الكوفية الفلسطينية

 

بقلم : باتر محمد علي وردم

 

البيضاء المنقطة بالأسود، مجرد هوية فلسطينية جغرافية وشعبية، بل أصبحت هوية عربية وعالمية نضالية، كما لا يمكن القول بأن هناك "حقوق ملكية" لهذه الهوية ولهذه الكوفية الآن، فعندما يرتديها جوزيه بوفيه الناشط الفرنسي في حقوق الإنسان، وكما يرتديها نواب في مجلس العموم البريطاني وصحافيون أجانب وكما يرتديها الآلاف من الشباب التقدمي في العالم، يرتديها أعضاء المنظمات الفدائية الفلسطينية، ولكنها في النهاية باتت تعبيرا عن كرامة وبطولة.

الهوية الفلسطينية والكوفية الفلسطينية ليست نقيضا لأية هوية عربية أخرى، ولا يجوز التعامل معها بحساسية من قبل البعض، بل علينا جميعا أن نرتديها وأن نحميها، ففي هذه المرحلة كلنا فلسطينيون لأن "الفلسطيني" لم يعد تعبيرا عرقيا ولا إقليميا، حتى لو أراد البعض من ضعاف العقول التركيز على ذلك حيث أن "الفلسطيني" اصبح الآن في العالم كله هو الممثل الأخير للشعوب المطالبة بالحرية والعدالة.

الكوفية الفلسطينية هي في أنقى مراحل تاريخها ورمزيتها العالمية، حتى أن بعض اليهود التقدميين يرتدونها في الغرب، لأنها ما عادت تعبيرا عن هوية أقليمية أحست يوما ما بأنها معرضة للذوبان والتهميش بل أصبحت رمزا عالميا نضاليا، ولهذا نقول مرة أخرى بأنه من قلة العقل وقلة الخلق أن يتعامل البعض مع الكوفية الفلسطينية كرمز أقليمي، وهي عندما تتحد مع توأمها الكوفية الأردنية الحمراء تشكل أقوى نقاط استقرار وثبات هذا البلد ومواطنيه، ولكن هذا لا يمنع بالقطع أن تبقى الكوفية البيضاء رمزا لشعب يناضل من أجل الحرية، والكوفية الحمراء رمزا لشعب حر يقدم كل أنواع التضحيات والشهامة ويضرب فيه المثل في الإيثار والبطولة.

كم هو مؤسف أن يقوم البعض بتقزيم الكوفية الفلسطينية والكوفية الأردنية إلى رموز أقليمية، وكم هو رائع أن يتحد اللونان معا في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب الوحدة والتكاتف، وبالنسبة لكل أردني منا فإن الكوفية الفلسطينية يجب أن تكون مصدر عزة وفخر قومي كما أن الكوفية الأردنية لكل فلسطيني هي عزوة ودعم.

الكوفية الفلسطينية ستكون رمزا لنضال آخر شعب في العالم ما زال تحت الاحتلال، وهي ستتحول إلى أسطورة ثقافية نضالية تتجاوز الحدود الجغرافية، وهي ستكون نقيضا لكل أنواع العدوان والبطش والظلم والاحتلال، وسوف ترتديها شعوب كثيرة قد تتعرض للظلم في المستقبل وبالتالي فإن هذه الكوفية أصبحت أيضا مسؤولية كبيرة لكل من يرتديها في أن يكون على مستوى هذا الرمز العظيم ولا يجيرها لخدمة مشاعر أقليمية ما عاد لها مكان في هذا الزمان.

نرتدي جميعا الكوفية البيضاء من أجل فلسطين، ونرتدي جميعا الكوفية الحمراء من أجل الأردن، والآن علينا أن نرتديهما معا لأننا جميعا في نفس القارب ومهددون بنفس الخطر ويجب أن لا ندع مجالا لعابث ومتهور وأقليمي أن يسيء إلى هذه الرموز الثقافية التي نعتز بها وأن نرفض جميعا أية محاولة للإساءة إلى هذه الوحدة، وأن نرتقي إلى مستوى التحدي المفروض علينا إذا كنا سنتجاوز هذه الأزمة معا، فالمسؤولية والوطنية ليست فقط في ترك المشاعر تتدفق بل في الحفاظ على هذه الوحدة وسوف تبقى الكوفية الحمراء ملتحمة مع الكوفية البيضاء مهما حاول العابثون والخونة الإساءة إلى هذه الرموز.