أخلاقنا وأخلاقهم في الحرب

 

بقلم: الشيخ كمال خطيب

               نائب رئيس الحركة الإسلامية – الداخل الفلسطيني

 

"إنّ حسن الخلق ، ولين الجانب ، والرحمة بالضعيف ، والتسامح مع الجار والقريب تفعله كل أمة في أوقات السّلم مهما أوغلت في الهمجية ، ولكن حسن المعاملة في الحرب ولين الجانب مع الأعداء والرحمة بالنساء والأطفال والشيوخ والتسامح مع المغلوبين لا تستطيع كل أمة أن تفعله ولا يستطيع كل قائد حربي أن يتصف به ، إن رؤية الدم تثير الدم ، والعداء يؤجج نيران الحقد والغضب ، ونشوة النصر تسكر الفاتحين فتوقعهم في ابشع أنواع التشفّي والانتقام ، ذلك هو تاريخ الدول قديمها وحديثها ، بل هو تاريخ الإنسان منذ سفك قابيل دم أخيه هابيل {...اذ قرّبا قربانا فتُقُبّل من أحدهما ولم يُتقبّلْ الآخر قال لأقتلنّك قال انما يتقبل الله من المتقين} ، وهنا يضع التاريخ إكليل الخلود على قادة حضارتنا عسكريين ومدنيين ، فاتحين وحاكمين ، إذ انفردوا من بين عظماء الحضارات كلها بالإنسانية الرحيمة العادلة في أشدّ المعارك احتداما ، وفي أوقات الحالات التي تحمل على الانتقام والثأر وسفك الدماء ، وأقسم لولا أن التاريخ يتحدث عن هذه المعجزة الفريدة في تاريخ الأخلاق الحربية بصدق لا مجال للشك فيه لقلت إنها خرافة من الخرافات وأسطورة لا ظلّ لها على الأرض"...الدكتور مصطفى السباعي- كتاب روائع من حضارتنا ص73 .

انه وفي ظل الحملة الدموية التي شنّها جيش العدوان الإسرائيلي -وما يزال- ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وفي ظل ما اقدم عليه من مجازر بشعة وتجويع وحصار وإذلال دفعت بمبعوثي الأمم المتحدة إلى تشبيه ما جرى في مخيم جنين بأنه الكارثة والزلزال والجريمة البشعة ، إن أخلاقيات هذا الجيش الهمجية وأحقاد قادته السياسيين والعسكريين دفعت بي إلى تقليب صفحات التاريخ لنقف على أخلاقنا نحن المسلمين والعرب ، وعلى أخلاق هؤلاء الإسرائيليين في الحرب فنقارن بين أخلاقنا وأخلاقهم :

1-عدم قتل النساء والأطفال : أما أخلاقنا فقد قال رسول الله:"لا تقتُلُن امرأة ولا عسيفا" ، و"نهى النبي  عن قتل النساء والصبيان"ٍ ، وروي أن النبي  قال :"انطلقوا باسم الله ، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة" .

واما أخلاقهم فقد رأيناها وهم يقتلون محمد الدرة ، وايمان حجو وابراهيم عودة ، والعائلات بأكملها أطفالا وأمهات وشيوخا في مخيم جنين ونابلس القديمة ، لا بل وهم يدفنونهم أحياء تحت ردم بيوتهم ، لا بل لقد رأينا الأم وجنينها يموتون عند الحواجز العسكرية ، حيث لم يسمح للام بالوصول إلى المشفى للولادة فتموت من ألم المخاض ويموت جنينها أو يموتان سويا .

2- عدم قتل الهارب والجريح : أما أخلاقنا فان رسول الله  في فتح مكة قد أمر منذ البداية ألا يتعرض أحد لجريح ولا يتابع أحدٌ فارّاً ( أي من فرّ هاربا بحياته) ، وقال  :" لا تجهزن على جريح ولا يُتبعَنَّ مُدبر " .

أما أخلاقهم فقد رأيناها وهم يعدمون الجرحى ويجهزون عليهم ويمنعون عنهم سيارات الإسعاف حتى تنزف دماؤهم ويموتون ، ورأيناهم وهم يطاردون حتى المدنيين الفارين بين كروم الزيتون فيقتلوهم تحت ادعاء انهم كانوا مسلّحين .

3- عدم قتال من التجأ إلى بيته : أما أخلاقنا فان رسول الله  قد قال :"ومن جلس خلف باب بيته فلهم الأمان جميعا" ، وقال يوم فتح مكة : "من دخل داره فهو آمن ، ومن وضع سلاحه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" .

أما أخلاقهم فقد رأيناهم يقنصون الأطفال والنساء والرجال من شبابيك البيوت ويطلقون النار على كل من يتحرك خلف ستائر شبابيك بيته ، لا بل ورأيناهم كيف ينسفون البيوت ويهدمونها بالجرافات على العائلات بأكملها وقد التجأت إلى البيوت ولم تقاتل ، ولقد رأيناهم وهم يعدمون ويطلقون الرصاص حتى على من القوا أسلحتهم من المقاتلين ، ولعل في مئات الجثث تحت ردم البيوت في مخيم جنين خير شاهد !!! .

4- عدم قتال العُبّاد : أما أخلاقنا فان رسول الله  حين كان يرسل المجاهدين إلى مكان فانه كان يقول لهم : " لا تقتلوا أصحاب الصوامع " ، وأما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد قال في وصيته لجيوشه : " لا تؤذوا راهبا أو عابدا ولا تهدموا معبدا أو صومعة " .

أما أخلاقهم فقد رأيناها في أجلى صورها وهم يهدمون بالجرافات ويقصفون بالطائرات مسجد الخضراء في نابلس ، ومسجد الشيخ زيد في طولكرم ، وهم يقصفون بالدبابات مسجد عمر بن الخطاب في بيت لحم حتى احترق ، ولا ننسى أخلاقهم المميزة وهم يحاصرون كنيسة المهد ويقصفونها بالدبابات ، وقد احرقوا بعض أقسامها ، لا بل وقتلوا من كان يقرع أجراسها .

5- عدم الإحراق بالنار : أما أخلاقنا حيال هذا العمل الوحشي المتمثل بإحراق المقاتلين من الأعداء بالنار سواء كانوا أحياء أو أمواتا فانه من خلق معلمنا ومرشدنا إلى الخير سيدنا رسول الله  الذي قال : " لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار " ، وقال  كذلك " لا تعذبوا بعذاب الله " ، يقصد النار التي بها يعذب الله الكفار والعصاة يوم القيامة .

واما أخلاقهم فقد عاينّاها وشاهدناها ونحن نسمع عددا من المعتقلين الذين تم إعادة إطلاق سراحهم من مخيم جنين لانهم ليسوا إلا من المدنيين وهم يشيرون إلى الحروق في أعناقهم وعلى أيديهم من اثر حرقهم بإطفاء السجائر في أجسادهم ، ولقد رأينا الجثث من الشهداء ممن تفحمت جثثهم من جراء الحرق بالنار وإشعال النار في أجسادهم ، ولعل منهم من اشتعلت فيه النار وهو جريح ما زال حيا في حالة هستيريا العنصرية وأحقاد وضغائن جعلت هؤلاء الجنود وحوشا بشرية لا يربطها بالبشر إلا الأسماء فقط .

6- عدم قتل الأسير والمقيد والمربوط : أما أخلاقنا وشيمنا الإسلامية العربية فقد تمثلت بتوجيهات نبي الرحمة  الذي نهى عن قتل الأسير بعد ربطه ولا حتى إيذائه وهو مربوط ، فقد قال ابو ايوب الانصاري رضي الله عنه : سمعت رسول الله  ينهى عن قتل الصُّبْر " فوالذي نفسي بيده لو كانت دجاجة ما صبرتُها" ، وقال : يوم فتح مكة " لا تجهزن على جريح ولا يُتبعنّ مُدبر ولا يقتل أسير ، ومن اغلق بابه فهو آمن " ، وأمر الحجاج طاغية العراق يوما عبد الله بن عمر رضي الله عنه بان يقتل أسيرا فرفض وقال " ان الله لم يسمح لنا بذلك ، لقد امرنا بأن نسلك سلوكا حسنا مع من يقع في أسرنا أو نطلق سراحهم أو ننال الفدية ، يقول الله تعالى {...حتى اذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّا بعدُ واما فداء...}.

واما أخلاقهم فقد رأيناها وهم يقتلون آلاف الأسرى المصريين بعد حرب 1967 بدهسهم بجنازير الدبابات ، وكان القاتل والسفاح هو هو شارون ، ورأيناهم وسمعنا وشاهدنا كيف اعدموا رجال الأمن الفلسطينيين الخمسة في مدخل البيت في رام الله وأيديهم مربوطة ، وحكيت عشرات الروايات كيف اعدموا عشرات المقاتلين الفلسطينيين في مخيم جنين بعد إذ نفذت ذخيرتهم فقيدت أيديهم واعدموا وهم مربوطي الأيدي .

7- عدم التمثيل بالميت : إن إيذاء الميت بعد موته ، وان الاعتداء على جثته بانتهاك حرمتها أو قطع أطرافها أو أي صورة من صور الأذى مما يترفع عنه من كانت عنده بقايا انتماء إلى الإنسان ، فأما أخلاقنا فقد قال النبي  فيما رواه عبد الله بن يزيد الانصاري رضي الله عنه : " نهى النبي  عن النُّهبى والمثلة " أي التمثيل بالميت ، ومما رواه الإمام مسلم أن النبي  كان يوصي جنوده الذاهبين للجهاد بقوله " لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثلوا " .

واما أخلاقهم -وبئست الأخلاق أخلاقهم -فقد رأيناها وهم يجرّون شهيد الخليل المشهور وقد حمله أربعة من جنودهم ورأسه تُجَرُّ على الأرض ودماؤه تغطي الشارع ، ولقد سمعنا عن الشهداء الذين كان يطلق عليهم الرصاص حتى بعد موتهم أو قطعت بعض أعضائهم بعد موتهم .

8- عدم جواز السلب والنهب : أما أخلاقنا فبعد غزوة خيبر خرجت بعض عناصر المسلمين عن طوعها وراحوا يسلبون وينهبون فجاء زعيم اليهود إلى رسول الله  يقول له : يا محمد ألكم أن تذبحوا حُمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا ؟! فأمر النبي  المسلمين بان يجتمعوا للصلاة ، فلما اجتمعوا نهض فيهم وقال " وان الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم " ، وحدث مرة أن بعض جند المسلمين نهبوا بعض الخراف فذبحوها واعدوها للطعام فوصل الخبر إلى رسول الله  فجاء وقلب آنية الطعام وقال " إن النهبة ليست بأقلّ من الميتة " .

واما أخلاقهم فقد سمعنا عظمتها وسموها وهم يسرقون ساعات المقاتلين الفلسطينيين (ساعات اليد) ، وسمعنا كيف نهبوا مصاغات النساء في مدن الضفة وكيف نهبوا الأموال بشيكلاتها ودنانيرها ودولاراتها تحت زعم القيام بعمليات التفتيش ، ولقد سمعنا وحُدّثنا كيف دمرت دباباتهم محلات بيع الذهب والصرافة وسرقوا ما فيها ، لا بل كيف كانوا يقتحمون محلات "السوبرماركت" ويسرقون حتى المواد الغذائية ويضعونها في دبابات "المركفاه" ، حتى أن صحيفة هآرتس الاسبوع الماضي كتبت خبرا مفاده أن الشرطة العسكرية بدأت تفتيش حقائب الجنود قبل نهاية خدمتهم والعودة إلى بيوتهم لعلمها بوجود عمليات سلب ونهب كثيرة .

9- عدم جواز التخريب وحرق المزارع وتدمير البيوت : لقد كان من عادة الجيوش أن تخرب المحاصيل وتدمر الحقول وتشعل الحرائق وتقتل الآمنين ، أما أخلاقنا فان الإسلام أطلق على هذا العمل البشع صفة الفساد ونهى القرآن عنه بشدة في قوله سبحانه: {واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} ، وحين أرسل أبو بكر رضي الله عنه جنوده إلى الشام والعراق أوصاهم قائلا : " الا يخربوا قرية ولا يخربوا زرعا " ، ومن وصيته -رضي الله عنه لجيش أسامة – " لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا ولا امرأة ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة " ، ومن وصايا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجيوشه : " لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا واتقوا الله في الفلاحين" .

أما أخلاقهم في حرق البيوت وتدمير القرى وهدمها... فهل بعد مخيم جنين وحي القصبة في نابلس من أمثلة تثبت همجيتهم وبربريتهم ، لقد رأيناهم وهم يحرقون البيارات وكروم الزيتون وأشجار النخيل في غزة تحت دعوى ايواء المقاتلين الفلسطينيين ، ورأيناهم وهم يحرقون البيوت البلاستيكية التي يزرع فيها الخضار في غزة وطولكرم وقلقيلية ، ورأيناهم وهم يخلطون الطحين بالسكر والملح والزيت والتراب في البيوت التي يداهمونها... كل هذا من اجل تجويع الناس وإذلالهم .

10- منع الفساد والإفساد : أما أخلاقنا التي أكّدها النبي  يوم عاد بعض المسلمين إلى عادة جاهلية حين كان العرب في جاهليتهم إذا خرجوا للقتال كانوا يضايقون كل من يصادفهم على الطريق ، فإذا ما نزلوا بمكان أو حلّوا به كان من العسير على أحد المشي في الطرقات ، فلما فعل بعض المسلمين ذلك قال رسول الله  : " من ضيّق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له " .

واما أخلاقهم فقد رأيناها وهم يحفرون الشوارع بالجرافات فيضطر الصغار والشيوخ والنساء إلى ركوب الجبال للوصول إلى بيوتهم ، ورأيناها وهم يحتلون البيوت ويحشرون سكان العمارة الكاملة من عدّة شقق في شقة واحدة واستخدام البيت للقنص والعدوان ، ورأيناهم وهم يهينون الناس على الحواجز والطرقات ، ولقد رأيناهم وشاهدنا تلك الفتاة من بيت لحم التي حدثت كيف اجبروها وزميلاتها على كشف اجسادهن وأظهار عوراتهن لجنود "دولة الحرية والحضارة " !! ورأيناهم وسمعناهم وهم يطلبون من المعتقلين البصق في وجوه بعضهم وكيف طلبوا منهم وأجبروهم على المشي على أربع وأخراج أصوات مثل الكلاب بينما هم يتقهقهون ؟ .

11- النهي عن الإجهاز على الجرحى : أما أخلاقنا فإنها من هدي رسول الله  الذي قال " لا تجهزن على جريح " ، لا بل رأينا ما يشبه الأساطير عندما قام صلاح الدين رضي الله عنه بإرسال طبيبه الخاص لمعالجة اشهر أعدائه من قادة الحملات الصليبية وهو ريتشارد قلب الأسد ملك بريطانيا وحمل اليه الدواء والفواكه .

أما أخلاقهم فقد عرفناها تماما وبالبث الحي المباشر وهم يدوسون بدباباتهم سيارات الإسعاف في حركات هستيرية لا يفعلها إلا " الزعران " وليس المقاتلين والعسكريين الحقيقيين ، ورأيناهم وهم يقتلون طواقم الإسعاف ويطلقون النار عليها ، لا بل ورأيناهم وهم يتمتعون برؤية الجرحى من الأسرى والمدنيين ينزفون حتى الموت دون السماح بوصول سيارات الإسعاف إليهم ، بل ولقد رأينا ورأى العالم كله معنا تلك الرجل الاصطناعية التي نزعوها من صاحبها الذي كان يعتمد عليها فاصبح في مكان ورجله في مكان آخر بين الركام والدمار . <br>

12- النهي عن الصياح والصخب وإشاعة الفوضى : لقد كانت الفوضى والصياح والصخب هو الطابع العام الذي ساد الحروب حتى أطلق على الحرب اسم (الوغى) ، فلما جاء الإسلام كانت أخلاقنا أن نُهي عن ذلك ، وقال  كما روى ابو موسى الاشعري : "كنا مع رسول الله  ، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبّرنا وارتفعت أصواتنا فقال النبي   : "يا أيها الناس ، إربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، انه معكم انه سميع قريب " ، أما أخلاقهم فلقد رأيناها وهم يجوبون بالمجنزرات وسط الليل لإزعاج الأطفال والنساء ويطلقون قنابل الصوت ، بل ورأيناهم وهم يحضرون حول كنيسة المهد أجهزة خاصة بإصدار أصوات مرعبة ومدوية للضغط النفسي على المحاصرين من المدنيين والرهبان في داخلها .

13- الألسن مغارف القلوب : لقد هالني ما سمعت من اقتباس ورد على لسان وزير العدل " مئير شطريت " وهو يتحدث عن اعتقال أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي فقال بصلف ودونية لا مثيل لها وعبر بمصطلحات شوارع سوقية بل انه قال بالعربية : " بالعربي بقولوا كل كلب بيجي يومه " ، نعم انه وزير بل انه حتى وزير العدل ، فأي وزير وأي عدل هذا ؟نعم... هذه هي أخلاقهم ، ولكن ولما كانت أخلاقنا تأبى علينا أن نجاريهم فإننا نقول بمصطلح التاريخ الصادق : "الأيام دول... يوم لك ويوم عليك " ، وستذكر هذا جيدا يا سيادة الوزير !

وأخيرا فلقد قال " غوستاف لوبون " المستشرق الشهير " إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا دينا سمحا مثل دينهم " .

فلئن كان بعض الناس يعتذر عن فظائع الغربيين في القرون الوسطى بأنهم قوم لم تهذبهم المدنية بعد ، ولعل الإسرائيليين تحديدا وبكل الذي لاقوه من الألمان والنازيين وهم هم الإسرائيليون الذين يعتبرون أنفسهم جزءا من العالم الغربي المتحضر ، فما عذرهم الآن وهم يزعمون انهم أرباب الحضارة وأساتذة الدنيا في العلوم والمخترعات ؟ إن المسألة في رأيي مسألة طبع أصيل يغلب كل تطبع وتصنع ، فالغربيون والإسرائيليون جزء منهم ما زالوا يحملون في أنفسهم طباعهم وخصائصهم يوم كانوا قبائل تغزو بعضها بعضا ، ثم اختبأت هذه الطباع في القرون الوسطى وراء الدين فحمّلته وزر وحشيتهم ، وها هي تختبىء الآن وراء الحضارة فتحمل (السلام والاستقرار) و (الأمن العالمي) و (والتمدن والحضارة في وجه الإرهاب) وزر قسوتهم ، انهم هم في كل العصور عبدة القوة ووحوش الاستعمار وعناوين الظلم والقهر والاستبداد ، انهم الذين يتكبّرون ويديرون الظهور لكل القوانين والأعراف الدولية ، وانهم الذين يضربون عرض الحائط بكل الرأي العام والقيم والقرارات الصادرة عن المؤسسات الدولية.. ولعمري فما نحن وهم وما أخلاقنا وأخلاقهم إلا كما قال الشاعر :

مَلَكْنا فكان العدلُ منا سجيّة

فلما ملكتهم سال بالدم ابطُحُ

وحلّلتُمُ قتل الاسارى وطالما

كنا على الاسرى نمنّ ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا

 فكل إناء بالذي فيه ينضحُ

 

 

(....والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون }