لا عدل الا ان تعادلت القوى!
كأن بعض قومنا شربوا من نهر الجنون، فصاروا
يصدقون دعوى كل مأفون. ومن ضمن الدعاوى الخطيرة، والمسلمات غير المسلمات، والكلام
الدعائي المعسول الرخيص: دعوى السلام العادل المشرف الذي نسترجع او استرجعنا به
كافة الحقوق العربية.
وقومنا بهذه الدعوى اصابوا عدة مقاتل من
انفسهم ومنا معهم في وقت واحد. كمن يضغط على زناد بندقيته وفوهتها موجهة الى صدره
او رأسه.
فهم أرادوا اولاً ان يغطوا العجز والقصور
والتقصير في استرجاع الحق وتقرير المصير، وبدل الاعتراف بالقصور والرجوع الى الحق
واستدراك التقصير، قمنا نخدع انفسنا بأن ما نزاوله ليس خداعاً للذات، وتضليلاً
للشعوب، وانما هو سلام الشجعان، الذي استرجعنا به ارض العربان، وحقنا الضائع من
زمان، فما عجزت عنه الأمة في عقودها المنصرمة من عمر القضية، استرجعه حفنة من المفاوضين
بلا جيوش ولا قوة ولا دمار لا شامل ولا غير شامل. ولا ندري أين الخلل؟ أفي الجهد
الضائع السابق، أم في التهويش «الرائع» اللاحق؟ أم فيهما؟
فأول الاخطاء «او الخطايا» ممارسة العمى او
التعمية او «الإعماء» او الاستعماء، سمه ما تشاء، حتى لا نرى حقائق الاشياء.
وثاني الآفات والمهلكات، اختزال حقنا في الذي
«أُعطي» لنا، وهماً او توهماً، وهذا يتضمن التنازل عن ما سواه، وهو يعدل 94% من
ارض فلسطين. والمصيبة ان الذي «أعطيناه» في الحقيقة لم نعطه. فنسبة 6% الموعودة
غير موجودة، ولا أزِمَّتها بأيدينا ولا سلطان فعلياً لنا عليها، وانما هي قطع
مقطعة ومزق ممزقة واشلاء مبعثرة، يحتاج الفرد في التنقل من قطعة الى قطعة الى نصف
نهار، فيهدر الوقت والجهد والعمر فيما لا طائل تحته. ثم هم يفرضون علينا في قطعنا
او رقعنا الممزقة من يكون الوزير او مدير السلطة ومن لا يكون، ومن «يحق» له ان يقيم
ومن ينبغي ألا يقيم، ومن لا ينبغي ان يقيم. فمن أثبت «حسن السلوك» بالمواصفات
الاسرائيلية فهو ممن يمكن ان يرضى عنه بنو صهيون، ومن عارض شيئاً ولو يسيراً
فمصيره التهديد والطرد والابعاد والحرمان. فيرتقي الخونة ويختفي المخلصون، مثلما
امتدح الرئيس بوش ابا مازن ودحلان بأنهما قيادات تاريخية. طبعاً لا تسل عن المقياس
الذي به قاس مستر بوش حتى ارتفع هؤلاء واضرابهما في نظره، واذا انخفضا غداً كما
حصل لعرفات، فلا تسل عن اسس الخفض والرفع. وهذه مهلكة او مهزلة مزلة مذلة ثالثة
ترتبت على الآفة الثانية.
اما النكبة الرابعة، او الطلقة الرابعة في
الرأس، فان نصف كل هذا الاجحاف والضيم والهضم والظلم والانتقاص الممارس بحقنا من
قبل الصهاينة ان نصفه بالعدل، وان نصف الفعل الناشئ عنه او المخلوق المشوه الناتج
من ان نصفه بالعادل، وهو الظلم المبين بعينه.
فان كان هذا العدل فأين وما يكون الظلم؟ ومتى
وكيف ومن؟ وهل يطمع او يطمح من مجرم في العالم كمجرمي الصهاينة ان تنعتهم ضحاياهم
بالعادلين وان تنعت فعلهم بالعادل؟ ولعمر الحق انها لكبيرة على الهضم والفهم وانها
من تلبيس ابليس على قوم من القيم مفاليس! وان المثل الذي سنضربه قاصر وعاجز عن
تصوير الحالة اذا قلنا ان مثلنا مثل قوم قتل قاتل ابنهم فتنازل اهل القتيل عن
الحق، وذهبوا الى مضارب القاتل معتذرين واصفين قتيلهم بكل نعت سيئ، وان كل ما وجده
القاتل مع القتيل حلال له، وانهم سيدفعون تعويضاً للقاتل. هذا فيما أرى تصوير قاصر
عن التعبير عن حالتنا مع هذا المجرم الخطير، الذي اغتصب الوطن وشرد الابناء وقتّل
الأهل، وفرق الشمل والجمع.
والمصيبة الخامسة ان نصف من مارس كل هذا (..)
ان نصفه بالشجاع، والسلام بأنه سلام الشجعان. ولئن كان التنازل شجاعة فأي ضيم يلحق
منظومة القيم وأي خلل وفساد يلحق اللغة والمفردات؟
والداهية السادسة ان يصبح تبعاً لكلما سبق
ولاحقاً لكل الاجرام الذي تم، وان ينتج عن كل التفريط الذي حصل، والتخريب الذي
حدث، ان ينتج عنه ان يوصم كل من يمارس فعل المقاومة المشروع بل المفروض ان يوصم
بالمخرب وفعله بالتخريب، وان يوصف بالارهابي وفعله بالارهاب، وان ينعت بالتطرف
والمفرطون معتدلون.. ثم يطلب منا ان نكون اول من يدين بني قومنا اذا قاوموا، وألا
ندين عدونا اذا اعتدوا وهاجموا ثم ان يطلب منا ان نقدم المعلومات الاستخباراتية من
خلال لجان التنسيق الأمنية مع عدونا.
ان حجم التضليل خطير، وما يجري سيكون له اثر
كبير.. وما لم ننتبه قبل ان يجرفنا السيل ستكون الندامة كبيرة، ونختم كلماتنا
العاجزة بأبيات رائعة لابي القاسم الشابي في وصف حالتنا من قبل عقود طويلة، من
خلال قصيدة جميلة سماها: «فلسفة الثعبان المقدس»، وفيها يقول بعد ان يصف عصفوراً
غريداً يجوب الطبيعة في ربيعها الخلاب ويرشف من رحيقها مغرداً فيتلقاه الثعبان
مهدداً، فيقول العصفور:
أيعد هذا في الوجود جريمة ... أين العدالة يا
رفاق شبابي
لا، أين! فالشرع المقدس ها هنا ... رأي القوي
وفكرة الغلاّب
وسعادة الضعفاء جرم ماله ... عند القوي سوى
أشد عقاب
ولتشهد الدنيا التي غنيتها ... حلم الشباب
وروعة الاعجاب
أن السلام حقيقة مكذوبة ... والعدل فلسفة
اللهيب الخابي
لا عدل الا ان تعادلت القوى ... وتصادم
الارهاب بالارهاب
ثم ختم قصيدته الجميلة التي قطفنا بعض زهرها
ببيت جميل فيه يقول، واصفاً فعل الثعبان وردوده ومنطقه على منطق العصفور:
وكذاك تتخذ المظالم منطقاً ... عذباً لتخفي
سوءة الآراب