نحن وأمـريكا

 

بقلم : محمد الإبراهيم

 

- 1 -  يذكر المفكر الجزائري مالك بن نبي أن من وسائل الاستعمار الماكرة: الإيحاء للناس بأن المسلم منبوذ هذا القرن، وفي هذه الحالة يصبح سلوك المسلم ردود أفعال، وهذه التهمة ترفع عنده طاقات الدفاع، حتى يكون في حالة توتر شاذة، فهو يعيش إما متّهِماً أو متّهَماً.

هذا كلام قديم لمالك بن نبي في تحليله لنفسية الأوربي، وهذا المكر مستمر، يتجرعه العالم الإسلامي خاصة، ومن مخترعاته الجديدة لمز المسلم بـ (الإرهاب) وتمكن الإعلام الغربي أن يجرد للمسلمين أبغض صورة لدين من الأديان، واستخدم الغرب وأمريكا خاصة هذا المصطلح ليطوق العالم الإسلامي، ويضرب من يشاء، ويهدد من يشاء. ومع الأسف الشديد فقد راج هذا المصطلح على الإعلام العربي وعلى الشخصيات السياسية، بل على السذج والبسطاء، فتسمعهم يقولون: نحن نرفض الإرهاب. ولكن لا يذكرون أي إرهاب يرفضون، بمعناه الذي يرفضه كل العقلاء أم بمعناه الأمريكي. إن على العلماء والدعاة والمثقفين إيقاف هذه المهزلة، ودفع هذا البلاء النازل على المسلمين، وأن يفكروا بأحسن الوسائل والسبل التي توصل الصوت عالياً بأن المسلمين ليسوا ضعفاء إلى الحد الذي تكال لهم التهم في كل مكان، وهم المتهمون من بين شعوب الأرض.

في الجهاد الليبـي ضد الإيطاليين، طبق القائد الإيطالي نظرية أجداده الرومان، بأن وضع الشعب الليبـي في معسكرات اعتقال وأحاط ليبيا بسياج شوكي حتى لا يصلها أي مدد من الدول المجاورة، إنـها دعوة استئصالية مجرمة تعامل الشعوب الأخرى وكأنـهم شعوب متوحشة لا تستحق الحياة، وأمريكا اليوم تعلن الحرب على العالم الإسلامي على الطريقة الرومانية (اقتلاع جذور الإرهاب) وهذا يعني بنظرها اقتلاع التعليم الديني، واقتلاع توجيهات القرآن (وأنى لها هذا) وأن تجعل المسلمين أغنام لا قوة لهم ولا أسنان ولا يهمهم إلا الاستهلاك. ما الفرق بين (غراسياني) و(بوش) الإبن وكل ذرية الرومان.

- 2 -  يلعب الدين في أمريكا دوراً أكبر بكثير مما تتصوره غالبية المراقبين الخارجيين، والتعاطف الأمريكي مع إسرائيل ينطلق من تآلف ديني قائم على (الكتاب المقدس) وإن جرى تغطيته بالحديث عن الديمقراطية المشتركة، إنه تحالف بروتستانتي - يهودي متجذر، هذا هو واقع أمريكا، وكل تعلق بآمال أن تغير أمريكا موقفها إنما هو سراب وأوهام. إن إسرائيل بالنسبة لهم امتداد ديني – حضاري يحمل ملامح المشروع الغربي، والوراثة للحضارة المسيحية – اليهودية. الحديث عن هذا التحالف الاستراتيجي وتشابكه مع المصالح الأمريكية الاقتصادية والسياسية ليس من نظرية المؤامرة في شيء، وليس من الحساسية تجاه اليهود وما يدبرون، وليس تبريراً لضعفنا، ولكنه الواقع على حقيقته، وهذا ديدن ساسة الغرب منذ عرفوا السياسة، وصارت لهم دول وامبراطوريات واستيلاء على الشعوب الأخرى، وهذا لكي نعلم كيف نتعامل معهم وكيف تكون العلاقات الصحيحة والسليمة من الأذى ومن الهوان. يقول السياسي والدبلوماسي عادل أرسلان في مذكراته عن النصف الأول من القرن العشرين: "قلت وما زلت أقول، إن الولايات المتحدة في قوتـها المادية العظيمة كالطفل يلعب بقطعة سلاح، ولولا دولاراتـها لانبرى لها الكثيرون من رجال السياسة والحرب والاقتصاد، فأظهروا مساوئ سياستها، أنا لا أشك في أن (روزفلت) كان قادراً على حل قضية (دانزيغ) بين ألمانيا وبولونيا وعلى الحيلولة دون الحرب، ولكنه كان خاضعاً لليهود، بل حرض على الحرب، ثم كان في استطاعته أن يوقفها سنة 1942 وأن ينقذ ألمانيا من هتلر بتأييده لخصوم النازية من قواد الجيش فلم يفعل لأنه كان يريد تدمير ألمانيا وشعبها"[1].

هل تغير شيء مما قاله هذا السياسي عام 1950، وهل نقص شيء مما قاله عن أمريكا، أليس اليهود هم الذين يحرضون أمريكا على ضرب العراق وضرب أي دولة لا تخضع لهم.

في عام 1998 تقدم عضو في مجلس الشيوخ عن ولاية بنسلفانيا وهو اليهودي (أركر سبكتر) بمشروع قانون أمام الكونغرس باسم (قانون التحرر من الاضطهاد الديني) ويستهدف العالم العربي والإسلامي والصين أيضاً، ويقوم على الادعاء المفتعل باضطهاد المسيحيين وفرض عقـوبات على بـلدان متهمة بهذا الاضطهاد[2].

ما هي هذه القوة الشيطانية التي تجر متعصبي النصارى إلى الهاوية وإلى الدكتاتورية، وإلى الهيمنة على العالم (وهذا غير ممكن) لقد تحدث القرآن عنهم، أليسوا هم قتلة الأنبياء، والمحرضين على الشر، والمغضوب عليهم ((وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين)) [المائدة: 64].

- 3 -  يقول المؤرخ البريطاني (توينبي) متحدثاً عن النـزعة العسكرية عند الدول أو الحضارات وأثرها في انـهيار الحضارات، يقول: "حيث كان للنـزعة العسكرية النصيب الأوفر في انـهيار الحضارات، إن النـزعة العسكرية تصرع الحضارة إذ تثير الصدام والنـزاعات القاتلة بين الدول المحلية .."[3].

إن النـزعة العسكرية واضحة جداً في أمريكا في العقدين الأخيرين وخاصة في عهد بوش الإبن فنرى رئيساً للأركان يصبح وزيراً للخارجية، ووزير الدفاع السابق نائباً للرئيس، وأصبحت أمريكا تلقب بـ (شرطي العالم) وقائمة التدخل في شؤون الدول الأخرى لا تنتهي بدءاً بالتدخل العسكري في كوريا وفيتنام، والانزالات البحرية والجوية في لبنان والصومال وباناما، والقصف الجوي في ليبيا والعراق، وأخيراً أفغانستان ومن الغريب أن أمريكا بأفعالها هذه تعتبر نفسها قوة الخير المكافحة لقوى الشر، وتصنف دول العالم إلى صديقة و(مارقة) فأي تكبر هذا، وأي نزعة استعمارية يهون أمامها كل أشكال الاستعمار القديم. ورغم قوتـها لكنها لا تستطيع التدخل لفترات طويلة، فلابد من دول حليفة من الصف الأول كإسرائيل والهند وتايوان، ولذلك زودت إسرائيل الهند بطائرات الإنذار المبكر، وحتى وجود قواعد عسكرية في بعض البلدان الصديقة لا يكفي إذا كانت هذه الدولة تعارض السياسات الإسرائيلية مثلاً، فالاستعمار الجديد يريد الهيمنة الكاملة والسيطرة غير المحدودة. إنـهم يستعملون كلمة (فراغ) في حديثهم عن المنطقة العربية، وكأنـها جغرافيا بدون سكان أو دون تاريخ، أليست هذه السياسة من علامات الانـهيار كما درس (توينبي) تاريخ الحضارات، وهكذا تحولت الامبراطورية الرومانية من دولة مجلس الشيوخ إلى الحروب وتكاثر المستعمرات والاتجاه نحو القوة حتى سقطت عام 29 ق.م.

- 4 -  ذهبت السياسة التي كان فيها شيء من الأخلاق أو من قواعد السياسة المتعارف عليها، وكثير من التحولات السياسية أو القرارات الهامة إنما يعتمد على خفايا الأطماع في البترول أو نـهب الثروات، وإخضاع الدول الضعيفة والصغيرة للابتزاز، ولتكون مستورداً للسلاح، وحتى في الدول الصغيرة فإن أبناء الرؤساء وأبناء الوزراء يعملون في (البزنس) وتصبح الدولة مرهونة لتصرفات هؤلاء الأبناء في قراراتـها السياسية، فلا يستطيع الرئيس إزعاج ذاك البلد لأن ابنه له صلة بالأعمال هناك، وأما الذين يكتبون في علم السياسة والحكم فيقولون: إن علم السياسة جزء من علم الأخلاق، عندنا نحن المسلمين السياسة جزء من الدين، عندما تتخلى السياسة عن المبادئ فسيتحول ما يسمونه النظام العالمي أو العولمة إلى فوضى وذرائعية متطرفة. وبالتأكيد سينتج عن هذا تحولات مضادة ومقابلة، وإن أمريكا، واليهود من ورائها يقودون العالم إلى الخراب، ولا يعني هذا أن ما يفعلونه قدر لا مرد له، ولكنه صورة من صور المدافعة التي يجب أن نوطن العزم على ألاّ نقف مكتوفي الأيدي أمامها، ولا نسلم بغرق المركب، وإن الشدة القاسية سبيل لمعرفة الأمثل ((فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال))

- 5 -  رغم تفوق أمريكا الاقتصادي والعلمي والعسكري، إلا أنـها لا تستطيع فرض نفسها على العالم، ولكن المصابين بالرعب يفرقون منها ومن صوتـها الإعلامي القوي، فهم لم يجربوا ولو مرة واحدة أن يقولوا لها: لا، ولينظروا ماذا عساها أن تفعل، هل تحتل العالم العربي أو الإسلامي، وإذا كان كذلك فليكن ولنعد إلى حقبة ما قبل الاستقلال ونجاهد هذا العدو، وتتوحد الأمة على المقاومة، وتنتهي هذه الأنظمة المهترئة.

والحقيقة أن أمريكا ليست بـهذه القدرة التي يتخيلها المرعوبون، فالدول الأخرى لها مصالح مع العالم الإسلامي، وأمام العالم الإسلامي فضاء واسع من الحركة والمناورة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأمريكا إذا سمعت: لا من عدة أطراف فسيكون لها موقف آخر، عندئذ نتكلم معها بقوة، والذي يريد العيش بكرامة فهناك ألف طريق لذلك. إن بعض الناس يريدون التقرب من الغرب فيكررون نغمة: الإسلام دين المحبة والسلام ... وهذه كلمة حق، والإسلام كذلك، ولكنه دين يحب الإنصاف والعدل أيضاً ويريد إحقاق الحق، والغربيون لا ينفع معهم هذا الأسلوب، ولا يكترثون به، بل ولا يصدقونه، ولكن أن تقول لهم: نحن مسلمون ولنا عقيدتنا وحضارتنا وثقافتنا، ويمكن أن نتفاهم أو نتعاون في أمور مشتركة أو تجارة أو غير ذلك فهذا ممكن أن يكون أنفع وأجدى. كما يجب أن يعلو صوت العلماء والمثقفين إزاء صوت الحكومات المتهالكة على رضى الغرب، والتي تعتمد على فتات موائد الغرب.

 [1]  - مذكرات عادل أرسلان 2/979 .

 [2]  - حليم بركات؛ مواسم الأعياد في أمريكا. جريدة الحياة 7/1/1998 .

 [3]  - د. فاروق حمادة: الوراثة الصالحة، ص 42 عن كتاب "الحرب والحضارة" لتوينبي.