لبنان و"مجموعة مدريد"

 

بقلم : جورج علم

 

تعود <<الجهات الأربع>>، او <<مجموعة مدريد>>، الى الاجتماع يوم الخميس المقبل للبحث عن حل لأزمة الشرق الاوسط.

تضم هذه المجموعة الامم المتحدة، والولايات المتحدة الاميركية، والاتحاد الاوروبي، وروسيا الاتحادية.

أخذ الجانب اللبناني علما بهذا الاجتماع دون معرفة التفاصيل، واوراق العمل المطروحة، والخيارات المتاحة، باستثناء بعض العناوين التي تتحدث عن توجّه عام نحو مؤتمر دولي، او اقليمي يعقد لإيجاد تسوية للنزاع العربي الاسرائيلي.

قد يكون من المبكر اصدار احكام حيال ما يجري على هذا الصعيد، الا ان مشاعر القلق تتفاقم في بيروت، خصوصاً لدى الجهات السياسية والدبلوماسية المتابعة لأن وزير الخارجية الاميركي كولن باول لم يكشف سره للمسؤولين اللبنانيين حول حقيقة ما يُعدّ ويُحضّر على هذا الصعيد و<<أعطى من طرف اللسان حلاوة حول موقع لبنان الواعد في هذا المؤتمر عندما تكتمل مواصفاته>>. اما الامين العام المساعد للامم المتحدة تيري رود لارسن فجاء يتحدث عن <<فوائده في حال انعقاده>> مؤكدا <<ان الامم المتحدة ستكون وفية لقراراتها والتزاماتها تجاه المنطقة>>.

ينعكس هذا القلق، لا بل يطغى على احاديث المسؤولين مع ضيوفهم من عرب واجانب حيث هناك تخوف جدي من توطين فلسطيني، او من حل لقضية اللاجئين مغاير للتوصية التي اقرتها قمة بيروت العربية، خصوصا وان ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز قد أغفل من الوثيقة التي قدّمها الى الرئيس الاميركي جورج بوش <<حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وقضية القدس؟

ويرى بعض لبنان الرسمي ان <<مجموعة مدريد>> تتحرك مدفوعة بهاجس احداث 11 ايلول والحرب الاميركية المعلنة ضد الارهاب، والاستراتيجية المتشددة التي يعتمدها <<جناح الصقور>> في ادارة الرئيس بوش، والتي صنفت العالم الى <<محاور>>، وكان نصيب لبنان كطرف في <<محور الشر>> بسبب دعمه للمقاومة و<<حزب الله>>.

وينعقد اجتماع <<مجموعة مدريد>> الثاني، على خلفية السياسة الاميركية المتعاطفة مع رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون، وخياراته الامنية التي لا تستهدف الفلسطينيين فقط بل لبنان وسوريا من خلال التهديدات المباشرة والصريحة، وهذا ما يضاعف القلق من ان يقوم المؤتمر الدولي او الاقليمي المرتقب على أنقاض مؤتمر مدريد، ومبادئه وشعاراته، بعد ان يكون شارون قد تمكّن بفضل الادارة الاميركية من فرض امر واقع جديد على الفلسطينيين والعرب.

وتتوالى وراء الكواليس الاسئلة التي سبق ان اثيرت امام كل من باول ولارسن حول ماهية هذا المؤتمر، والمواضيع التي سيناقشها، وحول الجهات المشاركة في اعماله، وحول مصير القرارات والمبادئ المتخذة من قبل مجلس الامن الدولي، او المؤتمرات السابقة والمتصلة بالصراع العربي الاسرائيلي؟

إن مجرد استمرار هذه الاسئلة، وغيرها في دوامة التقصي والاستفسار، يؤكد على التهميش الذي يصيب لبنان، ويجعله بمنأى عن <<المطابخ>> الفعلية التي تنتج القرار الدولي ليس بسبب ضيق مساحته وصغر حجمه، بل بسبب ضبابية خياراته، وضعف قراره خصوصاً وكما يقول بعض الاوروبيين قد ارتضى هو سياسة التهميش لدوره، والدليل ان غيابه عن مؤتمر فالنسيا لا مبرر له، وان الحجج التي استند اليها لم تكن مقنعة على الاطلاق، والدليل ان الوفد الفلسطيني كان يتصدّر المؤتمر!

أما مقولة ان احدا لا يستطيع ان يفرض على لبنان شيئا لا يرغبه او يتناقض ومصالحه، فهي غير دقيقة قياسا الى ما يجري في المنطقة حيث تتهاوى الشعارات الكبيرة، وتتبدل المفاهيم والمعايير والحقائق، خصوصا وان الرفض اللبناني يحتاج الى مناعة داخلية، وهي غير متوافرة، وكما يجب، لأسباب كثيرة يتداخل فيها البعد الامني، بالسياسي، بالاقتصادي الدقيق والمحرج، كما يحتاج الى مناعة خارجية، وهي غير متوافرة أيضا كما يجب.

إن القول بأنّ <<مجموعة مدريد>> لم تصل بعد الى <<الخطوط الحمر>> في التحضير للمؤتمر الدولي، او الاقليمي، هو قول صحيح، لكن الصحيح ايضا ان لبنان لا يستطيع بعد اليوم ان يبقى في دوامة التساؤل والاستفسار يستعطي المعلومات، بل عليه ان يحسن اتخاذ المبادرة التي تجعله في قلب الحدث لمواجهة اي حل يرمي الى حل ازمة المنطقة على حسابه؟!