الامكانية المفقودة للمصالحة بين الحكم والشعب في مصر
بقلم :محمد عبدالحكم دياب
في الوقت الذي تجري فيه أعمال مؤتمر الحزب
الوطني الحاكم، في القاهرة، منذ الجمعة، نجد أن الواقع المصري الداخلي محكوم
بثلاثة مشاهد رئيسية، بالغة الدلالة، أولها مشهد الطوابير والازدحام علي المخابز
ومنافذ بيع السلع الاستهلاكية، مثل الدقيق والزيت والسكر والأرز، وما شابه. في
اعلان واضح عن معاناة المصريين من أزمة تموينية حادة، في فترة افتتاح المدارس
والجامعات، وقرب حلول شهر رمضان بالتزاماته ومطالبه، وبعد انهيار غير مسبوق للقيمة
الشرائية للجنيه المصري، وهناك من الصحافيين من وصف المشهد بأنه يعيد إلي الذهن
مجاعات عصر المماليك، أما المشهد الثاني يتلخص في فيض المشاعر والتقدير البالغ،
للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، بمناسبة بلوغه سن الثمانين، يوم الثلاثاء الماضي،
وتراجعه عن قرار الاعتزال، الذي كان قد أنتواه من عدة شهور.. والوفاء من شعب مأزوم
إلي هذه الدرجة، يكشف عن طبيعة معدنه، وموقفه من رموزه ورجاله العظام، ودلالة هذا
المشهد أن الذاكرة العامة لا تنسي من أحسن، وكثيرا ما تهمل من أساء.
هيكل ينال هذا التقدير الشعبي، بعد ثلاثين
عاما من الغياب عن أي منصب رسمي أو صحافي، وفي وقت يعيش فيه حصارا اعلاميا داخليا،
بقرار من صاحب الأمر والنهي في عزبة الاعلام الرسمي وشبه الرسمي، قدروه لعصاميته،
وبنائه لذاته، واعتزازه بنفسه، ومحافظته علي كبرياء الكلمة.. ومع هذا الحصار ارتفع
رصيده إلي عنان السماء، بين مواطنيه ومحبيه وتلاميذه، في أوساط المهتمين والمثقفين
والسياسيين، هذا علي الرغم من اختلاف البعض مع توجهات وآراء هذا الكاتب الكبير،
قدروا فيه معاصرته لحقب ثلاث.. فاصلة في تاريخ مصر والمنطقة العربية.. تحولات
وتراجعات حادة، من الثورة والتحرير والتنمية المستقلة، إلي الردة والتبعية
والانفتاح، وصولا إلي الجمود والانعزالية والنهب المنظم، عاصر المعارك الكبري في
الداخل والخارج، وأعطي في زمن كانت فيه المعرفة والثقافة، حقا للكل، ومتاحة
للجميع، يقودها مؤمنون بهذا الحق، ولم يتوقف عطاؤه، في مرحلة التراجع الكبير، الذي
أصبحت فيه الثقافة والمعرفة كلام أفنديات ، أسندت مهمتها إلي تاجر زهور، ثم انتقلت
إلي تاجر ماشية وعجول، واستمر في مرحلة ثقافة التهافت و المحاسيب ، المخصخصة.
هذا الاحتفاء الرسمي بهذا الكاتب العملاق، لم
يهز شعرة لدي الأجهزة المعنية بالاعلام والثقافة، وقد يكون موقفها التزاما بالرأي
الرسمي، حول الكتابة والصحافة والاعلام، وهو ما نستشفه من حكاية منسوبة للرئيس
مبارك، أثناء واحدة من رحلاته الخارجية، سأل الرئيس مرافقيه من الصحافيين: من أحسن
صحافي في مصر؟ وكان الرد فيما يشبه الاجماع: هيكل.. ويبدو أن الرئيس أراد أن يسفه
موقف الصحافيين علي طريقته، فرد قائلا: هيكل.. كان يادوب ( كلمة يادوب تعبر عن
محدودية القدرة باللهجة المصرية) بيكتب مقال واحد في الاسبوع، أما سمير رجب بيكتب
أربع مقالات في اليوم !!.
يأتي المشهد الثالث، في ذلك الحشد، الذي قامت
به مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن لحساب مؤتمر الحزب الحاكم، وكان أقرب لدعوة زفاف
لزواج باطل بين اثنين، لا يصلحان لبعضهما البعض، الأول طامع وصاحب مصلحة، والآخر
يشعر بالخطر والتهديد من هذا الاقتران، ولهذا كان المدعوون من المتواطئين، أو
المنافقين، أو المجاملين في أحسن الأحوال، وذلك لكسب شرعية ليس هذا هو الطريق
الصحيح إليها.
قد تبدو هذه المشاهد منفصلة. وهي في الحقيقة
غير ذلك، هناك علاقة تربطها، لأنها تعكس طريقة الادارة السياسية للدولة، فالمشهد
الأول يعكس أزمتها وضعف نظامها وعجزه، فقد ظهر وكأنه فوجئ بما يحدث، وكأنه ليس
بمسؤول عنها، وعن تفاقمها، بعجزه عن توفير حد الكفاية المطلوب للمواطن، وكل ما حدث
أن خوفه من السقوط زاده قلقا، فالسخط االعام، وأحاديث الناس ونقدهم وهجومهم الشديد
علي الحكم ورجاله، في الشارع، جعل للهاجس الأمني الهيمنة علي رأس الدولة ومساعديه،
فهم وهم يعملون بقانون للطوارئ يمنع تجمع أكثر من خمسة أفراد، في مكان عام، فكيف يتصرفون
مع مئات الساخطين، أمام المخابز ومنافذ توزيع المواد التموينية، فالجوع كافر ، و
ملعون أبو قانون الطوارئ الذي يمنعني من الحصول علي رغيف خبز لأولادي أو لأهلي ،
هكذا قال أحدهم، عندما نبهه آخرون إلي خطر التجمع بهذه الأعداد، التي قد تتحول إلي
مظاهرات، تعيد إلي الذاكرة انتفاضة يناير/ كانون ثاني 1977، وكانت لمن يتذكر
انتفاضة من أجل الخبز.
كان لا بد من التدخل العاجل، وقيام الرئيس
بنفسه بمتابعة الموقف، وسط قناعة مسيطرة علي الساخطين، أن التدخل ليس رغبة في حل،
أو حبا في سواد عيون الناس.. فهناك أهوال يعاني منها المجتمع لم تلق اهتماما،
فالفساد المستشري لا يجد التصدي الكافي من أجهزة الدولة، ولا بالحماس الذي تعالج
به المشكلة التموينية، وكذلك النهب المنظم لم يجد من يوقفه حتي الآن، والسرقات
المعلنة والخفية، ليس هناك ما يمنعها. إن الخوف من انفلات الأمور هو السبب وراء كل
هذا الاهتمام!!
وعندما أراد الرئيس مبارك تبرئة ساحته
ومسؤوليته عن الأزمة، تحدث إلي الناس، وأرجع السبب إلي زيادة السكان، وقد علق
كثيرون بقولهم: لماذا لم نسمع مثل هذه الحجة في الصين، التي وصل عدد سكانها إلي
ألف ومئتين وخمسين مليون نسمة؟ ولا في الهند، التي تجاوزت الألف مليون نسمة؟ من
الأكثر سكانا، مصر ذات السبعين مليونا، أم الصين أم الهند؟، تكاثر السكان ليس شيئا
طارئا، فمعدلاته معروفة، والدول والحكومات، التي لا تعاني من العلل النفسية
والسياسية تخطط لمواجهتها، وتتحسب لكل الاحتمالات، وزيادة السكان ليست مشكلة في المجتمعات
المنتجة، غير الطاردة.. المطلعون يعرفون أن المتسبب في الأزمة ليس رئيس الوزراء أو
الوزراء، فكلهم يعملون بـ توجيهات الرئيس ، ودورهم لايتعدي دور الفنيين
والاداريين، العاملين في بلاط الحكم، فبحكم الطبيعة المركزية والفردية لحكم الرئيس
مبارك، فالمسؤولية بالكامل تقع علي عاتقه، وناتجة عن السلطات الواسعة التي منحها
لابنه، ووظيفة رئيس الوزراء والوزراء لا تتعدي المرمطة ، نيابة عن مقام الرئاسة،
لأن الاقتراب منها خط أحمر غير مسموح بتجاوزه.
حاولت صحيفة أخبار اليوم ، في عددها السبت
الماضي، الاقتراب من التعرف علي المتسبب، فبرأت ذمة عبيد، وأشارت بخجل إلي الحزب
الحاكم، وواضعي سياساته ، التي تلزم الدولة، ويبدو أنها عنت لجنة السياسات، عندما
اتهمت يوسف بطرس غالي، عضو اللجنة، بأنه، من وجهة نظرها، السبب في انهيار الجنيه
المصري، الذي خسر خمسين في المئة من قيمته، خلال سنتين، ومع أنها، لم تشر، من قريب
أو بعيد، إلي الفاعل الحقيقي، وهو ما كانت قد أشارت إليه مصادر أمريكية، منذ ما
يقرب من سنتين، ونشرناه في حينه، قالت إن صاحب قرار تعويم الجنيه هو جمال مبارك،
وليس عاطف عبيد، أو يوسف بطرس غالي (يمكن مراجعة مجلة بيزنس ويك الأمريكية 5 / 11
/ 2001).
ومؤتمر الحزب الحاكم الذي بدأت جلساته أمس،
لمدة ثلاثة أيام، ليس مؤهلا للنجاح، لأنه غير قادر علي التحول إلي حزب حقيقي،
فالحزب الذي يستمد قوته ونفوذه من شخص رئيس الدولة وأجهزة الأمن، لا معني لوجوده،
يضاف إلي ذلك أن مهمته ليست اعداد أو افراز القيادات، بقدر ما هو الالتفاف والتحول
إلي بطانة، كانت يوما لحساب الرئيس، وها هي تتغير لتصبح بطانة لحساب الوريث ،
والفرق هو في الشكل الاستبدادي والفردي للحكم، فالقواعد والأسس واحدة، وستستمر
الديمقراطية حلما يتطلع إليه الناس، والمشكلة هي فيما بقي من قدرة لدي المصريين
علي التحمل، فقد تحملوا ما فوق طاقة البشر.
مشاهد حكومة تستحوذ علي كل السخط، وكاتب ينال
كل الرضي، وحزب لا هم له إلا مساندة هذا الزواج غير الشرعي مع السلطة، تبين أن
شعبا يعيش مثل هذا الضنك، ويجد لديه متسعا لتقدير الأوفياء، فمعناه أنه شديد الوعي
بما يجري، وفي تكريمه واحتفائه بهيكل، يوجه رسالة أخيرة، إلي من يهمهم الأمر، أن
الحكم سقط من الحساب، وهذا لن يمنع الناس من التعلق بأمل الاصلاح، برهانهم علي صدق
كلمة الصادقين، وعلي نزاهة رأي المخلصين، وأقلام الأحرار من الكتاب، وهم بذلك
يثبتون أن ما يكتب ويقال لا يذهب هباء، ما دامت هناك ثقة ما زالت باقية، في كلمات
وآراء، لأناس ما زال هيكل يحتل موقع الصدارة بينهم.
وهذه الرسالة تقول ان مصر بحاجة إلي ً عقد
اجتماعي جديد.. تقوم عليه العلاقة بين الشعب ونظام الحكم، ومنه يستمد الحكم
شرعيته، القائمة علي ثقة المحكومين وموافقتهم، فغياب هذه الشرعية يعني أن الحكم
مغتصب، ولا بد من العمل علي استرداده، بالطرق الشرعية والمشروعة، علي قواعد
المواطنة، التي تتكفل بالمساواة بين جمال مبارك وبين باقي أبناء الشعب، وبين أسرة
الرئيس وبين باقي الأسر، كي لا تحتكر السلطة، ولا يورث الأبناء مناصب الآباء.
هذا العقد الاجتماعي يجب أن يعالج قضية
الانتاج وتوزيع الثروة، فلا شرعية لنظام يفقر شعبه، ولا ولاية لأحد يشبع وأهله
يتضورون جوعا، فلا الفقر ولا التجويع مصدرا لاستقرار حكم، فضلا عن أن أقل وصف لمن
لا يعالجه أو يخفف من وطأته هو الجشع.. الثروة لها وظيفة اجتماعية تتطلع إلي العدل
الاجتماعي، والسلطة لها وظيفة سياسية تقوم علي المشاركة في الحكم والقرار، ونظام
الحكم الذي لا يرفع مستوي معيشة شعبه، ولا يشركه القرار لا مبرر لوجوده
واستمراره.. ثروة الاقتناء والاكتناز والسفه والمظهر لا تبني اقتصادا، ولا تحمي
أمة، ولا تمنع نظاما فاشلا من السقوط، حكامنا في مصر لا يتعلمون من دروس الماضي
والتاريخ، من الذي اكتنز وهرّب أكثر من فرديناند ماركوس، وزوجته اميلدا؟، ومن الذي
أثري واغتني أكثر من محمد رضا بهلوي، وزوجته فرح؟، من استطاع حمايتهم وقت
السقوط؟.. أمريكا تركتهم يهيمون علي وجوهم، ولو كانوا كلابا ضالة لنالوا منها
اهتماما أكبر. ألم يتوسل رضا بهلوي المأوي، وهو يعاني سكرات الموت في أيامه
الأخيرة؟.. قد يتذكر الكانزون والنهابون والسراق، أن كل هذا إلي زوال، ولن يعصمهم
من مثل هذا المصير إلا مصالحة شعبهم.
صحيح أننا كمن ينفخ في قربة مقطوعة ، فقد
تعودنا من حكام هذا الزمان أنهم لا يتنازلون عن شيء للشعب، هم فقط يتذللون
للأعداء، ويركبون رؤوسهم ولا يجدي معهم أي جهد أو دعوة للمصالحة.