراكي جوسبان من الرهان في الدور الثاني، ولم يكن منتظرا بالتالي أن يحصل الزعيم اليميني المتطرف لوبان من الاصوات ما يضعه في المرتبة الثانية، ويمكنه من الرهان علي منصب الرئاسة في الدور الثاني. هذه المفاجأة تقل ضراوتها أمام المفاجاة المهمة، وهي انصراف نسبة كبيرة من الفرنسيين عن التصويت، ثم تردد نسبة كبيرة من الذين اعتزموا التصويت بين المرشحين 16 وخاصة بين البارزين منهم.

حجب الاصوات والتردد في الاختبيار يؤكدان ظاهرة خطيرة في عدم إيمان الاجيال الجديدة من الفرنسيين بالانتخابات وبالتالي بالديمقراطية علي شكلها المتوارث. فقد أصبحت هذه الاجيال في موقع النقد والادانة. هذا احتمال. أو أصبحت في موقع اليأس والقنوط هذا احتمال آخر. والاحتمالان متناقضان. ولكن الاجيال الجديدة في الدول المتقدمة، يصدر عنها من الافكار ويمارس من السلوك ما يؤكد حداثتها وموقعها من المعاصرة.

من تحليل هذه الفكرة يمكن أن نستخلص :

1 ـ في سنة واحدة أكد الفرنسيون انصرافهم ـ بنسبة كبيرة ـ عن التصويت : المرة الاولي عند الاستفتاء علي تعديل الدستور لجعل مدة الرئاسة خمس سنوات لا سبعا. والثانية عند انتخاب الرئيس في الدور الاول أمس الاول. والامتناع عن التصويت في المرة الثانية كانت له نتيجة حتمية خطيرة، هي صعود اليمين المتطرف (لوبان) لمرحلة الصراع الثنائي علي الرئاسة يوم 5 مايو المقبل. لأن الواعين من الناخبين هم الذين امتنعوا. والمأخوذون بالافكار المتطرفة (جديدة نسبيا) صوتوا فمكنوا لوبن من مهمته حتي يحصل اليمين المتطرف في المجموع علي نحو 35% من الاصوات.

وهذه ظاهرة لو نجحت قد تسير بفرنسا إلي خلخلة الاسس الحضارية التي قامت عليها الثورة الفرنسية، وحضارة ما بعد الثورة من التسامح، وإعلان أفكار ديمقراطية تقدمية. الرجعية الآن تضرب فرنسا بجناحها.

2 ـ اليسار الفرنسي ينهزم. الشيوعيون تأخروا، الاشتراكيون انهزموا في السياق. زعيمة اليسار المتطرف (أرليت لوغويي) حسنت من مركزها فوصلت إلي أكثر من 6% وهي نسبة لم تحصل عليها طيلة السنوات الطويلة التي رشحت نفسها للرئاسة دون أن تطمع في الوصول، ولكنها تؤكد بترشحها قدرتها علي النضال والصمود في زعامة اليسار المتطرف، رغم انهزام الشيوعية والاشتراكية.

3 ـ انهزام جوسبان يؤكد ـ نسبيا ـ انهزام الفكر الاشتراكي في السنوات السبع الماضية، فقد كان في انتخابات 1995 متقدما علي شيراك في الدور الاول. وانتصر عليه هذا الاخير في الدور الثاني. ومعني ذلك أن الاشتراكية في تخلف في المجتمع الفرنسي.

الاشتراكية الفرنسية لم يبق لها ما تقدمه للشعب الفرنسي، كانت لها أفكار اجتماعية تقدمية، ولكن استوي الماء والخشبة فهي في ممارستها السياسية وفي الحكم ظلت متشبثة باسم الاشتراكية، في حين أن ممارستها غير اشتراكية، وخاصة في القضايا الكبري كالخصخصة، وهو مذهب ليبرالي أمريكي يسعي إلي تخليص الدولة من الاشراف علي المنشآت العامة. وكما تتخلص الحكومات الليبرالية من هذه بقيادة جوسبان طيلة حكم (5 سنوات مع شيراك) نفس الخط فتخلي عن التأميم (وهو مبدأ اشتراكي) وتخلي عن كثير من الخدمات الاجتماعيةالتي كانت تميز النهج الاشتراكي.

الاشتراكيون بنوا فرنسا ـ التقدمية من سان سيمون (ق 17 ـ 18) حتي جان جوريس مؤسس الحزب الاشتراكي (قتل في بداية الحرب الاولي 1914) أفكار الاول هدفت إلي توحيد أوربا. وأفكار الثاني وحدت القوي العمالية. ولم يقم الاشتراكيون المحدثون في فرنسا بأي ممارسة تؤكد انتماءهم للاشتراكية الارتوذوكسية الفرنسية.

الحزب الاشتراكي إذن لم يعد عنده ما يقوله. خاصة عند ممارسة الحكم 5 سنوات ومن الطبيعي أن يبتعد عنه الناخبون. فانهزام جوسبان إذن طبيعي. وحسنا فعل حينما قرر أن يعتزل العمل السياسي. فقد يأتي جيل من الشباب اشتراكيون بالفعل.

4 ـ كثرة المرشحين 16 مرشحا ومرشحة للرئاسة.

وهذه الكثرة السائبة تؤكد تمزق الفكر السياسي الفرنسي. ولذلك لا نستغرب أن يحصل أكبر مرشح (شيراك) علي أقل من 20% من الاصوات، وتوزع أصوات الناخبين بين الذين حصلوا علي 5% (شوفينمان) وبين الذي حصل علي 17.2% (لوبان).

كثرة المرشحين تؤكد ظاهرتين :

ـ تمزق الفكر السياسي

ـ عدم وجود أفكار مذهبية وسياسية جديدة يلتف حولها السياسيون المتطلعون للعمل السياسي، ولو في مقام أقل من الرئاسة.

الفكر السياسي تخلف في فرنسا. والمحاولة التي قام بها الرئيس ديغول لتوحيد الفرنسيين حول الجمهورية، وتجميعهم حول منهج ثابت في الحكم، وإبداع مبدأ زعامة الرئيس بدلا من تشتت الزعامات التي كانت سببا في تفسخ الحكم في الجمهورية الثالثة حتي أصبحت فرنسا بدون حكومة. تؤلف الحكومة في الصباح وتسقط في المساء. هذه الخطوة التي خطاها ديغول بدأت تتفسخ بعد أن وجد 16 من المتزعمين في أنفسهم الرغبة في الترشح للرئاسة. ثم إن الافكار الحضارية والتقدمية التي بنتها فرنسا منذ الثورة حتي ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تنهار بصعود اليمين المتطرف الذي قد تدفعه الصدفة إلي الاليزيه. خلال الاسبوعين القادمين قد يعود فيهما الفرنسيون إلي رشدهم، فيعودون إلي صناديق الانتخاب. لأن الاختيار أصبح صعبا، والتخلف عن المشاركة جريمة في حق الشعب الفرنسي والديمقراطية الفرنسية. وقد يصحح المرشحون 16 (اصبحوا 14) مواقفهم فيختارون من هو أصلح بقيادة فرنسا من الآخر ويدعون أنصارهم إلي الاختيار بعد أن يئسوا ويئس من أن يختارهم الشعب الفرنسي. أود أن أختم بأن أدعو أن تكون الانتخابات الفرنسية بسلبياتها عبرة في انتخابات سبتمبر القادمة في المغرب.