هل الصهاينة مستثنون من محاكم جرائم الحرب؟!

 

بقلم : محمد ابوجبارة

 

 

آلاف الصفحات ان لم نقل ملايينها كتبت حول صراع الحق والباطل على ارض السلام فلسطين، وفي مداد تلك الصفحات دماء بريئة لاطفال وشيوخ ونساء فلسطين اهرقت دون ذنب، قرابين على ارض فلسطين، تلك القرابين لم تغادر بيوتها دفاعا عن تجارة الافيون، ولا بحثا عن الذهب والثروات، ولا لنشر حضارة مزعومة، ولم يغلفوا اطماعهم بثوب الدين، انما عاشوا حيثما ولدوا لآباء منذ آلاف السنين يزرعون الزيتون والبرتقال.. ويعبدون الله في الارض المباركة سواء كانوا يهودا او نصارى او مسلمين، واستمر الحال قرونا الى ان جاء فاسق مع عصبة من الاشرار تبعت نفرا من الفاسقين الذين يتخذون من الدين وسيلة للبروز والاستغلال واثارة الفتن.

وأصدر بلفور وعده المشؤوم 1917 ليكتب على نفسه اللعنة الدهرية من كل منصف حر في العالم، لما نجم عن ذلك الوعد من سوء تفسير وتطبيق واستغلال ودماء بريئة ومظالم ومجازر ترتكب حتى يومنا هذا.

وسواء كان الاضطهاد الذي حاق باليهود في اوروبا ناجما عن الفاسقين منهم او الغرب المتعصب في مرحلة من مراحل التاريخ، فمن المعلوم ان ليس للفلسطينيين والعرب والمسلمين يد في ذلك، فمن المسلم به ان العرب والمسلمين يأنفون من التمييز العنصري ولا يعتدون الا على المعتدي دفاعا عن النفس، ويشهد التاريخ ان اليهود عاشوا آمنين في المجتمعات العربية والاسلامية بعد ان عانوا الامرين على يد الاوروبيين.

وتوضحت صورة الصراع بين الحق الفلسطيني والباطل الصهيوني امام عصبة الامم، ومن ثم امام الامم المتحدة.. وكلما حابى المجتمع الدولي - ولكل دولة اسبابها الخاصة منها التكفير عن الذنوب التي اقترفوها او الخشية من المكر الصهيوني او طمعا في الاصوات الانتخابية والمال والنفوذ والاعلام - الصهاينة ازداد سدنتها غرورا وغطرسة.

ان القرار الصادر عن الامم المتحدة رقم 194 لعام 1948 يكفل للفلسطينيين الحق في العودة الى فلسطين او التعويض. وان قبول ما يسمى بـ اسرائيل في الامم المتحدة مشروط بتنفيذ ذلك القرار. وقد مضى اكثر من نصف قرن دون ان يحرك المجتمع الدولي ساكنا ويقدم آلية لتنفيذ ذلك القرار، وما قرارات مجلس الامن الصادرة عامي 1967 و1973 بأحسن حال من ذلك القرار.

ان ما جرى ويجري على اراضي فلسطين من جرائم يومية مستمرة تقشعر لها الأبدان ليس بالجديد. وأقربها للذاكرة الاستهتار حتى بالمجتمع الدولي هو قصف مركز الامم المتحدة في قانا بلبنان منذ سنوات وقتل اللائذين بذلك المركز بالمئات. وامام التخاذل الدولي لم يجد السفاح المحترف شارون وعصابته ما يمنعه، من المثابرة على ذاك السلوك الهمجي، ولم لا وهو بطل مجازر صبرا وشاتيلا والتي اشمأز من هولها العالم حتى السفير الامريكي بلبنان.

ان الجرائم التي ارتكبت من قبل الصهاينة خلال الانتفاضة الشعبية منذ ايلول 2000 وحتى يومنا هذا هزت العالم اجمع، وخاصة تلك التي ارتكبت خلال شهر نيسان 2002 في مخيم جنين بالذات، وقد استنكرها المجتمع الانساني عامة من شرقه الى غربه ومن شماله الى جنوبه باعتبارها جرائم حرب تضمنت ابادة العنصر البشري والاغتيالات غير المبررة وتدمير ممتلكات المدنيين والحيلولة دون طواقم الدفاع المدني والاسعاف لاغاثة الجرحى واطفاء الحرائق.. الخ، وخرجت المظاهرات التي تندد بتلك الجرائم في مختلف اصقاع العالم، وتنادت منظمات حقوق الانسان في كافة ارجاء العالم للتنديد بتلك الجرائم ومحاسبة فاعليها، وقد نددت منظمة العفو الدولية - وهي اكبر منظمة مدنية في العالم - في مؤتمرها المنعقد في لندن 22/4/2002 مع باقي المنظمات بتلك الاعمال الوحشية لمخالفتها المبادىء الاساسية للقانون الدولي وأعرافه وقوانين الحرب منذ القدم، ولمخالفتها اتفاقيات جنيف الاربع وملحقاتها لعام 1949 التي تكفل الكرامة للمحاربين وعدم التعرض للمدنيين اثناء النزاعات المسلحة وتفرض على الدول تسهيل اعمال الانقاذ وعدم التعرض لطواقمها وتحرم الابادة والعقوبات الجماعية والتعرض للممتلكات الخاصة وتحظر حصار الابرياء.. الخ.

ونجحت الشعوب والمنظمات الانسانية ولو بعد حين من العسف الصهيوني في ايصال رسائلها الى مجلس الامن الدولي الذي اتخذ ثلاثة قرارات متتابعة في هذا الشأن وضرورة الانسحاب من مدن الضفة الغربية، وأمام الغطرسة الصهيونية وتعنت المكابرين من حلفائها اكتفى مجلس الامن بارسال بعثة لتقصي الحقائق عوضا عن لجنة تحقيق في ارتكاب تلك الجرائم وكلف الامين العام باختيار اعضائها، فانتدب الامين العام أناسا يعملون في المنظمة الدولية من ذوي الاختصاص، فما كان من شارون وعصابته الا ان اعترضوا على تلك الاسماء المعترف بحيادها ونزاهتها عالميا.. فاستبدلهم بآخرين عملا بمتابعة المجرم الكذاب الى اخر المطاف، فتمحكت الغطرسة بطلب اضافة مختصين عسكريين فلبى الامين العام هذا المطلب الصهيوني ايضا، ولم يبق امام المجرم الا ان يطلب تأخير البعثة علّه يستفيد من الوقت ويخفي او تزول بعض الأدلة الدامغة على ارتكاب جرائم الحرب والابادة، لقد غاب عن ذهن شارون ان عين الشمس لا يحجبها الغربال، وان لكل شيء نهاية.

المجتمع الدولي مطالب عبر قرن كامل بالتزام الحق والانصاف في القضية الفلسطينية، ولم يعد هناك مكان للصبر والتسويف، فقد سئم الفلسطينيون وكافة الاحرار في العالم هذه المأساة المتكررة يوميا المتجسدة في صراع الحق والباطل، وعلى ضرورة التمييز بين الدفاع عن النفس والارهاب، والتفريق بين القوي الظالم بمعداته العسكرية وبين الاعزل من السلاح المؤمن بحق البقاء، وبين المعتدي والمعتدى عليه، وعلى المجتمع الدولي التزام جانب الحق والعدل واتخاذ خطوات فاعلة، وبدون ذلك فان الامن الدولي في خطر متصاعد لا يعلم احد عواقبه ومفاجآته وضحاياه، لذا فاننا نعتقد جازمين ان الخطوات التالية قد تعرقل هذا الخطر الداهم وهي:

1. ارسال فريق حماية دولية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة على وجه السرعة.

2. تشكيل محاكم لجرائم الحرب الصهيونية المرتكبة في الاراضي الفلسطينية اسوة بمحاكم جرائم الحرب التي شكلت في يوغوسلافيا ورواندا.

3. وقف الامدادات العسكرية عن المنطقة والتفتيش عن الاسلحة الذرية والمحرمة التي يمتلكها الصهاينة.

4. الامر بوقف العمل الفوري بقانون العودة الصهيونية بوصفه قانونا عنصريا ومخالفا لشرعة الامم المتحدة ويهدد الامن الدولي ويتعارض مع حق الفلسطينيين في العودة الى ديارهم.

5. نزع المستوطنات الصهيونية من الاراضي الفلسطينية المحتلة بوصفها الغاما تتحدى المجتمع الدولي.

6. تنفيذ القرار 194 لعام 1948 بعودة اللاجئين الفلسطينيين والتعويض وتعليق عضوية اسرائيل في الامم المتحدة من حيث ان قبولها في الامم المتحدة معلق على شرط تنفيذ ذلك القرار.

وبدون هذه الاساسات المبدئية فلن يكون للسلام مكان، وسوف يحيق المكر السيىء بأهله وصانعيه ولات ساعة مندم حيث لا نفع للغطرسة والغطرشة.