ثلاثي العنصرة الصاعدة: شارون ـ بوش ـ ولوبين!

 

 

بقلم : مطاع صفدي

 

تهتز اوروبا كلها، وليست فرنسا وحدها، هذه الايام امام احتمال عودة اليمين المتطرف الي الامساك بالسلطة العليا. واذا كانت ظاهرة المدعو جان ـ ماري لوبين قد صدمت الجميع، الا ان الغضبة العارمة التي قوبلت بها جاءت وتفاعلت بما لم يكن يتوقعه احد من الذين نعوا انتهاء الحياة السياسية من مجتمع الرفاه، فمن يراقب خضم التحركات السياسية الغاضبة في مختلف اوساط المجتمع الفرنسي، يمكنه ان يجزم بسهولة ان نجاح لوبين المفاجيء في انتخابات الدورة الاولي كأنما حدث من وراء ظهر الشعب الفرنسي، او ان هذا التطور المخيف كان بمثابة خطأ عارض وغير مقصود، وقعت فيه مجموعات متنافرة من الناخبين الذين لا يعبرون عن استقطاب طبقي بنيوي لصالح اليمين التقليدي، او اي يمين اخر هو في طور التكوين وغير واضح المعالم السياسية والاجتماعية بعد، ومع ذلك فالتفسير السريع لهذا الهيجان الاجتماعي المتصاعد من مختلف الهيئات المدنية، وبما فيها فئات اليمين الرسمي في احزابه المختلفة، يريد ان يجذب الانتباه الي ان غياب الغالبية الانتخابية عن المشاركة، وقد وصل الي حدود السبعين في المئة، هو الذي سمح بتسلل لوبين الي الواجهة. ثم ان هذا النجاح غير المتوقع هو الذي يعيد هذه الغالبية المنسحبة الي ممارسة دورها المطلوب اولا في اعلان براءتها من الانحراف الخطير، وثانيا في تناديها الصاخب من اجل تصحيح الخطأ، واعادة رص مختلف الصفوف من جميع النوازع، وفي المقدمة حزب الاغلبية البرلمانية المؤلف من الاشتراكيين، ومعهم طيوف اليسار المتطرف، وكذلك احزاب اليمين الرسمي جميعها. ما يعني ان الرئيس شيراك قد اصبح المرشح الوطني الاول لغالبية الفرنسيين دون تمييز، وهو الامر الذي لم يكن يحلم به الا من كان من نمط ديغول، الزعيم التاريخي غير المنازع علي افضاله ومزاياه من قبل احد حتي ان رئيس الوزراء جوسبان الذي كان من المتوقع عند الكثيرين ان ينافس شيراك بل ويهزمه كذلك، فانه اضطر بعد فشله واعلان انسحابه من الحياة السياسية كلها، الي كسر الصمت والتصريح حول ضرورة تشكيل الجبهة الشعبية الموحدة ضد صعود رمز الفاشية الجديدة (لوبين)، والتصويت لمنافسه شيراك دون ان يسميه.

لم يكن رد الفعل الجماهيري الاول والكاسح مقتصرا علي اظهار صيحات الغضب علي ذات النفس، والاحتجاج علي جفاف الاحتراف السياسي وما ابتلي به من فضائح الفساد التي لوثت معظم رجاله المعروفين، والحاكمين منهم بخاصة.

بل شاب هذا الغضب مزيج من الخوف والقلق علي مستقبل فرنسا واوروبا معها، وهو ذلك الخوف المشروع الذي يعتري المجتمع المتقدم الحائز علي جوائز المدنية التي اكتسبها بعد ثلاثة قرون من اعنف التطورات، واعمقها جذرية، واغلاها بالتكاليف الحضارية الكبري من كل نوع. والاخص منها تجار الفاشية والنازية والادلجات الكليانية التي مزقت اوروبا طيلة القرن العشرين المنقضي. كلما صعد اليمين المتطرف الي السلطة كانت النتيجة التسلط العقائدي الواحدي والتعبئة القسرية للجماهير او الزج بها في اتون الحروب، تحت الشعارات القوموية او العنصرية المباشرة، والايديولوجية العمياء. مثل هذا الدرس حفظته تماما ذاكرة القارة. ولذلك فهي تنتفض هلعا وقلقا ما ان تتكرر ظروف الولادات الحتمية لأمثال تلك الشعبويات المثارة بالحقد والعنف المجنون لأسباب مختلفة، حاجبة للاسباب الحقيقية، والموجهة نحو أهداف طوباوية موهومة غالباً، وشبه مستحيلة علي صعيد الامكان التاريخي والانساني معا.

فالصدمة ضد الحدث الانتخابي المباغت ليست انفعالية وعارضة، كما ان (الخطأ الانتخابي) الذي احدثها ليس صدفة كله. ولم ينشأ نتيجة الشبكيات الصغيرة التي بناها حزب لوبين من صغار الفئات الاجتماعية، وحتي من بعض اواسط اصحاب الاعمال والمحاسبين، والعمال كذلك، وقطاعات محدودة من الشرطة ورجال الأمن، كما اوردتها الصحافة وجريدة اللوموند تحديدا ـ ، بل ان التعليل الأعمق والأشمل لهذه الظاهرة هو الذي يلتقطه الفكر السياسي العلمي في هذه الحقبة من نقلة مجتمع الحداثة نحو المدنية، بعد استهلاك تجارب الحضارة السابقة. فالعنصرية والقوموية العصبية، والادلجات علي انواعها، هي عناوين تلك الحقب التطورية التي يجملها مفهوم تاريخ الحضارة.

ومن المفترض ان المشروع الثقافي الغربي قد ولد ونما وترعرع تحت عناوين هذه الحقب. وانه كان عبارة عن حقول تجارب مروعة، لفعالياتها العملية وثقافاتها المتولدة عنها. وان هذا المشروع لم يتجاوز (حضارته) ويبلغ (مدنيته) الا بعد ان نجح في مراكمة الايجابيات من هذه التجارب، ودحر سلبياتها، وأخطرها بدون ريب هو الانغلاق في منطق الهوية الجامدة، بحجة نقاء العنصر وأفضلية العرق، او اكتشاف الأدلجة المتفوقة، او العقيدة اللاهوتية المطلقة. ولقد حفل التاريخ الغربي القريب بنماذج مروعة عن هذه الالتصاقات المتتابعة بالعصبيات الجاهزة، المحتجبة وراء الافكار والمذاهب الشمولية. فالمجتمع المدني هو الثمرة العليا التي تجنيها الحضارة الحية عندما تبرأ من مسلسل العصبيات التي تلتصق بها، وتحاول تجميدها تحت اشكال من الأفضليات الخادعة. لكن المجتمع المدني لن يتعافي بسهولة، او بصورة نهائية من ذاكرة العصبيات السابقة.

وقد يتصاعد بعضها من اللاشعور الجمعي محاولا استعادة ادوار هالكة ومهلكة في غير زمانها ومكانها من التطور التاريخي. ويحدث هذا الارتداد عندما تُصاب المدنية بأمراض التوقف عن الازدهار، وضمور مجالات الحرية، وعرقلة نظام التعدديات الإثنية والثقافية داخل اطارها السكاني الاصلي. وقد تغدو اعاقات الخارج، ورياح السموم التي تهب عليها من العالم حولها، من أهم مصادر الاحباط الذاتي. فالاتحاد الاوروبي الذي يرشح قارة الحضارة القديمة كيما تكون الوطن الأول لمدنية الألفية الثالثة، يداهمه، وهو في بداية الطريق، عصر العولمة الاقتصادوية المتبوعة بالعولمة الأمنية، والمقودة من قبل الأمركة التي تعتبر نفسها قطب القوة المادية الأكبر، انها تبعث ايديولوجيا التفوق الاحادي بالتملك من الارقام القياسية العليا في كل ميدان انتاجي او استهلاكي، كما في حقول العنف البوليسي والعسكري.

وهي بذلك تخترع عولمة السيطرة الاحادية كأقوي تحد احباطي للعالمية السلمية التي تشكل مدار كل مدنية أصيلة صاعدة، وتتجاوز عقد الخصوصيات العرقية والثقافوية في وقت واحد.

فالصراع الحقيقي ليس بين الحضارات كما تريد عولمة الأمركة ان تشيعه كونياً، ولكنه صراع التناقض الانطولوجي بين مبدئي المدنية العالمية المحتومة القوة والفعل معاً، والعولمة التسلطية القائمة علي قاعدة الاستيلاء علي الكلي والكوني وتوظيفه للصالح الأخصوي. وقد اخذ هذا الصراع يتجسد واقعياً عبر البؤر السياسية المشتعلة، وفي خلفية المنافسات الدولية الصامتة او المرئية، في مجال الاقتصادات والاستراتيجيات المستقبلية لطرفي الثنائية المستمرة، ما بين الغربنة ومشروعها في المدنية العالمية، والامركة ومشروعها في احتواء العالم احاديا. واما بقية العالم ومشاكلها الحيوية، فسوف تشكل مناسبات الواقع اليومي لتجليات هذا الصراع وتسجيل النقاط لحساب هذا القطب او ذاك. لكن هذا لا يعفي دواخل القطبين من رذاذ الصدامات الخارجية التي تغدو من عناصر هذه الدواخـــل نفسها.

وانطلاقا من هذه النقطة يمكن القاء الضوء علي استنبات ظاهرة العنصرية اليمينية في عقر دار المجتمع المدني ومن خلف ظهر مكتسباته الفكرية العليا كلها ومؤسسات الوعي التنظيمي لمختلف شؤونه فان عنصرية المال في امريكا تبحث عن شقيقتها عنصرية اللون والعرق والعقيدة في اوطان ذاكراتها العصبية القديمة ما بين اوروبا نفسها وجنوبها العربي الاسلامي وحتي اقصي العمق الاسيوي، فالوحش القادر علي افتراس ثمار المدنية الغضة العود في اوروبا انما يكمن في ماضي هذه القارة القريب. وان تنشيطه من جديد وشحذ انيابه المحطمة ومخالبه المقلمة، يعني التمهيد المحسوم لاحباط مشروع الاختلاف الاوروبي وهو في مهده والارتداد بشعوب القارة واطيافها الثقافية والدموية والعقائدية اللامحدودة الي ما هو اشد تعاسة من عصر النازيات والفاشيات والادلجات الكليانية، في الشمال وعصر حروب الطوائف والمذاهب في الجنوب، وانطلاقا من البؤرة الاسرائيلية نفسها. ولقد بدأت طلائع هذا العصر المشؤوم من مجازر يوغسلافيا والشيشان وصولا الي فلسطين مرورا بأفغانستان والوصول الي تفجير المشرق العربي من الصاعق العراقي الذي يصر عليه الشريكان بوش وشارون.

ها هو لوبين ينضم اليهما لتأليف ثلاثي الردة العالمية المظلمة. لكن هل تسمح انسانيتنا بمثل هذه الردة. وهل سوف تصبح اوروبا مسارح دموية علي نسق يوغوسلافيا ولبنان وفلسطين وافغانستان، ام ان مثل هذه الكوابيس لن تبرح منطقة الاحلام المريضة من رؤوس الشراكة الثلاثية. لكن الرعب الفرنسي والاوروبي ليس انفعالا شعبويا عابرا. وهو افضل دليل لوعي المدنية واستشعارها بجهنم القادمة فيما اذا بقي الناس هنا غارقين تحت بوارق الرخاء غير المضمون في غده القريب، فكيف بالنسبة للغد البعيد، والرعب شعور ايجابي بالرغم من كل شيء، ويحمل في طياته اشارات النذير والبشير معا، انه نذير باستفحال نواقص وامراض المدنية في طور الغلو الاستهلاكي علي حساب التأسيس لضمانات الحرية والعدالة لجميع فرقاء الشراكة الانسانية والثقافية، وهي الضمانات التي تناستها الطبقة السياسية الحاكمة طويلا، الي ان تفجرت تحت شكل فروقات طبيعية جديدة، ونزاعات عرقية هامشية وانحرافات الاجرام الشبابي من كتل العاطلين والمهاجرين المتزايدين في ضواحي المــــدن والمجمعات السكنية المرفهة، واما اشارات البشائـــر من ولادة ظاهرة الرعب والصحو معا، فهي انها تضع حدا لانسحاب الغالبيات من المجال السياسي، والعودة السريعة والكثيفة لنشطاء المجتمع واحتلال مراكز المبادرة المنظمة في كل ميدان للعمل العام الجديد، فالاسترخاء الطويل اضر بتيارات الحراك الجماعي في حين نشطت الطفيليات من كل فرع، حتي اتيح اخيرا لرأس الافعي ان يتسلل خارج جحره المظلم.

لكن سرعان ما اكتشف الجميع حركة التسلق الافعواني الي قمة السلطة. فهبت القوي كلها ودفعة واحدة لتسد طريق التسلل والتسلق. وتتواعد علي التلاقي في اليوم الخامس من ايار الاتي موعد الحسم الاخير. وفي هذا اليوم لا بد ان تسترد فرنسا وجهها الاصلي قبل ان تشوهه الفاشية الغاصبة مرة اخيرة والي الابد. وتعود لفرنسا مهمة ربان المركب الاوروبي قبل ان يبتلعه الحوت الامريكي والشاروني.