في الثامن والعشرين من ايلول هذا العام اكملت
الانتفاضة عامها الثالث، وقد تميز هذا العام بزخم الاحداث والتفاعلات السياسية
التي غطت أيامه، أحداث طرحت أكثر من سؤال حول مصير الانتفاضة. ففي النصف الأول من
هذا العام أكملت السلطة الفلسطينية آخر التزاماتها نحو المرحلة الأولي في خارطة
الطريق بالموافقة من حيث المبدأ علي تعيين رئيس للوزراء إلي جانب الرئيس عرفات
وبصلاحيات واسعة كما تنص عليها شروط هذه الخارطة، وفي النصف الثاني غزت
الإمبريالية الأمريكية وحليفتها بريطانيا العراق، وكان أيضا إعلان أمريكا لمشروع
خارطة الطريق وتشكيل حكومة فلسطينية جديدة كهيئة أركان لرئيس الوزراء الجديد،
وانطلاق المفاوضات الأمنية مع الحكومة الصهيونية ثم الهدنة كما أطلق علي عملية وقف
القتال والمقاومة الفلسطينية من جانب واحد، لكن ابرز الملامح تركزت في مظهرين
الأول تعمق مأزق السلطة الفلسطينية الداخلي فخلال هذا العام تم تشكيل ثلاث حكومات،
واصطدم الوهم الفلسطيني الرسمي بالحقيقة التي تحويها خارطة الطريق، حيث كانت تعتقد
السلطة أو ترغب ان يكون هذا المشروع ممرا نحو (الدولة المستقلة)، فتعين رئيسا
للوزراء وبمعزل عن النوايا شكل ترجمة لعبارات بوش في رؤيته التي دعا من خلالها إلي
(تشكيل قيادة فلسطينية جديدة تحارب الإرهاب بحسم) أي المقاومة الفلسطينية، وتبين
أن جوهر هذا المشروع القديم الجديد امني من ألفه إلي يائه يهدف لاحتواء القضية
الفلسطينية وتأمين الأمن للاحتلال الصهيوني ومستوطنيه ونقل التناقض للمجتمع
الفلسطيني، والمظهر الآخر المكمل لهذه اللوحة تمثل بانفلات القوة لحكومة شارون
العنصرية من عقالها وتحرير كافة مكابحها فالتصعيد ضد شعبنا وقيادته باغتيال
ومحاولة اغتيال قيادة وكوادر حماس، ثم القرار الأرعن الذي اتخذته الحكومة
الصهيونية بإبعاد عرفات مضافا إلي هذا البعد العمودي في التصعيد النوعي اتساع مداه
أفقيا.
هذه المعطيات تطرح علينا العديد من الأسئلة
أهمها: هل استنفدت الانتفاضة الفلسطينية زخمها وبالتالي ضرورات استمرارها؟ وما هي
الأهداف التي حققتها خلال ثلاث سنوات من عمرها؟ وهل تشكل خارطة الطريق كمشروع
لإطلاق مفاوضات جديدة مع إسرائيل بديلا سياسيا وطنيا واقعيا للانتفاضة والمقاومة
وتعبيرا عن مسار سياسي دبلوماسي يشكل استثمارا ايجابيا لإنجازاتها، وما هي
الاستحقاقات المطروحة علي شعبنا وقيادته السياسية؟
بالعودة الي أسباب الانتفاضة كمبادرة شعبية
وحالة تمرد وردا علي إخفاق المفاوضات السياسية ووصولها الي طريق مسدود في كامب
ديفيد عام 2000، ورفضا لمحاولات حكومة باراك الصهيونية إملاء شروطها السياسية
والسعي لتقزيم ثوابت قضيتنا الوطنية فالانتفاضة مثلت الرد الطبيعي علي التصعيد
السياسي الصهيوني وكانت وتائر فعلها وأساليب المقاومة والأسلحة التي استخدمتها
نتاجا طبيعيا متناسبا مع وتائر التصعيد الصهيوني ضد جماهير شعبنا، كما ان الثغرات
التي رافقتها وابرزها غياب القرار السياسي الموحد والمرجعية القيادة الواحدة هي
أيضا نتاجا لحالة الانقسام السياسي التي عاشها شعبنا منذ ولادة مسار مدريد اوسلو
كما ان مستوي التناسب بين أساليبها في المقاومة أي بين الطابع العنفي المسلح
والجماهيري الشعبي بتنوعه هو الآخر نتاجا للمقدمات التي راكمتها القوي السياسة
الدافعة للانتفاضة.
لقد استطاعت الانتفاضة الفلسطينية خلال عامين
من اندلاعها دفع الأمم المتحدة لاستصدار القرار رقم 1397 من مجلس الأمن، هذا
القرار نص علي ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة واخرج موضوع الدولة من دائرة أي
مفاوضات قادمة أو محتمله، كما استطاعت ان تفاقم الأزمة الداخلية للمجتمع الصهيوني
إلي مستوي لم تعهده الدولة العبرية في فترات ومحطات سابقة، أزمة شاملة لها تجلياتها
السياسية والاقتصادية والأمنية فعلي الصعيد السياسي كان ابرز ملامح هذه الازمة
صعود شارون القائد السياسي المحكوم عليه إسرائيليا بالفشل والنفاق والاحتيال إلي
رأس هرم السلطة السياسية في إسرائيل، وكشف زيف مدعي اليسار الصهيوني حول التعايش
كشعارات رفعت أمام جماهيرهم وجماهير شعبنا الفلسطيني.
علي الصعيد الأمني فان حالة الهلع التي عاشها
المستوطنون داخل وخارج الخط الأخضر مدعمة بنسبة الخسارة البشرية 1-3 تقريبا تدلل
علي حجم الانهيار المعنوي والتهتك الذي وصل في فترات معينة إلي حالة الهستيريا لدي
جمهور الدولة الصهيونية. غير ان الإنجاز المهم كان باستعادة الشعب الفلسطيني في
كافة تجمعاته لوحدته الطبيعية التي تعبر عن وحدة الأهداف والمصير. فالكل الفلسطيني
شارك في فعاليات الانتفاضة كل بطريقته وحسب ظروفه الخاصة.
اما ان تكون الانتفاضة الفلسطينية قد استنفدت
اغراضها، فهذه الفرضية يؤكدها او ينفيها طبيعة المشروع السياسي المطروح كإطار
ومسار دبلوماسي تفاوضي لإنجاز تسوية سياسة مع العدو.
فالمشروع المطروح هو خارطة الطريق والتي لم
تبق كما وردت بنصها الأصلي واخضع مسارها للاشتراطات الإسرائيلية، ولان هذا المشروع
قد قيل فيه الكثير، اكتفي بالقول ان مشروعا سياسيا بني علي مقدمات تجريم الشعب
الفلسطيني وادانة مقاومته المشروعة ووسمها بالإرهاب والتدخل الوقح في الشأن
الفلسطيني الداخلي، هذا المشروع لن يكون سوي مظلة أمريكية سياسية لإدارة الأزمة في
فلسطين ومحاولة احتوائها وفتح الفرص لإملاء إسرائيل شروطها ومنطقها علي شعبنا
والسلطة الفلسطينية، وعليه فان مقايضة الانتفاضة بمشروع خارطة الطريق ليس مشروعا
مربحا لجماهيرنا ويعيد تكرار مساومة اوسلو الفاشلة وبطبعة جديدة اكثر سوءاً، ربما
تكون مربحة لبعض الشرائح الطبقية في رأس هرم السلطة التي رأت في المسار السياسي
التفاوضي ومرحلة اوسلو فرصة لبناء مشاريعها الخاصة او المشتركة بالتعاقد مع
مستثمرين صهاينة. وبفرض ان هذه الدعوة تعبر عن اجتهاد سياسي بنوايا حسنة فان
استبدال أشكال النضال كما يقرره المنهج العلمي السياسي ليس اعتباطيا او تعسفبا ً،
بل يخضع للقراءة الموضوعية للتناقضات في كل لحظة سياسية محددة، فالانتقال من ميدان
القتال في ظروفنا إلي منابر العمل الدبلوماسي التفاوضي يفترض أن الانتفاضة
الفلسطينية قد أوجدت مقدمات تحقيق أهدافها بتعديلها لموازين القوي التي تحكم صراع
شعبنا مع الاحتلال، وان هذا التعديل أملي عليه قبول منطق إنهاء احتلاله للأرض
الفلسطينية واعترافه بحق شعبنا بالعودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة
وعاصمتها القدس فهل وصلنا إلي هذه الحالة، الواقع والمعطيات يجيبان بالنفي فما هو
مطلوب عمله اليوم قبل الغد يمكن تكثيفه علي النحو التالي :
أولا: تحرير الجماهير وقواها السياسية من وهم
احتمالات انحياز أمريكا او حتي توازن موقفها لجانبنا وتوليد ظروف دولية مواتية
لإنجاز تسوية سياسية يتمخض عنها تحقيق أهداف شعبنا الوطنية والسعي لإدارة حوار
وطني جدي ومسؤول يؤدي إلي توحيد الرؤية السياسية والقرار السياسي الموحد والمرجعية
القيادية الواحدة التي نراها في ظروفنا الراهنة تتحقق من خلال بناء قيادة موحدة
تضم كافة القوي السياسية الفلسطينية والشخصيات الاجتماعية الوطنية الوازنة.
ثانيا: ان البديل السياسي لخارطة الطريق
والرؤية السياسية الواقعية التي يمكن ان تنظم نضالات الانتفاضة هي دعوة المجتمع الدولي
لتحمل مسؤولياته وتوجيه ضغوطه علي إسرائيل من اجل وقف عدوانها علي شعبنا، وتأمين
الحماية المؤقتة له عبر الإشراف الدولي المؤقت كمرحلة انتقالية تؤسس لبناء مؤسسات
دولتنا الفلسطينية المستقلة الديمقراطية، والدعوة لعقد مؤتمر دولي تحت رعاية
وإشراف الأمم المتحدة وبصلاحيات كاملة، وظيفته وضع آليات تنفيذ إسرائيل لقرارات
الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية ويشكل إطارا لوقف العنف والتدهور
الأمني في المنطقة.
ثالثا: إعادة الاعتبار للبعد القومي خاصة بعد
احتلال العراق كجزء من المشروع السياسي الأمريكي لبناء ما سمي بالشرق الأوسط
الجديد كإطار لإطباق الهيمنة الشاملة علي المنطقة العربية، فالإطار القومي هو
القادر علي تحقيق الأهداف الوطنية للشعوب العربية وتمليكها القدرة علي مقاومة
مشروع السيطرة الأمريكية الجدي، وان مطالبتنا بتوفير هذا البعد يملي علينا ان نكون
مبادرين مساهمين في بناء أوسع حركة شعبية عربية لمناهضة العدوان الأمريكي الصهيوني
علي امتنا، وتقديم خطاب فلسطيني نهضوي يرتكز علي تصعيد المقاومة القومية والوطنية
ولا يشكل متكأ او مسنداً لهبوط الأنظمة العربية الرسمية أو تبرير تواطئها مع
أمريكا.
رابعا: تشخيص الثغرات التي أدت لانعدام
التوازن بين أساليب الفعل المقاوم الشعبي والعمل علي توفير مقدمات استنهاض الحالة
الشعبية عن طريق بناء وتوفير الركيزة التنظيمية والهيكل القيادي للانتفاضة
وامتداداته في المدن والقري والأحياء وإعادة بناء المنظمات الشعبية والمهنية وفرز
قيادات منتخبة ومؤهلة تعيد الحياة لهذه المؤسسات وتشكل أدوات كفاحية لتجنيد وتنظيم
الفعل الشعبي المقاوم لكافة قطاعات شعبنا وفئاته، فانعدام التوازن بين أساليب
المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية ليس طغيان العنف او استحضار الآلة العسكرية
الصهيونية بكامل قوتها عبر ما سمي بعسكرة الانتفاضة، بل غياب الأدوات الجماهيرية
والخطة والبرنامج لتفعيل قطاعات الشعب وتوفير البعد الديمقراطي الشعبي للانتفاضة.
وأخيرا ورداً علي التهامسات التي تغطي
دعواتها لإنهاء الانتفاضة تحت يافطة الحفاظ علي المصلحة الوطنية العليا لشعبنا
أقول بوضوح لأصحاب هذا الرأي أن استمرار الانتفاضة قد يلحق الأذي بمشروع سلطة
الحكم الإداري الذاتي وهذا منطقي وممكن، فالسلطة أي سلطة ليست هدفا بحد ذاتها إلا
لمن ينظر إليها كإطار لتحقيق مصالحه الخاصة، وهي في ظروفنا وكما أشيع فور توقيع
اتفاق اوسلو الذي أنجبها أداة نضالية لتحويل ممارسة الصلاحيات المنقولة من
الاحتلال إلي سيادة حقيقية واستكمال عملية إنهاء الاحتلال عن أرضنا، يمكن تفهم هذا
الاجتهاد لكن إذا كفت السلطة عن قدرة القيام بهذه الوظيفة وأصبحت بفعل الضغوطات
الدولية ومبررات بقائها يفرض تحولها لأداة أمنية وظيفتها قمع الشعب الفلسطيني ولجم
انتفاضته ومقاومته، فما المبرر لبقائها وهل تعبر في هذه الحالة عن المصلحة الوطنية
العليا لشعبنا.....؟
إن هذه الخلاصة ليست دعوة لحل السلطة
الفلسطينية بل دعوة لامتلاك الجاهزية للحفاظ علي الكيانية السياسية لشعبنا عندما
تطرح الظروف معادلاتها الصعبة وتصبح ضرورات استمرار السلطة مشروطة بالاستسلام
لاملاءات العدو في ظل لحظات قادمة ومحتملة. إن أداة نضال شعبنا الاستراتيجية
وعنوان وحدته في كافة أماكن تواجده ووحدة أهداف نضاله هي منظمة التحرير الفلسطينية
لذا فان المهمة المفصلية المطروحة علينا الآن أكثر من أي فترة سابقة هي إعادة
الاعتبار لهذه الأداة ووضع آليات عملية وديمقراطية لإعادة بنائها وتوسيعها لتشمل
في إطارها كافة تكوينات شعبنا السياسية والمجتمعية، فهي عنوان وأداة المواجهة في
المرحلة السياسية الراهنة التي يعيشها شعبنا في تاريخ صراعه مع عدونا الصهيوني.
نقلا
عن القدس العربي