بوش، شارون والأنظمة العربية: من يسقط من؟

 

بقلم : خالد الشامي

عندما قدمت المبادرة السعودية الي قمة بيروت قيل بين ما قيل، انها تهدف لاسقاط حكومة شارون، وبعد ايام قليلة بدأ النظام العربي بأكمله بالسقوط امام الاجتياح الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وبينما كان الأثير الفضائي اثناء العدوان يمطر هوانا علي كل بيت وشارع ومؤسسة حكومية وقصر رئاسي وملكي واميري من المحيط الي الخليج، كان الزعماء العرب يسدلون الستار مؤقتا علي عروض مسرحياتهم ذات البطل الواحد (يسمونها دولا)، ويتحصنون في موقع الدفاع لأول مرة امام غضب الشارع الذي فاجأ مرة اخري من كانوا راهنوا علي موته.

وللتغطية علي التخاذل والرعب، التجأ النظام العربي الي اساليب نضالية تلفزيونية مثيرة للسخرية، فخرج مسؤولون كبار واعضاء في عائلات مالكة ورئاسية (لا فارق كبيرا) يتصدرون المظاهرات، في محاولة لسرقة حتي هذا السلاح من ايدي شعوبهم، بعد ان جردوهم حقوقهم الاساسية في التظاهر السلمي للتعبير عن الرأي (راجع العنف الوحشي ضد المظاهرات التي لم تحمل صور الرئيس او الملك العربي).

فاذا كان دور الزعماء العرب يقتصر علي المطالبات والتحذيرات في الفضائيات وتنظيم المظاهرات المخابراتية، فعلي من تقع مسؤولية الفعل والتحرك وقيادة الأمة باتخاذ القرارات والمواقف السياسية الحازمة والصعبة في هكذا مفصل تاريخي؟

لقد سقطت الانظمة العربية بالفعل في أعين شعوبها، وهي لن تقوم من سقطتها هذه، مهما نظمت حملات الدعاية والنضال التلفزيونية.

بل ان ثمة حملة منظمة تجري حاليا للاثراء الحكومي علي حساب الانتفاضة في اكثر من بلد عربي، عن طريق ابتزاز مشاعر الفقراء والمحتاجين، واقتسام لقمة العيش مع المطحونين (بعض المصريين لم يستطع التبرع بأكثر من جنيه واحد اي اقل من ربع دولار) لتذهب هذه الاموال الي جهات لا تخضع لأي تدقيق حسابي، وظيفتها الحقيقية والوحيدة تلميع صور الحكام وعائلاتهم وحكوماتهم.

وهكذا تحولت دماء الشهداء التي حرص الزعماء العرب علي الا تلطخ ملابسهم القشيبة المثقلة بنياشين الكذب الصادق مادة للاتجار التلفزيوني.

ولا احد يسأل لماذا تحتاج الحكومات لابتزاز عواطف الفقراء، بينما الاستثمارات الخارجية العربية مثقلة بالمليارات (ثمانون مليارا في حالة سورية) ناهيك عن الحسابات السرية؟

لقد حولتنا حملات التبرع ومشاهد القتل اليومية الي امة من المتسولين والعاجزين امام انفسنا وانظمتنا واعدائنا واصدقائنا علي السواء.

ولكن الابتزاز السياسي العربي للانتفاضة ظل الافدح في حق الشهداء، بدءا بالمبادرة السعودية التي مثلت حالة من الهروب الي الامام بحرق آخر الاوراق التفاوضية العربية وهي التطبيع دون مقابل او ضمان واضح.

ومع ارتفاع نسبة شعبية شارون الي اكثر من خمسة وستين بالمئة بعد العدوان، بدا السؤال اكثر الحاحا حول الهدف الحقيقي من تقديم مبادرة سلام الي جزار متحصن وراء اغلبية برلمانية ودعم شعبي وامريكي كبير.

فماذا حققت المبادرة السعودية عمليا سوي تقوية شارون الذي يستطيع ان يقتل العرب ويحصل منهم علي مبادرات في آن، وانقاذ الراعي الامريكي المزعوم من حالة فراغ وبطالة كشفت زيف دوره كـ وسيط نزيه !

واليس مثيرا للغثيان ان يتحدث النظام العربي بعد كل ما حدث عن امريكا كشريك للسلام، بينما يعتبرها اوروبيون شريكا في العدوان الاسرائيلي.

ولماذا لا يسعي العرب لاسقاط بوش بعد ان عجزوا عن اسقاط شارون؟

لقد ضيع العرب فرصة تاريخية لتوجيه رسالة قوية الي الادارة الامريكية بدلا من الاكتفاء بدبلوماسية التوسل اياها.واذا كان بوش نجح في الانتخابات الرئاسية اصلا رغم ارادة اللوبي اليهودي الامريكي فقد كان من الجدير بالعرب افهامه انه ربما يسقط رغم تأييد اللوبي اليهودي، عن طريق التلويح باستخدام النفط الذي هو القوة الاقتصادية الوحيدة في ايديهم.

واذا لم يحاول العرب استخدام اسلحتم مهما كانت ضعيفة، فهل يفترض ان نواجه اسرائيل وراعيتها بـ سلاح الشعر !؟

ان هذا الثنائي القاتل بين اليمين المتطرف في تل ابيب والصهيونية المسيحية في واشنطن لن يأتي الا بالكوارث علي العرب انظمة وشعوبا، وانتظروا حملة ضرب العراق وما ستفجره في المنطقة من تناقضات.

وان غدا لناظره قريب.