.. ولكن الله يهدي من يشاء..
مذبحة المنشية..
السعودية
تكرر اليوم نفس المجزرة ضد أفضل علمائها..
www.mohamadabbas.net
mohamadabbas@gawab.com
mohamadab@hotmail.com
أخاف أن
أموت، قبل أن أصدع بحق أرانيه الله، وقبل أعترف بخطأ وقعت فيه، حين ظننت ذات يوم
أن الصدام بين ثورة 23 يوليو والإخوان المسلمين كان صداما سياسيا دنيويا تبادل فيه
الطرفان الأخطاء ثم انتصر أحدهما على الآخر..
أخاف أن أموت
قبل أن أصدح بها عالية صريحة واضحة أن الخلاف لم يكن كذلك.. كان للإخوان أخطاؤهم بلا شك.. لكنها الأخطاء البشرية مهما بلغ
حجمها.. وما من أجل هذه الأخطاء حاكمتهم الثورة و روعتهم وسجنتهم وعذبتهم و
أعدمتهم..
ليس من أجل
الأخطاء.. بل من أجل التزامهم بالمنهج الإسلامي ودعوتهم إليه..
ولم يكن جمال
عبد الناصر يطيق شريكا إلى جواره..
***
أخاف أن أموت
قبل أن أقول، لا انتصارا لعهد حسني مبارك – الذي لم أبغض عهدا مثلما أبغضته- ولا
إدانة لعهد عبد الناصر الذي لم أُخدع في عهد كما خدعت فيه..
لا هذا ولا
ذاك..
وإنما كلمة
حق تتضمن ضمن ما تتضمن أن كل مظاهر الإجرام في عهدنا الحالي إنما تنتمي إلى عهد
جمال عبد الناصر..
امتهان
القضاء .. بدأ يومها واكتمل الآن..
قيام الجيش
على الحشاشين والسهرات الحمراء وتفريغه من الخبرات القتالية المؤمنة..
سيادة إجرام
الدولة البوليسية..
تزوير
الانتخابات..
التعذيب..
مجانية
التعليم التي أسفرت عن وضع لا مجانية فيه ولا تعليم..
قتل روح
الأمة.. الأمة التي كانت مظاهرات طلابها تسقط حكومات الخديوي والسلطان والملك..
وتهز عرش المندوب السامي.. هذه الأمة قد تم إخصاؤها.. ولو غزت إسرائيل القاهرة غدا
لما تحرك أحد تحركا جادا.. ولو غزت المدينة المنورة بعد غد لوقفت قوات الأمن
المركزي وضباط أمن الدولة للقبض على من يحتجون على ذلك..
***
أخاف أن أموت
قبل أن أقول ذلك..
و أخاف أن
أموت قبل أن أقول لكم أن ما حدث من ثورة 23 يوليو 1952 لم يكن مجرد إجرام.. وكيف
يكون مجرد إجرام وهو يحتوي على بذور الكوارث التي حاقت بنا وتحيق..
كان إجراما..
كان إجراما حتى لو كانت القصة الرسمية لحادث المنشية صحيحة.. فحيث لم يقتل أحد تم
إعدام ستة من أعظم أبطال مصر.. وتم قتل 280 شهيدا من التعذيب.. وتم تعذيب الآلاف
وتشريد أسرهم.. وتم تشويه الإسلام ذاته والتشهير به بنفس الطريقة التي يتعامل بها
الموساد والسي آى ايه مع الإسلام والمسلمين..
أصرخ فيكم يا
ناس:
كان المخرج
في الحالتين واحدا..
وكانت الأولى
هي التمهيد للثانية.. تماما كما تتحرك مفارز استطلاع الجيش قبل تحرك الجيش نفسه..
كانت الحقيقة
واضحة جدا لكننا كنا قد فقدنا المقياس و أضعنا المعيار..
كنا قد دخلنا
في تيه لما نخرج منه..
***
أصرخ فيكم يا
ناس لو أن الإخوان قد حاولوا قتل عبد الناصر عام 54 لما سوّغ هذا كل هذا التنكيل
بالإسلام والمسلمين..
و أصرخ فيكم،
بل لو قتلوه فعلا لم سوّغ لهم أيضا..
فما بالكم يا
ناس إذا كانت القضية كلها عمل مخابرات..
***
يرعبني يا
ناس أن البشر لم ينشئوا حقيقة ولم
يوجدوا قانونا، و إنما يقتصر
كل جهدهم على الاكتشاف.. ليس اكتشاف جديد بل اكتشاف ما هو موجود فعلا..
إن نيوتن لم
يخلق الجاذبية ولا أنشأ أينشتين
النسبية ولا أجرى ابن النفيس الدورة الدموية.. لم يفعل أي منهم أيا من ذلك.. كانت
الحقيقة كنزا مخفيا موجودة مكنونة
خفية فجلوها و أظهروها.. كانت موجودة منذ ذرأ الله الخلق وخلق الكون. وماثلة
وفاعلة لكن لم يكتشفها الناس إلا حينما وحيثما و أينما شاء الله..
وذلك يرعبني
يا ناس..
لأنه يعني أن
الحقيقة تكون أمامك طول الوقت لكنك لا تراها ولا تهتدي إليها.. فإنك لا تهدي من
أحببت ولكن الله يهدي من يشاء..
نعم ..
تكون الحقيقة
أمامك فلا تراها..
فالوصول لا
يعني المثول..
والمثول لا
يعني القبول..
والحقيقة
أمامك.. لكنك لا تراها إلا حين يشاء الله..
***
هكذا كانت
قضية مذبحة المنشية بالنسبة لي..
وكما قلت في
مقالاتي السابقة فإنني لا أهدف إلى كتابة تاريخ ولا إلى سرد وقائع ولا إلى تغليب
وجهة نظر على وجهة نظر أخرى.. و إنما ما أهدف إليه هو اقتناص ومضات كانت جديرة بأن
تكشف لنا الحقيقة منذ البداية.. ومضات تمتزج فيها الروح بالعقل..
لقد اكتشفت
على سبيل المثال يا قراء أن من أكثر ما أوقعنا في الخطأ هو أننا تعاملنا بحياد مع
وجهات النظر المختلفة.. وتوهمنا أن هذا الحياد هو الموضوعية.. فكنا كمن يقف على
الحياد بين السارق والمسروق منه.. بين القاتل والقتيل.. ونسينا أنه لا يوجد حياد
بين الإيمان والكفر.. بين الخير والشر.. بين الصدق والكذب.
نعم.. لا
يوجد حياد بين الصدق والكذب..
وقد كان مما
أوقعنا في الخطأ في العلاقة بين الثورة والإخوان هو أننا غفلنا عن أن الحكم
والفيصل بين الصدق والكذب عند الإخوان – وعند كل مسلم يعرف معنى إسلامه – هو
الحلال والحرام.. أما عند الآخرين فالفيصل هو المنفعة.. فإذا كان الكذب نافعا فهو
الصواب ولا صواب سواه.. وعلى هذا فلا الموضوعية ولا الحياد حقا يسمحان بالتعامل مع
الطرفين على قدم المساواة..
إن هذا يشبه
بشكل من الأشكال ما يحدث في انتخاباتنا المزيفة.. المغشوشة.. حين يفوز أحد الطرفين
لأن الدولة وقفت وراءه بكل ما تملك من قدرة على الغش والإجرام وطمس آثار هذا الغش
والإجرام.. فهل من حقنا حينذاك أن نقول أن صندوق الانتخاب كان هو الفيصل وكان هو الحكم؟!.. وأن الموضوعية تلزمنا
بمقياس وحيد هو صندوق الانتخابات و أن وضع أي اعتبارات أخري هو خروج عن النزاهة
والموضوعية والحياد..
فهل هذا
منطق؟!
***
لم أقع في
غرام التاريخ إذن يا قراء – وليس هذا عيبا – ولكنني أرى نفس خيوط المؤامرة تستعمل
المرة تلو المرة في البلد بعد البلد
لشنقنا.
وما حدث في
مصر عام 1954 أراه يحدث الآن بعينه في كثير من بلادنا وعلى رأسها المملكة العربية
السعودية.. و أرى أمراءها يتحولون أميرا بعد أمير إلى جمال سالم و أنور السادات
وحسين الشافعي .. والدجوي.. وشمس بدران.. أراهم بنفس الظلم والغباء والخسة يسلبون
روح أمتهم.. فيقتلون أفضل من فيها أو يحاصرونهم.. بينما يتركون أو على الأحرى
يشجعون ثلاثمائة من كلاب جهنم.. كل كلب منهم خطيئة وفضيحة و عورة ولم يكن ممكنا
لأي واحد منهم أن يصل إلى ما وصل إليه إلا لأن في قمة السلطة من هو أكثر منهم
جميعا شرا ونفاقا .. و أن من صالحه أن يوجد هؤلاء.. .. هؤلاء الذين تقدموا بما
سموه بمذكرة الإصلاح.. ولقد ذكروني بأمثالهم.. كانوا أيضا ثلاثمائة كلب من كلاب
جهنم ذهبوا في مصر إلى النائب العام مطالبين بالسماح بسب الله والرسول صلى الله
عليه وسلم والقرآن الكريم.. نعم .. ثلاثمائة كلب من كلاب جهنم تقدموا بما سموه
مذكرة الإصلاح وما يقصدون بها إلا
مزيدا من الإفساد والكفر..
وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ..
أَلا
إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ..
وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ
السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( سورة
البقرة) ..
***
لم أقع في
غرام التاريخ إذن يا قراء – وليس في غرام التاريخ أي عيب- ولا أنا أقوم ببحث
أكاديمي يغلب رأيا و ينتصف لفكرة..
المسألة أعقد
من هذا و أهم و أخطر..
المسألة يا
ناس في الحلال والحرام..
المسألة صراط
في الدنيا نسير عليه فإن لم نتحر الصواب قدر ما نستطيع وقعنا في الحرام فهوينا في النار يوم القيامة..
يا ناس..
أنا لا أدافع
عن الشهيد العظيم سيد قطب طيب الله ثراه..
ولا أهاجم جمال
عبد الناصر..
الأمر أخطر
حتى من هذا..
أخطر من الحب
أو الكراهية..
الأمر يتعلق
في الدنيا بمصير الأمة.. وفي الآخرة بالجنة أو النار..
أي أحمق يكره
عبد الناصر أو يدينه إن كان ذلك يدخله النار يوم القيامة..
و أي مأفون
يؤيد الشهيد سيد قطب إذا استقر في يقينه أن ذلك سيودي به إلى الهلاك..
الأمر أخطر
من هذا لأنه لا يتعلق لا بالشهيد ولا بجلاده.. و إنما يتعلق بالله الواحد القهار..
بالولاء
والبراء..
يتعلق بـــ:
قُلْ إِنْ
كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إليكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ
فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا
يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) التوبة..
***
ولم تكن
المشكلة يا قراء أنني كرهت جمال عبد الناصر، بل كانت المشكلة أنني ذات يوم أحببته:
وبالتحديد ما بين خطاب التنحي وموته، بعد أن ذُبحنا الذبحة الكبرى في يونيو 67(
رغم أننا ذبحنا بعد ذلك ذبحات أكبر) والتي ربطت بيننا بوشائج الألم الذي لا تنفصم،
ولم يكن هينا عليّ، أن أقتنع أن
جمال عبد الناصر ، الذي أحببته وبكيته، وكان خطوة كبرى في النكبة الكبرى.. وكان
كارثة..
***
عندما يتمزق
اليوم قلبي، و أنا أري هذا البشير الذي ليس له من اسمه شئ في السودان يبيع البلاد
فإنني أتذكر على الفور جمال عبد الناصر ومحمد نجيب..
كانت كل
الحكومات قبل الثورة ترفض فصل السودان عن مصر.. وترفض أي استفتاء لتقرير المصير
فهو لا يجوز إلا إذا جاز إجراء مثل هذا الاستفتاء لأهل أسيوط..
وكان الإخوان
المسلمون ككل المصريين والسودانيين على هذا الرأي..
ممارسات
الهمج الهامج الذين قاموا بثورة 23 يوليو روعت الشعب السوداني ومكنت أعداء الأمة وعلى رأسهم الإنجليز
من تحذير الشعب السوداني من أنه لو استمر في الوحدة مع مصر فسيعامله العسكر
بالطريقة التي يعاملون بها الشعب المصري..
وكان هناك
صمام أمان هو محمد نجيب..
كان لمحمد
نجيب – بغض النظر عن جدارته – شعبية هائلة في السودان، وكانت أمه سودانية وكان قد
عاش في السودان ردحا طويلا من عمره..
***
وافقت الثورة
على استفتاء لتقرير المصير..
وعزلت محمد
نجيب..
وذهب صلاح
سالم يرقص عاريا في الجنوب فلم يفد رقصه..
وارتكب خطيئة
كبرى عندما وزع الهبات والرشاوي على القبائل والعشائر.. ومع الخطايا السياسية
والدينية الأخرى تصاعد الاتهام كل من ينادي بالوحدة مع مصر بأنه تلقى رشوة من صلاح
سالم..
و أجري
الاستفتاء..
وانفصلت
السودان عن مصر..
وجاء البشير
ليبيع البلاد لجارانج!!..
***
ألم يكن عبد
الناصر يستطيع الانتظار عاما آخر حتى يخدع الشعب السوداني قبل استفتاء تقرير
المصير..؟!..
هل كان تاج
الشوك يستحق كل هذا الثمن؟!..
هل كان
الانفراد بالسلطة يستحق كل هذا الخراب..
***
لعل بعض
القراء يعيب عليّ حدّتي.. لكن أي وصف أصفه لأي واحد من ضباط يوليو إنما أرجع فيه
إلى ضابط آخر من ضباط يوليو..
لن أستند
الآن على ما قالته كل القوى السياسية الفاعلة في مصر بين عامي 52 و 54 من أن
البصمات الأمريكية كانت واضحة على الثورة.. وكان الشهيد سيد قطب من أول من لاحظوا
ذلك..
لن ألجأ إلى
كل ذلك الآن لكني أستند على أقول الضباط بأنفسهم في أنفسهم..
كل واحد منهم
اتهم الآخر بالعمالة لأمريكا وبالخيانة..
وثمة اتفاق
على أن السادات كان كذلك.. وثمة شبهات حول عامر وشمس بدران وسامي شرف وزكريا محيي
الدين وعلى صبري .. و..و..و..
أما محمد
حسنين هيكل فقد قال لي في لقاء لم يتكرر – ونشرته ذلك قبل أعوام - أن نوعا من إعجاز عبد الناصر أنه صنع
ثورة 23 يوليو بمثل هؤلاء الذين كانوا معه.. حيث الضحالة والسطحية والقصور لا تكاد
تصدق..
كان هذا هو
حكم محمد حسنين هيكل على ضباط 23 يوليو..
وواصل هيكل
يبرر انحيازه للسادات في 15 مايو أنه كان مخيرا في الانضمام إلى فئة من فئتين:
فئة يمثلها
السادات .. والسادات جاهل..
وفئة يمثلها
ما أطلق السادات عليهم بعد ذلك مراكز القوى، وهم عصابة مجرمين.. ( الوصف ساعتها
كان لهيكل.. لكن جمال عبد الناصر كان قد سبقه إلى نفس الوصف عام 67 حين قال:
" البلد كانت بتحكمها عصابة"..)..
وواصل هيكل
مبررا انحيازه للسادات:
الجاهل
بالخبرة قد يتعلم..
أما رئيس
العصابة بالخبرة فسوف يشتد إجرامه ويزيد..
لست أنا إذن
من يصف رجال يوليو بهذه الصفات..
***
هل تذكرون يا
قراء يوم زيارة السادات للقدس.. وكيف حاول أن يدلس على الأمة ويخدعها بأن الفكرة
قد هبطت عليه كالوحي وهو في الطائرة فوق جبال آرات حيث مهبط سيدنا آدم على الأرض..
اكتشفنا بعد
ذلك بأعوام أن العملية كلها كانت عملية مخابرات تم الترتيب لها قبلها بأعوام..
فلماذا لم
نكتشف في الوقت المناسب أن حادث المنشية كله كان عملية مخابرات..
***
المؤلم أنني
احتجت إلى ربع قرن بل يزيد كي أدرك
هذا.. وكانت الحقيقة واضحة طول الوقت وماثلة..
لكن
الإلمام بالحقيقة لا يعني إدراك
الحق..
والوصول لا
يعني المثول..
والمثول لا
يعني القبول..
***
كانت الحقيقة
واضحة ..
وكان يمكننا
أن نكتشف دون صعوبة كبيرة كم وكيف دبر حادث المنشية.. ليس للتخلص من الإخوان
المسلمين بل للتخلص من المنهج الإسلامي كله..
كانت الحقيقة
واضحة..
وكانت العيون
مفتوحة..
ولكن ..
عميت البصيرة..
***
لكنني
أستأذنكم يا قراء قبل أن أتحدث عن مذبحة المنشية ، أن أعرج على واقعة خاصة.. واقعة
كانت الحقيقة فيها بكل أطرافها
ماثلة أمامي أسابيع وشهورا لكنني لم أرها إلا حين شاء سبحانه..
كان ذلك منذ
خمسة عشر عاما.. وكان المرض قد اشتد بأبي.. أبي الذي لم أحب أحدا مثلما أحببته..
كنا في مستشفى المقاولين العرب ..
وكنت أسأل
الطبيب الكبير الشهير :
- How
is he?
و إذا به
يجيب:
- How
old is he?!
كان أبي
أيامها في الثانية والسبعين من عمره، لم أدرك ذلك – رغم معرفتي اليقينية به – إلا
عندما سألني الطبيب سؤاله ذاك وكأنه يريد أن يقول لقد عاش ما يكفي، ومزقت إجابته
قلبي، وكأنما في غيبة الوعي ظننت أننا لسنا في الدنيا، بل في الجنة حيث لا نشيخ ولا نهرم ولا نجوع
ولا نعرى.. أو أن ما يسري على البشر جميعا لن يسري على أبي.. و أخذت أدعو الله أن
يشفيه ويبقيه.. ألححت في الدعاء وألحفت في الرجاء.. ونمت.. فرأيت في المنام أنني
في الروضة الشريفة.. ورأيت خالي – كان رحمه الله رجل علم – يخرج من الروضة مستاء
ففهمت أنني أقلقتهم بإلحاحي في الدعاء لأبي، و إذا به يقول في مزيج من الغضب
والحزن:
- الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغك.. لا تقلق
الآن.. تقلق في قابل.. في الشهر الخامس..
***
أصارح القارئ
أنه برغم إدراكي أن الرؤية الصادقة
جزء من النبوة إلا أنني أتعامل معها بمنتهى الحرص والحذر لا شكا فيها و إنما شكا
في نفسي ، لكنني في هذه الرؤيا بالذات كنت سعيدا كما لم أسعد أبدا.. فليفعل المرض
ما شاء إذن وليقل الأطباء ما شاءوا فقد طمأنني الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه..
كنت أراجع الرؤيا لحظة لحظة وخلجة خلجة خيفة أن يكون قد ضاع مني ملمح أو أفلت مني
حرف.. كنت مندهشا من بعض ألفاظها.. وبالتحديد من لفظ "قابل" فنحن في مصر
لا نستعمل هذا اللفظ و إن كان يستعمل في المملكة العربية السعودية للدلالة على عام
قادم.. قلت أطمئن نفسي : إذن لدي علام على الأقل أطمئن فيه، على الأقل، فاللفظ
" قابل" جاء نكرة وليس معرفا وهذا يعني أنه ليس بالضرورة العالم القادم،
و إنما أي عام قادم.. أخذت أعد الشهور بعد أن عدلت حساباتي من التاريخ الميلادي
إلى التاريخ الهجري.. الشهر الخامس.. ليس مايو إذن بل جمادى الأولى هو الشهر الذي ينبغي أن أقلق فيه و ألا أطمئن
حتى يمر.. ومرت الأيام والأسابيع والشهور.. مرت على الرؤيا خمسة شهور و أنا مطمئن
طول الوقت حتى عندما اشتد المرض وازدادت درجة الخطورة وتلميحات زملائي الأطباء
باقتراب النهاية.. وكنت أخفي سري
كمن يخفي كنزا.. قولوا كما شئتم لكن
الرسول صلى الله عليه وسلم
طمأنني.. وظللت على ذلك اليقين الواثق المطمئن حتى بدأت علامات الاحتضار فهزني
الارتياع ورجني الالتياع و أنا
أتساءل في دهشة عن الرؤيا.. وفجأة.. كلمح البصر أو التماعة البرق أو ومضة شهاب في
السماء انبلج معنى الرؤيا واضحا كفلق الصبح..
تقلق في قابل..
لم يقل عاما..
في الشهر
الخامس..
وهذا هو
الشهر الخامس..
المعنى واضح
وجلي وموجود طول الوقت لكنني لم أفهمه إلا الآن..
وقد آن
الأوان..
ورحت أسترجع:
إنا لله و
إنا إليه راجعون..
بعدها
بساعتين مات أبي..
***
أنا ضنين
بأحداث حياتي يا قراء.. ولست حريصا بأي شكل من الأشكال أن أثقل عليكم بتفاصيلها..
لكنني في هذه السلسلة من المقالات لا أريد أن أنقل لكم ماذا عرفت وكيف عرفت.. بل
أريد أن أقول لكم كيف ضللْتُ وكيف خُدعت. لأن ما ينطبق عليّ هو ما ينطبق على سواد
هذه الأمة، و عذري يا قراء هو عذر لكم.
لقد كانت
الرؤيا صريحة بموعد موت أبي طيلة الوقت لكنني لم أفهم إلا عندما حل الأجل..
لم يزد في
الخلجات خلجة ولا في الكلمات كلمة..
ما اختلف هو
طريقة تفكيري..
فانقلب الوضع
كله..
***
لست حريصا يا
قراء على أن أنقل لكم أكبر قدر من المعلومات، ففيما مضى كان الطريق إلى الأحكام
الخاطئة هو قلة المعلومات.. الآن .. على العكس.. ما يضل هو الغرق في المعلومات..
وكمّ التفاصيل الهائلة التي لا تعرف ما هو الصواب فيها وما هو الخطأ.. على أن
الأشد والأنكى .. هو الكمّ الهائل من المعلومات المغشوشة المصنوعة كي تزيف وعينا.
***
ما أريد
التركيز عليه، هو أنه ليس من حق أي واحد منا أن يدعي فقدان وعيه، أو أنه لم يكن
يعرف ما يحدث.
في تلك
الأيام من عام 1954 كنت طفلا دون العاشرة، و ما زلت أذكر كيف كنت أجلس وسط الكبار
مروّعا مذهولا و أحد المجندين يأتي في إجازته كل بضعة أسابيع يفخر بما يفعله في
السجن الحربي من تعذيب للإخوان المسلمين.
كانت قاعة
الدرس الديني تتحول من سماع الشيخ – وهو خالي الذي ورد في الرؤية فقد كان ما يزال
حيا - إلى سماع الجندي
المجند في السجن الحربي..
كان ضميري
يئن ويصرخ، وكان المنافقون أو الجبناء أو الأغبياء يدّعون أنه من المستحيل أن يوافق عبد الناصر على هذا القدر
الهمجي الوحشي من العذاب..
وغرقت في
أحلام يقظة أعبر فيها الحجب و أخترق الجدران فأصل إلى عبد الناصر في خفية من
الجميع لأنبهه كي يتدارك الكارثة.
وفي ذلك
الوقت، كان الجو المحيط بي ما بين الرعب والخوف الذي أذل أعناق الرجال، وما بين
الجهل والنفاق.
كان الوفديون
يشعرون بشماتة هائلة في الإخوانيين الإرهابيين ..
لم أكن قد
أدركت ولا عرفت أن الوفد أول حزب علماني فصل الدين عن الدولة..
وما كنت عرفت
ولا أدركت أن سعد زغلول مهما بلغت زعامته كان علمانيا من تلاميذ كرومر، و أن
امرأته تسمت باسمه كي تهرب من اسم أبيها الخائن، وأن سعدا نفسه كان مقامرا ومجاهرا
بعدم الصلاة وبالإفطار في رمضان .. و أنه هو الذي عضد وشجع ونشر فكر قاسم أمين
وكتبه.. و أن ميدان التحرير قد سمي
كذلك.. لا احتفالا بتحرير الوطن أو الأمة.. بل ذهبت صفية مصطفى فهمي الشهيرة بصفية
زغلول مع صويحباتها لا لمهاجمة معسكر الإنجليز هناك في ثكنات قصر النيل.. بل ذهبن
ليمزقن الحجاب ثم يدسنه بالأقدام ثم يحرقنه..
وكان الشيطان
يزين لهم أن هذا هو التحرير..
ولهذا سمي
الميدان ميدان التحرير..
***
نعود إلى
السؤال: كيف خدعنا ولماذا خدعنا..
كان الناس
كانوا قد تركوا مقياس الولاء والبراء، ولم يعد الإسلام مرجعية.
وكان بعض
الصوفية من ناحية وبعض أصحاب البدع من ناحية أخرى يرون أن ما يحدث للإخوان المسلمين هو القصاص الإلهي العادل
وانتقام أهل البيت والأولياء منهم، فهم – كما يقولون - لا يحبون هؤلاء ولا أولئك..
بل إنهم يهاجمون الموالد والأضرحة.. وهم ينتسبون إلى الوهابيين الذين كانوا يريدون
هدم ضريح الرسول صلى الله عليه وسلم!!..
لست أدري من
كان يقول ذلك ولا من كان يروجه..
ولقد علّمت
نفسي منذ زمان بعيد: عندما لا تدري: ابحث عن المخابرات..!!
يضاف إلى هذا
وذاك، في الوسط المحيط بي آنذاك، أن المحيطين من الإخوان، وما أصابهم من فزع، لم
يكونوا من النوع الجليل الشامخ الذي عرفته بعد ذلك، بل كانوا عنصر تنفير لا تبشير.
كانت الصحف
والمجلات والإذاعة تهاجمهم باستمرار ولم يكن هناك أحد أبدا يدافع عنهم. ولم يكن
هناك ما يدعوني لتكذيب كل أولئك،
كنت أصدق ما يقال عنهم، وعلى الرغم من ذلك كنت أدين تعذيبهم بجماع قلبي، فهناك دين
وهناك قانون، أما ما يحدث من تعذيب فهو الإجرام بذاته.
***
الغريب،
الغريب حقا أنني أذكر تفاصيل كثيرة عن أحداث 54، بينما لا أكاد أذكر شيئا عن أحداث
65، وعدا الألم الفادح يوم نشر خبر إعدام الشهيد سيد قطب ورفاقه، لا أكاد أذكر
شيئا، ولعلها حيلة دفاعية للنفس، فلو أن أحدا صب عليك رصاصا منصهرا فإنك سوف تصاب
بالإغماء كوسيلة دفاعية لتقليل الإحساس بالألم الذي لا يمكن احتماله. ولعل النفس
تفعل نفس الشيء، فعندما تواجه النفس بألم لا يمكنها احتماله، فإنها تواجهه بفقدان
الذاكرة. كان الألم الفادح أنني لم أكن أستطيع تصور أن هؤلاء الشهداء عملاء
للأمريكيين كما تقول الإذاعة والصحف، وفي نفس الوقت، لم أكن أستطيع أن أكذب شيوخ
الأزهر، الذين راحوا يهاجمونهم بمنتهى العنف، متهمينهم بأنهم خوارج، و بأنهم مرقوا
من الإسلام. ولم أكن أستطيع أن أتصور أن المفتيين عامي 54 وعام 65، قد أباحا
دماءهم دون سند شرعي.
***
لا غفر الله
لأولئك الشيوخ..
لا غفر الله
لهم ..
لا غفر الله
لهم..
***
كان الضمير
ممزقا بين ما لا يمكن تصديقه وما لا يمكن تكذيبه..
وكان الوعي
والوجدان ممزقين كذلك..
كان كل
الكتاب – كل الكتاب – كالمفتي وكشيوخ الأزهر..
وكنت أفتقد
المنهج و الأدوات والمعلومات لكنني بالحدس كنت أدرك أن هناك خطأ هائلا و أننا
مقدمون على كارثة، فتنبأت بهزيمة 67..
واستدعاني
الأمن وحذرني..
من الهزيمة
إلى موت جمال عبد الناصر كانت هدنة بين إدانة سابقة و إدانة لاحقة.. كنا نعاني ذات
الجرح وننزف نفس الدم..
عام 68 قضيت
ليلة في وزارة الداخلية، كتبت تفاصيلها في مقال سابق.. وفي نهاية هذه الليلة كان
نائب وزير الداخلية يصرخ في وجهي:
-
- أنا
أتعاطف معك لأنك تذكرني بشبابي، كنت
نظيفا مثلك، لكنني الآن ملوث
ومدان و أعرف أن جميع ما تقوله صواب و أننا على خطأ. وزير الداخلية مثلي، ملوث
ومدان، وزير يعرف أنه على خطأ، رئيس الوزراء كذلك، جمال عبد الناصر أيضا ملوث
ومدان ويعرف الباطل والصواب، وهو
على باطل ويعرف ذلك..
التزاما بالدقة فإنني قمت الآن بتهذيب
العامية التي تحدثنا بها يومها، أما مكان كلمتي : " ملوث ومدان فقد كانت
الكلمة التي قيلت هي كلمة: " وسخ" .. وعلى أي حال فالكلمة عربية صحيحة)
صرخت يومها:
البطولة
والإبهار والمجد والزعامة و الإلهام والفكر والحكمة والقداسة والعصمة والصواب
المطلق ونفي الآخر وادعاء أن الآخر كان شيطانا رجيما ... كل ذلك لم يكن كذلك..
لقد نجح برنامج صناعة النجم على غير الحقيقة
فألبس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق..
كل ذلك.. لم
يكن كذلك ..
" الثورة
.. ليست كذلك"..
"و
هيكل.. ليس كذلك"..
وتلك الصورة
المثالية الحالمة ليست كذلك..
الطهر كان
عهرا..
والبطولة
كانت خيانة..
والخونة
حاكموا الأبطال..
***
بعد موت جمال
عبد الناصر كان السادات بغيضا، وكان توجهه إلى أمريكا و إسرائيل مفزعا، وكان الكشف
عن تفاصيل جرائم التعذيب مروعا، وكانت حجة الشيطان التي أخرت اكتشافي لحقيقة ما حدث أنني قلت لنفسي: " كلمة
حق يراد بها باطل"..
وكان ثروت
أباظة هو الذي تصدى لنشر تفاصيل التعذيب في المجلة التي يرأس تحريرها..
وكنت أبغضه
كثيرا..
***
في
الثمانينيات كانت الأدلة تكتمل وثمار التجربة المرة تثمر..
وكنت أحاول
التوفيق بين المتناقضات.. أو على الأحرى التلفيق لا التوفيق..
قلت لنفسي
على سبيل المثال أن حادث المنشية حقيقي وليس مصطنعا.. و أنني عاتب على
الإخوان أن ينكروا ذلك، لقد كان من
حقهم في ضوء المعلومات التي توفرت لي أن يقوموا بهذه المحاولة التي يشرفهم أنهم
قاموا بها ولا يشرفهم إنكارها.. و أن قيامهم بالمحاولة يقدم اعتذارا جزئيا لعبد
الناصر فيما فعله بهم بعد ذلك..
لم أكن قد
أدركت أن الخلاف لم يكن خلافا سياسيا بل كان الأمر أبعد من ذلك بكثير..
***
تحت وهم
الموضوعية قلت لنفسي أن كلا من الطرفين يبالغ في عيوب الطرف الآخر.. و أن علىّ ألا
أصدق أيا منهما و أن أبحث عن طرف محايد..
ولم يكن ثمة
طرف محايد!!..
***
هل
تعرفون يا ناس الحديث النبوي الشريف عن خطاب "
حاطب بن أبي بلتعة" إلى أناس
من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكشف الله
لرسوله أمره فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا
المنافق، قال: (إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
***