فشِلَ في العراق فاختلت موازينه الفلسطينية!

 

 

 

بقلم : جواد البشيتي

 

الوضع الانتخابي للرئيس بوش في العراق لا يبشّر بالخير، ويدعوه إلي أنْ يكون في قلق شخصي (سياسي) متزايد. ويحاول الرئيس الجمهوري، عبر وزير خارجيته كولن باول، إضعاف التأثير الانتخابي السلبي للأزمة الأميركية المتفاقمة في العراق من خلال إقرار مجلس الأمن الدولي لمشروع القرار الأميركي، لعل ذلك يفضي إلي تعزيز الدور الإمبريالي للولايات المتحدة في هذا البلد بالشرعية الدولية وبالقوة المتعددة الجنسية وبمساهمة مالية دولية في إعادة الإعمار ، فتضمن إدارة الرئيس بوش أنْ تؤدي تنازلاتها الشكلية والجزئية للأمم المتحدة ولقوي دولية مهمة مثل فرنسا وألمانيا وروسيا إلي تقلّص الحصّة الأميركية من الخسائر والأعباء، فيعود الرئيس بوش ثانية إلي البيت الأبيض ليكتشف المجتمع الدولي بعد ذلك أنْ لا دور عمليا أدّاه ويؤديه سوي مساعدة الولايات المتحدة علي الاحتفاظ بسيطرتها الإمبريالية الشاملة طويلة الأجل علي العراق، وعلي جواره الإقليمي بالتالي.

غير أنّ إدارة الرئيس بوش تحاول هذه المحاولة من دون أنْ تعلل نفسها بوهم أنّها قد تتوصل إلي النتائج التي تريد، والتي تُترجم بتحسين وزيادة فرص الفوز الانتخابي للرئيس الأميركي، فاحتمال أنْ يزداد وضعها في العراق سوءا مع حلول الموسم الانتخابي ما زال قائما ويزداد قوة، وينبغي لها، بالتالي، أنْ تبحث عن مجال آخر تستثمر فيه رأسمالها الانتخابي علي خير وجه، فيعوّضها، انتخابيا وفق ما تعتقد وتأمل، خسائرها الانتخابية في العراق، الذي ينظر إليه جمهور واسع، ويزداد اتساعا، من المواطنين والناخبين الأميركيين علي أنّه مستنقع فيتنامي جديد.

إنّ هذا المجال، الذي يبحث عنه الرئيس بوش الآن، هو توثيق عري التحالف بين إدارته والقوة الانتخابية الأميركية الموالية لإسرائيل وحكومة شارون علي وجه الخصوص ، فإنّ من الغباء السياسي، بحسب مقياس مصالحه الشخصية الانتخابية، أنْ يذهب إلي الانتخابات وهو في علاقة صداقة غير قوية أو غير حميمة مع حكومة وحزب شارون، فإغضابه لرئيس الوزراء الإسرائيلي في وقت تجري الرياح العراقية بما لا تشتهي سفينة الإدارة الجمهورية يمكن أنْ يفضي به إلي هزيمة انتخابية.

وهكذا تتحول أزمة الرئيس بوش المتفاقمة في العراق، مع اقتراب الموسم الانتخابي، إلي عامل تغذية إضافي لحاجته الشخصية الانتخابية إلي أنْ يشتري رضا إسرائيل بإبدائه مزيدا من العداء للسلطة الفلسطينية ورئيسها السيد ياسر عرفات، وكأنّه لم يجد إلا في هذا العداء المجال الأفضل الذي يستثمر فيه رأسماله الانتخابي المتآكل!

نتوقع، وينبغي لنا أنْ نتوقع، أنْ يؤدي تزايد الخسائر والأعباء الأميركية في العراق إلي مزيد من التأييد الأميركي لشارون في موقفه من الرئيس الفلسطيني، فالانتهازية الانتخابية للرئيس بوش هي، الآن، التفسير المنطقي الوحيد لاشتداد الميل لديه إلي إبداء مزيد من العداء الشاروني للرئيس عرفات، قيادة وسلطة ودورا.

ربما لا تستطيع إدارة الرئيس بوش قبول أنْ يُترجم العداء الشاروني للرئيس عرفات بأعمال من قبيل قتله أو إبعاده، فالحال الأمثل، بحسب وجهة نظرها الآن وبحسب المصالح الأميركية، هي إبقاء وتشديد الحصار الإسرائيلي للرئيس عرفات في مقره في رام الله (واتخاذ إجراءات إسرائيلية لعزله عن العالم الخارجي) لعلّ ذلك يؤدي، في آخر المطاف، ومع اشتداد الحرب الشارونية علي الفلسطينيين إلي إرغام الرئيس الفلسطيني علي التنازل عن دوره القيادي وسلطته، فتظهر قيادة حكومية فلسطينية بديلة ، تُحارب، بمعونة عسكرية وأمنية خارجية (أميركية وإسرائيلية في المقام الأول) قوي ومنظمات المقاومة الفلسطينية جميعا بدعوي تدمير البني التحتية للإرهاب؛ ثم تتولي، بمعونة سياسية ومالية واقتصادية خارجية، فرض الحل الشاروني علي الفلسطينيين، الذين حُطّمت مقاومتهم القومية، عسكريا وسياسيا ومعنويا وماليا.

هذا الوهم الكبير، الذي انتقل بالعدوي من رأس شارون إلي رأس بوش، هو ما حمل الرئيس الأميركي علي القول: إنّ عرفات فشل بصفة كونه قائدا، وينبغي للفلسطينيين، إذا ما أرادوا الحصول علي دولة، إيجاد قيادة بديلة منه، تحارب الإرهاب بلا هوادة، وتزيل، بالتالي، العقبات (الفلسطينية) من طريق خريطة الطريق !

الرئيس بوش ما زال ينظر إلي سياسة الحصار والعزل وإلي الحرب الشارونية علي الفلسطينيين علي أنّهما الطريق إلي المجيء بقيادة حكومية فلسطينية بديلة من قيادة عرفات، فإذا اقترب أو حل الموسم الانتخابي في الولايات المتحدة من دون ظهور مثل هذه القيادة فإنّ الإدارة الجمهورية لن تتردد في إعلان أنّ الفلسطينيين قد فشلوا في أنْ يكونوا شريكا في الجهود المبذولة لتنفيذ خطة خريطة الطريق ، وأنّ هذه الخطة والوعد بقيام دولة فلسطين بحلول سنة 2005 قد أصبحا أثرا بعد عين!

الآن، ينتظر الرئيس بوش تأليف السيد أحمد قريع (أبو علاء) للحكومة الفلسطينية الجديدة ليعمل مع شارون علي إحباط عملها عبر دعوتها إلي القيام بأعمال تجعلها في نزاع (شاروني الغاية) مع قوي ومنظمات المقاومة الفلسطينية ومع رئاسة السلطة الفلسطينية، فإنْ رفضت تلبية هذه الدعوة ردت حكومة شارون بمزيد من الحرب علي الفلسطينيين، وردت إدارة الرئيس بوش بإعلان أنّ الشريك الفلسطيني ما عاد موجودا!

لقد ردّ الرئيس الفلسطيني علي المحاولة السابقة لإيقاع الفلسطينيين في فخ الحرب الأهلية بتكليف السيد أبو علاء بتأليف حكومة فلسطينية جديدة وبإقامة مجلس الأمن القومي الفلسطيني ، مؤكدا عبر ذلك أنّ كل الضغوط التي تعرّض لها لم تتمكن من النيل من قوته السياسية، وأنّ النتيجة العملية النهائية لهذه الضغوط كانت زيادة التأييد الشعبي الفلسطيني له، وتأكيد الشرعية الفلسطينية والدولية لقيادته وأنّ السلام يحتاج إلي تعزيز دوره القيادي.

وحرص الرئيس الفلسطيني، هذه المرة، علي أنْ يبرز ويوضّح للعالم، وللولايات المتحدة علي وجه الخصوص، دور فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية في اختيار رئيس الحكومة الفلسطينية، الذي يحتاج، بعد تأليفه لحكومته، إلي نيل موافقة المجلس التشريعي عليها.

وحتي تتمكن هذه الحكومة من تأدية دورها الأمني والسياسي في طريقة تؤكد عزم الفلسطينيين علي الوفاء بالتزاماتهم الأمنية المنصوص عليها في خريطة الطريق ، وعلي تنفيذ هذه الخريطة في طريقة تمنع فرض الحل الشاروني عليهم، وتحبط محاولة إضعاف الدور القيادي للرئيس المنتخب للسلطة الفلسطينية سعي السيد أبو علاء، وفي تأييد تام من الرئيس عرفات، لجعل حكومته ممثّلة لكل القوي السياسية الفلسطينية مع منح حركة فتح الحصة الكبري من حقائبها.

وعبر حكومة كهذه يتوقع ويأمل السيد أبو علاء أنْ يُظهر للعالم أنّ الفلسطينيين، جميعا، عازمون وقادرون علي الوفاء بالتزاماتهم الأمنية المنصوص عليها في خريطة الطريق في طريقة تسمح لهم بتلبية حاجتين معا: الحاجة إلي اتخاذ المفاوضات سبيلا إلي الحل، والحاجة إلي الحفاظ علي وحدتهم القومية.

إنّ الهدف الأول لعمل الحكومة الفلسطينية الجديدة هو أنْ تؤكد للعالم أنّ كل ما يحتاج إليه تنفيذ خطة خريطة الطريق من هدوء أمني يمكن ويجب التوصل إليه عبر قرارات وإجراءات وتدابير أمنية فلسطينية تحظي بتأييد شعبي وسياسي فلسطيني واسع، وأنّ حكومة شارون هي وحدها المسؤولة عن إحباط المسعي الأمني الفلسطيني إذا ما أُحبط.

الفلسطينيون ليس لديهم منظمات إرهابية حتي يحق لإدارة الرئيس بوش دعوة حكومتهم إلي شن حرب لا هوادة فيها علي الإرهاب وبناه التحتية. الفلسطينيون لديهم منظمات وقوي مقاومة يمكن ويجب أنْ تقاوم الاحتلال الإسرائيلي بطرائق وأساليب ووسائل لا تعود بالضرر علي المصالح الفلسطينية العامة، وأهمها المصلحة في الحفاظ علي الوحدة القومية للفلسطينيين.

وللفلسطينيين، في الوقت الحاضر، مصلحة كبري في أنْ تكون لهم حكومة، تحظي بتأييد شعبي واسع، وتستطيع الوفاء بالالتزامات الأمنية الفلسطينية، التي لا تمتّ بصلة إلي ما يسمّي الحرب علي الإرهاب ، والتي لا تلحق الضرر بوحدتهم القومية، التي من دون الحفاظ عليها وتعزيزها يسهل تجريدهم من سلاحي المفاوضات و المقاومة".

لقد أوضح لنا الرئيس بوش أنّ مقاييسه التي يقيس بها قادة وزعماء الشعوب والدول لا تمت بصلة إلي المقاييس الطبيعية والتاريخية، فما عادت الشرعية القومية والدولية الديمقراطية جزءا من مقاييسه، فالقادة والزعماء الذين ليسوا مع الولايات المتحدة في حروبها الإمبريالية المتلفعة بما تسميه الحرب علي الإرهاب هم ضد شعوبهم، وضد الحضارة!

الرئيس بوش قرر أنّ عرفات فشل بصفة كونه قائدا لشعبه؛ ولكن متي قرر ذلك؟!

عندما قررت الغالبية الشـــــعبية الفلسطينية، بعد قرار حكومة شارون التخلص من عرفات ، أنّ الرئيس عرفات المنتخب ديمقراطيا ما زال قائدا للشعب الفلسطيني، ويتمتع بالشرعية القومية والديمقراطية، وأنّ محاولات فك الارتباط بين قيادته و السلام لا تؤدي إلا إلي جعل السلام هدفا بعيد المنال.

وعندما تحدي إسرائيل والولايات المتحدة علي إزالة العقبات من طريق إجراء انتخابات فلسطينية حرة ديمقراطية في إشراف دولي، يختار عبرها الفلسطينيون القيادة التي يستحقون".

وعندما دعت البرغماتية السياسية إدارة الرئيس بوش إلي الإقرار بحقيقة أنّ إزالة العقبات من طريق السلام تتطلب تعاونها مع الرئيس الفلسطيني لا العمل علي إقصائه، فالقرار الاستراتيجي الفلسطيني ما زال، وعلي رغم كل الضغوط الإسرائيلية والأميركية، في يد الرئيس عرفات.

وعندما أكدت الغالبية العظمي من دول العالم، عبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أنّها ترفض قرار حكومة شارون التخلص من عرفات"؛ لأنّ المجتمع الدولي ما زال ينظر إليه علي أنّه الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطيا، والذي يحظي بتأييد الغالبية العظمي من الفلسطينيين، ويملك القدرة السياسية علي جعل السلام أمرا ممكنا.

ولا أدري ما معني الديمقراطية والشرعية عندما ترفض الولايات المتحدة، في مجلس الأمن، مشروع قرار، ثبت، في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أنّ الغالبية العظمي من دول العالم تؤيده، وعندما تعلن حكومة شارون أنّ قرار الجمعية العمومية لا معني له ولا قيمة، وأنّه لا يعدو أنْ يكون ورقة جديدة أضافها الفلسطينيون إلي أوراقهم التي لا تضر ولا تنفع، ضاربة صفحا عن حقيقة أنّ كل الشرعية الدولية التي تتمتع بها دولة إسرائيل لم تتعدَ في مصدرها ورقة مماثلة هي قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الرقم 181!

ولا أدري ما معني أنْ تعلل إسرائيل نفسها بالقول، تعليقا علي صدور القرار، إنّ ثمـــــــة غالبية في الأمم المتحدة جُبلت علي إظهار العداء للدولة اليهودية، فهل العيب يكمن في غالبية دول العالم أم في إسرائيل والولايات المتحدة بصفة كونها المحامي الوحيد عنها في العالم، والذي صار يشبهها في العزلة الدولية؟!

لقد قرر الرئيس بوش أنْ يحارب، في سياق حربه علي الإرهاب ، حتي الحقائق التي تفقأ العيون، فأعلن أنّ عرفات قد فشل بصفة كونه قائدا لشعبه، فبئس دولة عظمي تبتني سياستها من حجارة الأوهام الإسرائيلية!