من كنيسة القيامة:

 رسالة بلا جواب لأولئك المثقفين الامريكيين

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

سبق الاصرار والترصد، لا المصادفة، كان ما قادني الي حضور تلك الندوة التي شارك فيها أحد أبرز الاكاديميين الامريكيين الذين وقعوا علي المذكرة الشهيرة للمثقفين الامريكيين التي نشرت في شباط (فبراير) الماضي، وكانت في جوهرها فتوي بوجوب الجهاد ضد الارهابيين المزعومين من اعداء امريكا، وكونه فرض عين او كما يقول الموقعون ليس فقط جائزا، بل واجبا اخلاقيا . صحيح انه كان من الصعب علي، لاسباب مهنية، ان اتجنب حضور تلك الندوة، كونها عقدت في عقر دار الاكاديمية. وقد كانت هناك اسباب اخري لحضورها، كون الموضوع كان علي قدر كبير من الأهمية، والمشاركين من ذوي المساهمات الهامة في هذا المجال. ولكنني سجلت الموعد باصرار اكبر، وحرصت علي الحضور لأكثر من ذلك.

لست معنياً بالجدال الفكري الذي اثارته هذه الفتوي ، والتي وزعتها السفارات الامريكية حول العالم علي نطاق واسع، ووصفت مدبجيها بأنهم ثلة من الاكاديميين المرموقين ، كما وصفت معهد القيم الامريكية بأنه مؤسسة بحث مستقلة . وقد عبر عن رد الفعل المضاد كاتب يساري امريكي وصف المجموعة بأنها ثلة من الاكاديميين اليمينيين وموظف الحكومة السابقين ، وقال ان الرسالة كانت محاولة لتبرير حرب بوش ضد الارهاب ، ولكنها كشفت بدلا من ذلك خزي وعار مدبجيها الذين فضحوا نفاقهم وتضليلهم وتنكرهم للمبادئ الديمقراطية الاساسية .

الجدال الذي اثارته الرسالة جدال حيوي وهام، وله قيمته الفكرية والاخلاقية الذاتية، ولكني لست كما اسلفت معنيا بها هنا، ولم أكن كذلك عند لقائي بالفقيه الذي وقع علي هذه الفتوي. ذلك انني رأيت ان اسلم جدلا بسلامة المبادئ التي ارتكز عليها من كتبوا الرسالة، رغم ان هناك مآخذ كثيرة عليها، وخاصة فيما يتعلق بالتناقض الذي وقع فيه الموقعون. مثلا نجد الرسالة تعلن عن مبدأ محوري تنسج حوله معظم مقولاتها. وهذا المبدأ يؤكد ان القتل باسم الله مرفوض من حيث المبدأ، ويناقض روح الايمان بالله لأنه، كما يقولون، يتخذ من الله تعالي صنماً لتسويغ دوافع دنيوية. ولا نريد هنا ان نتوقف عند مثل هذه الترهات عديمة المعني (كيف يكون الله تعالي صنماً والاصنام هي تعريفا الآلهة التي تعبد من دونه؟)، ولا نتوقف ايضا عند الانتقاد الذي وجهه احد الملاحدة لهؤلاء الفقهاء الاعلام حين ذكرهم بأن القتل والقتال في سبيل الله ليس امراً طارئا علي الاديان كما يزعم هؤلاء الاحبار، بل هو جزء لا يتجزأ من العقيدة الدينية للكثيرين ـ ونتجاوز ايضا عن التناقض الذي وقعوا فيه حين زعموا انهم يريدون تبرير حرب بوش استنادا الي مفهوم الحرب العادلة ، وهو مفهوم كما صرحوا مستقي من العقيدة المسيحية، اي من مفهوم الجهاد في سبيل الله والقتل باسمه. فيتجاوز ايضا نقطة هامة، وهي ان الهدف المحوري للرسالة كان التسويغ والتبرير للقتل والقتال والجهاد الامريكي، وهو امر يصعب القيام به في ظل نفي جواز القتال في سبيل الله. فاذا كان القتال في سبيل الله لا يجوز، فهذا يعني بالضرورة ان القتال في سبيل اي قضية اخري يكون ادعي لان يفقد كل مشروعية.

ولكننا كما قلنا نتجاوز عن كل هذا (هل هناك مجاملة اكثر من هذه؟) ونسلم بأن استخدام المشروعية الدينية للقتال امر منكر غاية الانكار، ولكن القتال دفاعا عن الابرياء الذين يستهدفهم المجاهدون في سبيل الله امر مشروع. واذا كنا قبلنا بهذا المبدأ فلن نجد صعوبة في قبول الميادين الاخري مثل مبدأ المساواة بين جميع البشر بدون تمييز، وعدم قبول اي مبرر لاستهداف الابرياء. قد نتوقف قليلا عند المبدأ الذي يزعم ان البحث عن الحقيقة هو الهدف الذي يجمع كل البشر، لاسباب ليس أقلها السطحية الفلسفية التي صنع بها هذا المبدأ، وهي سطحية لا تليق بالعوام فضلا عن هؤلاء الاحبار الذين يرون انفسهم صفوة علماء امريكا وبالتالي العالم. (ولعلهم معذورون في ذلك، فهذه الثلة من العلماء وصفت الرئيس الامريكي ابراهام لنكولن بانه الرئيس العاشر للولايات المتحدة، ومن كان بتاريخه المعلوم لطلاب المراحل المتوسطة جاهل، فهو بغيره اجهل)، ولكنا كما قلنا نتمتع اليوم بسخاء غير عادي، وعليه فاننا سنتجاوز عن هذا ايضا، ونسلم لهم بصحة وسلامة هذه المبادئ، وانها كما قالوا تنطبق علي كل عباد الله بدون تمييز بسبب لون او عرق او دين او جنس او موطن، وتشمل حرية العبادة والضمير وحق الفرد في الرعاية والحماية.

اذا سلمنا بهذا، فقد لزم عليه انه لو وجدت في اي زمان ومكان، وبخاصة لو وجدت في زماننا هذا، طائفة تحتج بالمشروعية الآلهية للقتل والتنكيل بالابرياء، وتمارس التمييز بين العباد واستعبادهم وقد خلقهم المولي احرارا متساوين، وتقتل الابرياء بغير تمييز، فانها لا بد ان تواجه الادانة والتكفير من قبل هؤلاء الاحبار، ولا بد ان يكون هؤلاء في طليعة من ينادي حي علي الجهاد ضد هذه الفئة الباغية. ففي هذه الحالة لا يكون الجهاد جائزا شرعا، كما افتي هؤلاء الاحبار الاجلاء، بل يكون من اوجب الواجبات الاخلاقية.

ولكن هل يا تري توجد في عالمنا هذا العلماني النابذ للدين، فئة تتخذ مثل هذه المواقف المنكرة؟ هل هناك طائفة تصرح بأن الله تعالي خولها تملك البلاد، واقتلاع اهلها منها، واستعبادهم والتنكيل بهم لا لشيء سوي انهم من ملة مختلفة؟ بحسب علمنا فان المملكة العربية السعودية لا تقول بمثل هذا القول، ولا ايران ولا السودان. وحركة الطالبان ايضا لم تقل بذلك. فخلاصة ما تقوله هذه الحركات هو ضرورة تجميع المؤمنين في كيان واحد، وتطبيق المبادئ المستمدة من العقيدة المشتركة علي الحياة العامة والخاصة، والدفاع عن هذا الكيان. ولا يجيز هؤلاء اقتلاع الناس من ارضهم او فرض الهيمنة علي غيرهم.. بل ان هذه الحكومات انتهجت بدعة جديدة لم تكن لها سابقة في الاسلام، وهي الانتصار في كيانهم المقترح علي حدود الدولة القومية كما عرفها القانون الدولة الحديثة، ومنح مواطني هذه الدولة الحقوق المتساوية، وحرمان المؤمنين من خارجها من هذه المزايا. فاليهودي الايراني له حقوق مواطنة لا يتمتع بها الشيعي العراقي، والمسيحي السوداني مواطن كامل الحقوق في الدولة السودانية، بخلاف المهاجر السعودي او المصري او الفلسطيني، هناك بالطبع مآخذ كثيرة علي سياسات هذه الدول، ولسنا هنا بصدد الدخول في جدل حولها، وبعضها يسمي قتال معارضين او التنكيل بهم جهادا في سبيل الله او تطبيقا للشرع حتي وان كان بعض هؤلاء الخصوم ايضا يزعمون انهم كذلك مجاهدون في سبيل الله. وهم علي كل مدانون من قبل احبار الجهاد الامريكي الذين يرون ـ كما اسلفنا ـ ان الجهاد الوحيد المشروع هو الجهاد في سبيل القيم الامريكية.

هناك كما يعلم الجميع دولة اخري تدعي من الله سلطانا، اورثها بموجبه ارض الآخرين، واباح لها ان تقتل من تشاء منهم وتسبي وتشرد كل من جادل في هذه الارادة الآلهية السنية. ولا نحتاج هنا للدخول في تفاصيل ما نفذ منذ مطلع القرن الماضي باسم هذه الدعوي الدينية، ولكننا نركز فقط علي ما يحدث في كنيسة المهد ومحيطها (لندع جنين جانبا كذلك). فهنا تقوم قوات جيش الرب بمحاصرة مكان من اماكن العبادة يتمتع بحصانة في الاعراف الانسانية، في صورة مصغرة لحصار اكبر تفرضه علي شعب بكامله، ويؤخذ فيه البريء بجريرة المذنب، في كنيسة المهد رهبان نذروا انفسهم للعبادة وطلقوا الدنيا وما فيها. وفي داخلها اطفال ونساء ومدنيون لجأوا اليها تضرعا الي الله من ظلم الانسان، ولكن الظلم ادركهم ضاربا عرض الحائط بكل قيم انسانية او سماوية، متذرعا بمبررات هي اقبح من الذنب. وفي مكان العبادة هذا لم تمنع فقط حرية العبادة، بل حرية الحياة، وانتهكت كرامة الموتي والاحياء معا.

ومن الواضح، اذا صدقنا احبارنا الكرام، ان مثل هذا التصرف هو عين ما تصدوا لادانته، وعليه تنطبق مواصفاتهم لمنكر التذرع بالمشروعية الدينية لارتكاب فظائع تتناقض مع كل قيم الدين، وعليه فإنها فرصة ذهبية لهؤلاء المجاهدين للخروج علي الملأ بتصريحات تدين مثل هذه الهمجية، ورفض كل مبررات تساق لايجاد العذر لها. الم نسمع التأكيد علي انه لا يوجد اطلاقا مبرر مهما كان لاستهداف الابرياء، حتي من قبل المظلومين واصحاب الحق، ناهيك اذا كان ذلك من قبل الظالمين ودفاعا عن الظلم والاجرام؟ وهي كذلك فرصة لاقحام اولئك المشككين الذين زعموا ان هذه الكوكبة من الاعلام لا تدافع في الحقيقة عن القيم العالمية المشتركة، بل تحتال لتبرير الهيمنة الامبريالية الامريكية بحجج اخلاقية مزعومة ما هي الا نفاق مفضوح. فبالوقوف الي جانب الضعفاء المظلومين باسم القيم والاخلاق، يكون هؤلاء الشانئون قد القموا حجراً.

ولكن هل انتهز اصحاب الرسالة هذه الفرصة؟ بل هل توجد لديهم نية لانتهازها؟ هذا هو السؤال الذي طرحته علي صاحبنا ـ فبعد ان استمعنا الي حديث منمق من قبله يدعو للتكاتف الانساني ومحاربة التعصب واقصاء الآخر، انتحيت بصاحبنا جانبا وسألته عما اذا كانت عصبته اصدرت بيانا حول ما نسمعه ونشاهده هذه الايام في فلسطين، او اذا كانوا سيفعلون، كانت اجابته انهم قد اجتمعوا بالفعل لمناقشة الاحداث ولكن قرروا الا يصدروا بيانا او تصريحا. لم أيأس من صاحبنا، بل سألته عما كان سيقول اذا طلب منه ان يصرح حول الامر، اجاب بعد تأمل تقصير انه كأب لا بد ان يتألم لموت اي كان. وقد بدا عازفا عن مناقشة الموضوع اكثر، وكنت انا بعد ذلك اشد زهدا في محاورته، فعندنا والحمد لله من اهل النفاق والدجل ما يكفي، ولا نحتاج للهجرة الي امريكا للبحث عن المزيد.