خطاب مفتوح

من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك

 

 

بقلم : مصطفى الحسيني 

 

 

 

 

سيدي الرئيس؛

قرأت بإمعان خطابكم بمناسبة عيد العمال الذي يحل اليوم. وأثلج صدري، كما أثق أنه أثلج صدور عامة المواطنين، ما ورد قرب نهايته عن <<قواتنا المسلحة الفتية القادرة على ردع أي عدوان وعلى تلقين من تسول له نفسه الاقتراب من أرض مصر بسوء درساً قاسياً لن ينساه>>.

 أثلج صدري مرتين؛ الأولى لأنه صدر عنكم وبلغة واضحة لا يشوبها التباس. والثانية لأنه أزال عكارة كان مصدرها ما قاله رئيس حكومتكم منذ أيام قلائل، من أن مصر، لكي تشن حرباً على إسرائيل لا بد أن يتوافر تحت يدها مئة مليار دولار.

أعرف أن رئيس الوزراء كان يرد على دعوات ترددت في ما جرى من مظاهرات في مصر وفي امتدادها العربي، إلى أن تشن مصر حرباً على إسرائيل.

يبدو أن ما غاب عن الإدراك الذي صدر عنه تصريح رئيس الوزراء، أن تلك الدعوات، عدا عن أنها صدرت عن حماس يحجب التمحيص وحسن التقدير، فإن مبعثها كان أيضاً توق شعبي إلى أن تسترد مصر عافيتها وقوتها.

إلا أن ما صدر عن رئيس الوزراء، وباللغة <<الحسابية>> التي ورد بها، ترك انطباعاً قوياً بأن ثمة استخفافا رسميا بأمن مصر، وللانطباع أسبابه، أولها أن أمن الوطن، أي وطن، لا يقدّر بمال، كما أنه لا يباع فإنه لا يشترى، وأن تقديره بالمال لا يعني سوى التخلي عنه عند العسر، وأنه لو تعرضت البلاد (لا قدَّر الله) لغزو خارجي في زمن شحت فيه النقود، فلن نحاول رده ولا التصدي له.

ولتسمح لي يا سيادة الرئيس بأن أقول إن عقلية <<مدققي الحسابات>> لا ترقى إلى الجدارة برعاية مصالح الوطن.

 بقدر ما أثلجت صدري عبارتكم الواضحة عن دور القوات المسلحة، إلا أن شيئاً من الانقباض ساور قلبي، مصدره ما اعتبره تساؤلاً مشروعاً حول تحديدكم لأمن مصر، هل ان أمن مصر الواجب الحماية محصور في أراضيها التي تضمها حدودها السياسية؟

لا يخالجني شك يا سيادة الرئيس في أنكم تدركون أن الأمن القومي لأي بلد، كما تحدده مواصفات العلاقات الدولية، أي الحدود السياسية مثلاً، فإن التاريخ معين مهم على فهم مداره ومجاله.

وفي تاريخ مصر أن أمنها لم يتعرض مطلقاً للتهديد إلا من اتجاهين: الشرق والشمال؛ من الهكسوس إلى الاسكندر الأكبر في العصور القديمة، ومن الحملة الفرنسية والغزو البريطاني في العصور الحديثة، وفي التاريخ المعاصر، من عدوان 1956 الثلاثي الذي أغار علينا من الشمال ومن الشرق، الى حرب 1967 التي شنت علينا من الشرق، بدعم غير مخفي من الشمال.

 لعلي في هذه المناسبة، أذكر، وقد أنعش ذاكرتكم، بتحديد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ل<<خط الدفاع الأول>> عن مصر، كما استنبطه، كما كانت عادته، من واقع تجربته. قال عبد الناصر إن العدوان الإسرائيلي على القوات المصرية في قطاع غزة، في معركة <<الصاجة>> في 1955، ذكّره ب<<تمرين>>، شارك فيه طلابه الضباط في مدرسة <<أركان الحرب>>، حيث كان معلماً. كان موضوع التمرين هو تحديد <<خط الدفاع الأول>> عن مصر من جهة الشرق. وأنهم بدأوا من ان قناة السويس تشكل خطاً منيعاً، لكن اعتبارها كذلك يعني التخلي عن شبه جزيرة سيناء قبل أن يبدأ القتال. فكروا في <<خط الممرات>> في وسط سيناء، ولم يلبثوا ان استبعدوه لضعف مناعته بحكم وعورته. انتقلوا الى الحدود الدولية لمصر مع فلسطين؛ لا معالم جغرافية وطوبوغرافية طبيعية، يعني لا مناعة. وانتهوا الى أن <<خط الدفاع الأول عن مصر من جهة الشرق>> هو أرض فلسطين ذاتها. أما باللغة، السياسية، فالمعنى انه ما لم تكن فلسطين <<تحت يد صديقة>> فأمن مصر القومي واقع تحت التهديد.

سيدي الرئيس، هل أطلت عليك؟ أرجو أن يتسع صدرك.

المعنى أنه بقدر ما تبتعد إسرائيل عن حدود مصر الشرقية بقدر ما تكون مصر آمنة.

أما معنى المعنى، فمعنيان؛ ان ما تفعله إسرائيل ضد الفلسطينيين يهدد مصر، وأن ما تفعله مصر في هذا الشأن ليس دفاعاً عن الفلسطينيين، إنما هو دفاع عن النفس.

أما ما يترتب على هذين المعنيين، وفقاً لما أوردتم في خطابكم من تحليل وتشخيص؛ أن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل يجب أن تفهم الأمر هذا الفهم، وأن تعرف أنه غير قابل للجدل، ناهيك عن أن يكون محلاً للتفاوض.

 لا أظن أن تحليلكم للوضع الدولي وصلته بالوضع الإقليمي والقومي والوطني بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، يمكن أن يكون محلاً للاختلاف. ومثله تحليلكم ل<<الحرب ضد الإرهاب>> وتجاوزها لحدودها وأهدافها، ويناظره تأكيدكم على ضرورة حشد القوى الوطنية المصرية والقومية العربية للضغط على القوى الدولية، حتى تضع مصالحنا الوطنية والإقليمية موضع الاعتبار.

وكنت أتوقع يا سيدي الرئيس أن يكون تحديد وسائل ذلك الضغط بقدر وضوح التحليل المؤدي الى ضرورته.

أظن، يا سيدي الرئيس، أننا سنسمع أصواتاً تذكرنا بأن البلاد منهكة، أو أن <<اللي عاوزه البيت يحرم على الجامع>>، أو أن <<لا يكلف الله نفساً إلا وسعها>>. (صدق الله العظيم).

صحيح أن البلاد منهكة. لكن مصر وفلسطين ليستا بيتاً وجامعا بينهما لأي أو جدار، إنهما معاً البيت والجامع.

وصحيح ان الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فلنبحث عن ما في وسعنا أن نفعل.

وقد لا يكون ما نستطيع قليلاً.

لماذا مثلاً لا نجرب إجراءات <<خفيفة>> من قبيل الطلب إلى الولايات المتحدة تخفيض عدد بعثتها الدبلوماسية الضخمة في عاصمتنا؟

لماذا مثلاً لا نخفض من جانبنا ما تتمتع به تلك البعثة من امتيازات، وما تتمتع به بعثة التدريب العسكرية الأميركية من حصانات؟

لماذا لا نقرر تجميد المناورات العسكرية السنوية المشتركة بين قواتنا المسلحة والقوات الأميركية والأطلسية؟

خصوصاً أن فوائد الآخرين، الأميركيين وغيرهم من تلك المناورات تندرج ضمن الفوائد الاستراتيجية، التعرف على ميدان قتال استراتيجي بالغ الأهمية في أي حرب والتدرب عليه، بينما فوائد قواتنا المسلحة تكتيكية، التعرف الى أسلحة حديثة وتشكيلات قتالية ملائمة لها.

سيدي الرئيس؛

ألهمنا الله جميعاً الرشد والسداد لحماية الوطن.