خيانة
التنوير
بقلم : هاشم
صالح
لست ممن
يكرهون
الحضارة
الغربية أو
يرفضونها
جملة
وتفصيلا، فقد
أمضيت عمري في
التعريف بها
وبتياراتها
الفكرية
والفلسفية،
ولكن الإعجاب
بهذه الحضارة
لا يعني
التسليم بكل
ما جاءت به.
فالحداثة ليست
مقدسة ولا
منزَّلة من
السماء،
وإنما هي تجربة
بشرية فيها
الصالح
والطالح.
والمشكلة هي
أن بهرجتها
تخفي عنا
عيوبها
للوهلة الأولى،
فلا نستطيع أن
نراها إلا بعد
فترة طويلة من
الإقامة
والدراسة في
بلدان الغرب.
ولكي
نكون منصفين
ينبغي القول
بأن الغرب غربان
لا غربا
واحدا. فهناك
الغرب
المتغطرس
والميّال إلى
التوسع
والهيمنة على
الآخرين، وهناك
الغرب
الاحتجاجي
التحرري الذي
طالما عارض
الأول في فترة
الاستعمار
وما بعد
الاستعمار.
واليوم ينقسم
الغرب أيضاً
إلى قسمين:
قسم يؤيد
العولمة الرأسمالية
المتوحشة،
وقسم يعارضها
ويدعو إلى
عولمة
إنسانية أقرب
ما تكون إلى
العدل وتحسّس
آلام الشعوب
الفقيرة. وقد
سقط بعض
القتلى والجرحى
في المظاهرات
التي نظمت ضد
قادة العولمة
هنا أو هناك.
وبالتالي فمن
الخطأ أن
نعتبر الغرب
كتلة واحدة
صماء بكماء،
ولا نرى فيه
إلا الوجه
الامبريالي،
الاستعماري،
المعادي لنا
في المطلق
بسبب وبدون
سبب. لا ريب في
أن ما يحدث في
فلسطين يمثل
ظلماً صارخاً
ولا ينبغي أن
تسكت عنه أي
حضارة تستحق
هذا الاسم، لكن
حتى هنا نلاحظ
وجود أصوات
مضادة،
ومظاهرات تُنظَّم
في بروكسل أو
سواها لدعم
الحق المضطهد.
ومظاهرة
باريس
الأخيرة،
كانت ضخمة
ورائعة تحت
شمس الربيع
الناعمة..
وبالتالي
فالضمير لم
يمت تماماً.
ولكن لا
ريب في أنه
توجد مشكلة في
الحضارة الغربية،
البعض يعزوها
إلى انحسار
القيم
الروحية
والدينية،
وتغلُّب الفلسفة
المادية
الإلحادية
على كل شيء.
ولا ينبغي أن
نستهين بوجهة
النظر هذه،
ولا أن ننعتها
بالرجعية
والتخلف قبل
أي تفحص.
فالواقع أنه
تتبناها
شخصيات فكرية
مهمة في الغرب
ذاته كالفيلسوف
بول ريكور أو
المؤرخ جان
دوليمو أو
سواهما
عديدون.
والأول
فيلسوف مشهور
عالمياً، والثاني
أحد كبار
مؤرخي فرنسا،
وكلاهما يعلن
إيمانه صراحة.
وهو أمر ليس
سهلاً في
بلدان الغرب،
حيث تسيطر
الآيديولوجيا
الإلحادية
على الساحة
الثقافية
والفكرية
والإعلامية.
وأصحاب هذا
التيار
يأسفون لأن
النجاحات
التي حققتها
الحضارة
الغربية على
صعيد العلم
والتكنولوجيا
لم يرافقها
نفس النجاح ـ
أو التقدم ـ
على صعيد
الأخلاق
والقيم
الروحية.
وهناك مفكرون
آخرون عديدون
يعتبرون أن
هذه الحضارة
وصلت في تطورها
إلى الجدار
المسدود.
فهناك أزمة
معنى وقيم
واضحة، وبعض
الأوروبيين
أخذ يعتنق
أديان الشرق
الأقصى
كالبوذية
مثلا. وهي
تشهد الآن انتشاراً
واسعاً في
النخب
الفرنسية إلى
حد أنها أقلقت
الفاتيكان
وأثارت غيرة
الكنائس المسيحية!
والسبب هو أنه
بعد أن فكّك
الغرب كل عقائده
التقليدية،
وبعد أن شبع
كثيراً من
حياة الاستهلاك
المادي، فإنه
راح يشعر بظمأ
روحاني، بعطش
إلى المعنى،
معنى الحياة
والوجود. وراح
يبحث عنه في
أي مكان، وهذا
أمر طبيعي.
فبعد الإشباع
المادي تجيء
الحاجة إلى
الإشباع الروحاني.
والإنسان
يتساءل عن
مصيره في هذا
العالم،
ويشعر
بالحاجة إلى
معنى يقدم له
التفسير والطمأنينة.
فالمنظور
المادي
الإلحادي
ربما كان
مفهوماً إلى
حد ما كرد فعل
على التعصب الأصولي
الكنسي أثناء
محاكم
التفتيش،
ولكنه الآن
وصل إلى نهاية
الشوط،
واستنفد
مبرراته وإمكانياته.
فما الذي
يقترحه على
الإنسان الأوروبي
في نهاية
المطاف؟ إنه
يقول له بما
معناه: إنك
كالحيوان
مشكّل من جسد
ووظائف عضوية
فأَشْبعها
وينتهي
الأمر!.. ينبغي
أن تنهب
الشهوات
والمتع نهباً
حتى آخر قطرة،
حتى آخر لحظة،
لأنك بعدئذ
ستموت وتفنى
نهائياً، فلا
توجد حياة
أخرى بعد
الموت ولا من
يحزنون..
فانتهز فرصة
الحياة
وشهواتها إذن
قبل فوات
الأوان.. وهكذا
يتسابق الناس
على الفلوس
بشكل مسعور لكي
يستهلكوا
بشكل مسعور
أيضاً.
في
الواقع ان
التنوير في
بداياته لم
يكن ملحداً
على عكس ما
نتوهم، أو قل
كان فيه تيار
متطرف ومادي
بشكل محض
ولكنه صغير.
أما التيار
الأساسي فكان
مؤمناً
وأخلاقياً من
أعلى طراز، وقد
تجسّد هذا
التيار
بشخصيات كبرى
ليس أقلها جان
جاك روسو أو
ايمانويل
كانط.
ومعلوم
أن كانط الذي
أكمل روسو
ومشى على نهجه
كان يمثل ذروة
العقلانية
والتنوير.
واما روسو
فكان يمتعض
جداً من غرور
الملاحدة
وعنجهيتهم.
وفي إحدى
المرات كان
فلاسفة
التنوير مجتمعين
في صالون
«البارون
دولباك» فراح
بعضهم يستهزئ
بالمعتقدات
العليا،
وعندئذ هددهم
روسو بالخروج
من الجلسة إذا
ما قالوا كلمة
اضافية واحدة
ضد الذات
الإلهية! ومعلوم
عن روسو انه
نهض في عزّ
عصر التنوير
لكي يطلق
صرخته
المدوية: لا
لعلم بدون
أخلاق، لا
لحضارة بدون
ضمير!
والتنوير إذا
لم يكن مبنياً
على قيم
العدالة
والمساواة
واحترام الحقيقة
فإنه لا يساوي
فلساً واحداً.
ولكن
الشيء
المؤسف،
والذي حصل
تاريخياً، هو ان
التيار
الإلحادي
المتطرف في
التنوير الأوروبي
انتصر بعدئذ
في القرن
التاسع عشر
وهو المسؤول
بشكل مباشر أو
غير مباشر عن
ظهور الحركات
الوثنية
كالنازية
والفاشية في
القرن العشرين.
هكذا انفصل
مشروع
الحداثة عن
مبادئه
الأولية التحريرية
لكي يصبح مجرد
مشروع
انتهازي بارد
هدفه التوسع
والاستغلال
دون أن يشبع
أبداً، ولو لم
ينحرف
التنوير عن
القيم
الأخلاقية
والروحية
العليا لما
حصلت
المغامرات
الاستعمارية،
والحروب
العالمية،
وانقسام
العالم إلى قسمين:
قسم شبعان إلى
حد البطر،
وقسم فقير إلى
حد الجوع.
فبما أن
المادة هي كل
شيء في
الوجود، بحسب المنظور
الإلحادي
الصرف، فإنه
لم يعد هناك أي
معنى للقيم
الروحية
والأخلاقية.
وأزمة الحضارة
الغربية تعود
في أحد
جوانبها
الأساسية إلى
هذه النقطة
بالذات. فلو
أن التنوير
الإيماني أو
الأخلاقي على
طريقة روسو
وكانط هو الذي
انتصر لما
وصلت هذه
الحضارة إلى
ما وصلت إليه
الآن من
أنانية،
وتفسّخ،
وانحلال، بل
وإذا كان فيها
شيء إيجابي
حالياً فإن
الفضل فيه يعود
إلى مفكرين من
هذا النوع.
وبالتالي
فنحن لا نعيب
على الغرب
تنويره ولا عقلانيته،
وإنما خيانته
للتنوير
والعقلانية
والنزعة الإنسانية
التي تجلَّت
لدى مفكريه
الكبار. بهذا
المعنى، فإن
الغرب خان
مبادئ جان جاك
روسو
وايمانويل
كانط وانحرف
عنها بدون
أدنى شك. ولذلك
قال الرئيس
البوسني علي
ايزبيغوفيتش:
إن الغرب لم
يخن آمالنا
بقدر ما خان
مبادئه الخاصة
بالذات! وفي
فلسطين يمكن
أن نقول نفس
الشيء، وعلى
الغرب أن يشعر
بالخجل
والعار بسبب
محاصرة عرفات
وشعبه بهذا
الشكل.
وبالتالي،
فنحن لا نحاكم
الغرب من وجهة
نظر خارجية
عليه سواء أكانت
عربية أو
إسلامية أو
افريقية أو
آسيوية. وإنما
نحاكمه من
خلال المبادئ
التي تؤسس
حضارته والتي
يتشدّق بها
صباح مساء، ثم
يخونها صباح
مساء أيضا!
وهنا تكمن
الأزمة
الرهيبة
للحداثة
الغربية، هنا
تكمن
ازدواجيتها
ونفاقها،
ولذلك فقدت
الكثير من
مصداقيتها في
نظر الشعوب
الأخرى. فلو
لم يحصل طلاق
هائل بين المبادئ
التنويرية
وتطبيقاتها
على الأرض لأصبحت
الحضارة
الغربية
نموذجاً
يحتذى لجميع
شعوب العالم.
يقول
الفيلسوف
كاستورياديس
متسائلا: ما
هو النموذج
الأعلى الذي
تقدمه الرأسمالية
الليبرالية
لبقية
العالم؟ إنه
نموذج المجتمعات
الغنية ذات
الثروة
الهائلة
والقوة
التكنولوجية
والعسكرية
التي لا مثيل
لها في التاريخ،
ولكن هذا لا
يكفي لصنع
نموذج حضاري
تحريري يفيد
الإنسانية.
والواقع ان
المجتمعات
الغربية تقدم
للعالم
النموذج
المنفّر لا
النموذج
المغري
باتباعه. فهي
مجتمعات
مفرغة كلياً من
المعاني
والدلالات
الإنسانية.
والقيمة الوحيدة
التي تهيمن
عليها هي
المال،
والبورصة،
والدولار.. ثم
الشهرة
والأضواء في
وسائل
الإعلام من
تلفزيون
وغيره، وكذلك
السلطة
بالمعنى السوقي
الأكثر
ابتذالاً
وسخافة.. وفي
مواجهة هذا
الفراغ في
القيم
والمعاني،
فإن القيم
الدينية تعود
إلى الساحة من
جديد لكي
تكتسب بعض المواقع.
باختصار،
لقد توقفت
الحداثة عن أن
تكون حركة
تحريرية
للشرط البشري
منذ أن كانت
قد تحولت إلى
آيديولوجيا
غربية
متعجرفة ترفض
أي نقد أو
مراجعة. نقول
ذلك ونحن نعلم
ان كانط كان
يلح على الشيء
التالي: ان
عصرنا هو عصر
النقد، وكل
شيء ينبغي أن
يخضع للتفحص
النقدي قبل القبول
به أو رفضه..
ولكن الغرب
تحول فيما بعد
إلى أقنوم
صنمي يرفض أي
نقد لذاته
وبخاصة إذا ما
جاء هذا النقد
من مثقفي
العالم الثالث.
وهكذا جفّ نسغ
الحداثة
وانقلبت إلى
عكسها، أي إلى
أصولية
متزمتة،
أصولية عبادة
المال،
والركوع
أمامه ثم
تقديس المتعة
والشهوة بلا
حدود ولا
شروط.